بقلم : عاصم حنفى
زمان.. وفى العصر الرومانى.. عرفت البشرية قوانين وشرائع حمورابى.. وطبقتها بصرامة حتى انهارت الإمبراطورية الرومانية بسبب تلك القوانين المتشددة.
قوانين حمورابى كانت تعاقب السارق بالسجن والجلد.. وتعدم القاتل وتفقأ عين من فقأ عينا.. وتكسر ضلع من كسر ضلعا.. وتمارس القصاص بسرعة مذهلة.. دون إبطاء أو تأخير.
المشكلة الوحيدة.. أن تلك القوانين كانت تطبق على آحاد الناس.. على العامة والفقراء والضعفاء.. أما الأغنياء والأمراء وذوو النفوذ.. فكانت القوانين تستثنيهم من العقاب.. فلا يحاسبون أبدا..!
ولعل إنجاز البشرية بعد ذلك.. هو تلك العدالة العمياء التى لا تفرق أبدا بين الواقفين بين يديها.. فلا تميز بين الغنى والفقير.. بين الضعيف وصاحب النفوذ.. ولو كانت العدالة مبصرة لما عرفت البشرية العدل والمساواة..!
أقول قولى هذا مؤكدا أن ما يقولونه اليوم عن ضرورة تطهير القضاء.. هو عودة من جديد لعصر حمورابى.. وهى محاولة للأخونة عينى عينك.. بدليل تلك الهجمة الرعناء التى يقودها إخواننا من حزب الحرية والعدالة..!
هم يتعاملون مع القضاء بالقطعة.. إذا أعجبهم حكم قضائى.. صفقوا له وهللوا وأشادوا بالقضاء الحر المستقل والذى هو على سنجة عشرة.
فإذا ما أصدر القضاء حكما لا يوافق هواهم رفعوا شعار تطهير القضاء.. وتحدث قادتهم عن الفلول والطابور الخامس والثورة المضادة.. ودعوا أعوانهم للمليونية تارة. ولمحاصرة دار القضاء والمحكمة الدستورية تارة أخرى!
الهجمة الأخيرة ضد القضاء.. سببها ذلك الحكم بإخلاء سبيل حسنى مبارك المحبوس احتياطيا لمدة عامين كاملين.. وطبقا لنصوص الدستور والقانون المحلى والدولى ومبادئ حقوق الإنسان المعترف بها عالميا.. لا يجوز لك أن تسجن متهما على ذمة قضية أكثر من مدة محددة.. جعلها المشرع المصرى عامين كاملين.. بعدها يخلى سبيل المتهم مادمت قد فشلت فى إثبات الاتهام ومحاكمته عن جرائمه.
فى حالة حسنى مبارك فشلت الدولة تماما فى إثبات الاتهام.. ومن الواضح أن الدولة تعانى الشيزوفرينيا الفاقعة لأنها حددت مقدما ضرورة سجن أو إعدام مبارك نزولا على طلب الجماهير.. وعندما طالب العقلاء بمحاكمته طبقا لقوانين الثورة.. وهى قوانين استثنائية غالبا.. طالبوا بمحاكمته عن تهمة واضحة محددة.. هى الفساد والإفساد السياسى.. عن تجريف مصر من عقولها وخبراتها.. محاكمته على جريمة الاستئثار بالحكم لمدة ثلاثين عاما دون وجه حق.. قلنا إن الشرعية الثورية تستوجب محاكمته سياسيا لا جنائيا.. لكن الإخوة فى الحكم أصروا على محاكمته جنائيا.. بحجة أن تلك المحاكمة سوف تساعد فى استرداد الأموال الهاربة.. وقدموا أدلة الإدانة.. قالوا إنه حصل على فيلتين دون وجه حق.. وأنه أصدر أوامره بقتل المتظاهرين.. قالوا إنه تكسب من وظيفته وحصل على هدايا من هنا وهناك.
وعندما حقق القضاء فى تلك الجرائم اكتشف ضعف وغياب الأدلة الواضحة الملموسة.. فكان الحكم بالإفراج عن الرجل بعد عامين كاملين من الحبس الاحتياطى.. فهاج الإخوة واتهموا القضاء بالفساد ورفعوا شعار التطهير..!
وكأن المطلوب أن يحكم القاضى حكما سياسيا على جرائم جنائية.. أو كأن المطلوب أن يعطى ضميره إجازة ويحقق للإخوة ما يهدفون إليه..!
عليكم أن تحددوا مطالبكم جيدا.. فهل تريدونها عدالة عمياء يستوى الواقفون أمامها فى الحقوق والواجبات.. أم أنكم ترغبون فى إعادة قوانين حمورابى من جديد.. فتصدرون أحكاما توافق هوى الحكام؟!
الإجابة سوف تحدد شكل الحكم فى المرحلة المقبلة.



