السبت 28 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. داليا مجدى عبدالغنى

تروقني بشدة أغنية العندليب الأسمر "عبد الحليم حافظ" (أعز الناس) ، سيما المقطع الأول من الأغنية الذي يقول : "على طول الحياة ، نقابل ناس ، ونعرف ناس، ونرتاح ويا ناس عن ناس ، وبيدور الزمن بينا يغير لون ليالينا ، بنتوه بين الزحام والناس ، ويمكن ننسى كل الناس" ، فبالفعل اللغز المحير في هذه الحياة ، هو تساؤلنا المستمر ، لماذا قابلنا هؤلاء الناس؟ ولماذا أحببناهم؟

ولماذا بدلتهم وبدلتنا الحياة؟ ولماذا فارقناهم؟! وكأن الدنيا تُجبرنا أن نسير طريقًا لن ينتهي إلا بالألم ؛ بسبب صدمتنا في البعض ، وحزننا على عِشرتنا لهم ، وألم الفراق الذي لا يضاهيه ألم ، والغريب أن هذا هو الدرس الوحيد الذي لا نتعلم منه ؛ لأننا بمجرد أن نلتقي بأي إنسان تغلب علينا طبيعتنا في افتراض حسن النية والرغبة في اكتساب وده وصداقته ، وغالبًا ما نمر بذات المراحل السابقة مرة أخرى ، بل مرات كثيرة ، ونعود لذات الأسئلة المحيرة ثانية .

أظن أن الحياة لها حكمة من ذلك ، وهي أنها لابد أن تدور بنا ، وتجعلنا نتقابل في نقطة لقاء واحدة ، ثم تدور دورتها الثانية ، لتضعنا أمام نقطة الفراق ؛ حتى نلتقي بآخرين ، وهكذا ، فهذه هي "دورة الحياة" ومراحلها ، فمن يظن أن مراحلها مقتصرة فقط على الطفولـة والشباب والكهولة ، فهو مخطئ ، فالحياة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالبشر ، ولا يمكن أن تُغلق دائرتها على الحيز الذي اختاره الإنسان لنفسه ، فهي تفرض عليه رغمًا عنه أن ينصاع لبيولوجيتها ، وأكبـر دليل على ذلك ، أن كل من يخرج من أي علاقة متعثرة ، سواء كانت صداقة أو عمل أو عاطفة ، فأول قـرار يتخذه يكون هو العزلة وعدم الاختلاط بالآخرين؛ خشية تكرار التجربة ، ولكنه دون أن يشعر يتعرف على الآخرين وينسى دون قصد منه قراره ، وينجذب للتجربة التي غالبًا ما تختلف في تفاصيلها وتتفق في خطوطها العريضة مع التجربة السابقة ، ولولا ذلك ما كانت الحياة استمرت ، بل كانت ستقف عند كل صدمة ، وكل تجربة اعتراها الفشل ، ولكن الطبيعي هو جذب الحياة لنا ، وقدرتها على التأثير على سيكولوجيتنا ، فنحن بالفعل كما قالت الأغنية السابقة ، دائمًا نلتقي بالناس ونعرفهم ونرتاح لبعضهم ثم تأني المرحلة التي ننسى فيها كل الناس ، سواء من ارتحنا لهم ، ومن لم نتكيف معهم ؛ وذلك بسبب زحمة الحياة التي تجعلنا نتوه حتى عن أنفسنا ، لذا علينا ألا نقف كثيرًا عند أسباب تغيرات الآخرين ؛ لأننا أيضًا نتغير دون أن نُدرك ، وغيرنا يشعر كذلك بالدهشة من تغيراتنا وتبدلنا ، وعلينا أن نعي أن جميع قراراتنا قابلة للتنفيذ إلا قرار واحد هو تحدي بيولوجية الحياة.

تم نسخ الرابط