هل تخرج أحزابنا السياسية إلي الشارع بعد بياتها الشتوي والصيفي الطويل منذ انتهاء انتخابات البرلمان ؟ هل تخرج علينا بصورة مختلفة وجديدة تثبت فيها أنها مؤهلة بشكل جاد وحقيقي للتنافس في انتخابات المحليات التي لا تقل أهمية عن انتخابات البرلمان ؟ هل تتخلي عن مبررات العجز في التواصل مع الجماهير باللجوء إلي غياب الحرية وتعسف السلطة تجاهها ؟ هل تقدم لنا مسوغات نجاح إذا تولت السلطة .. أم أن شعار تداول السلطة للاستهلاك فقط ؟
الحقيقة أني أشك في ذلك لأن واقع الحال يقول أن ثورتين فشلا في سد الفراغ الذي ملأ الحياة السياسية منذ عقود طويلة عاني فيها الشعب من غياب التجربة الحقيقية للحياة الحزبية والسياسية مما خلق حالة عزلة فرضت نفسها علي جيل أو أكثر أبعدته عن الدخول إلي دهاليز السياسة للتعلم واكتساب الخبرة والانخراط في العمل السياسي وصولا إلي حالة تنافس صحية قوية تؤدي إلي صيغة تكون فيها القاطرة أحزاب حقيقية لها تواجد فعلي في الشارع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للوطن !
ورغم نجاح التجربة السياسية الحزبية قبل ثورة 1952 في ظل ظروف صعبة كان الوطن فيها محتلا إلا أن التجربة الحزبية التي أطلقها السادات في منتصف سبعينيات القرن الماضي لم تتطور ولم تأخذ طريقا لتداول السلطة , وظلت أحزابا كارتونية شكلية علي يمين أو يسار السلطة لا تقدم ولا تؤخر ..بل عقدت الكثير من الصفقات مع السلطة لتحتفظ لنفسها بموطئ قدم في المشهد السياسي الذي يحقق لها مكاسب دون بذل أي جهد حقيقي علي المستوي الشعبي بين الناس , ولذلك ظلت أحزابا في طور الطفولة تحتاج الرعاية وتطلب الدعم والمساندة من السلطة التي تسعي لإزاحتها من المشهد السياسي وتحكم بدلا منها !!
كانت مبررات هذه الأحزاب دائما جاهزة وكلها تدور حول أن النظام الحاكم لم يسمح لها بالتعاطي مع الجماهير ويضيق عليها الخناق فلا تستطيع التواصل مع القواعد الشعبية ولا تتمكن من عقد المؤتمرات لبناء قواعد شعبية في أنحاء الوطن يمكن معها بناء أحزاب قوية ، فبعد 25 يناير وسقوط النظام وانتزاع حق الحرية والحركة والانتشار وتحطيم كل القيود التي منعت الأحزاب من التكوين ومن العمل الميداني بلا قيود وكذلك كل القوي السياسية التي عانت كثيرا بسبب توجهاتها المعارضة للحكم ..لم تستطع هذه الأحزاب وهذه القوي تحقيق أي شيء علي مستوي التواجد في الشارع ولم تستطع استقطاب فئات من المجتمع كانت تبحث عن تحديد هوية سياسية لها تمارس من خلالها حقوقها السياسية وتندمج في آليات اللعبة .
هربت الأحزاب السياسية إلي الوراء أحيانا , وإلي الأمام أحيانا أخري ..هربت إلي الوراء عندما لم تستطع تقديم رؤية وإستراتيجية واضحة وحلولا لمشكلات مزمنة في هذا الوطن وهربت إلي الأمام عندما قفزت علي هدف الوصول للشارع وتطلعت مباشرة لحجز مكان لها في مستقبل الوطن دون تقديم أوراق اعتمادها للشعب فأدخلت نفسها في جدل وسفسطة كشف حقيقة وجودها حجما وتأثيرا في الشارع وأنها أحزاب شكلية تمارس المعارضة للمعارضة فقط وأن رموزها يتحولون حسب الحالة وحسب الظروف ..فهم في المعارضة مجرد مجموعة تصريحات وأدوات نقد ..وعندما يدخلون السلطة ويصبحوا جزءا من العمل التنفيذي تسقط عنهم ورقة التوت ويظهروا بلا رؤية أو خطة وأنهم ضد ما كانوا يؤمنوا به فيدخلون في بيات شتوي أو صيفي حتي يأتي وقت انتخابات – أي انتخابات – فيعلو الصوت من جديد وتتدفق المبررات لتغطي عن العجز الواضح في بنيتها الأساسية وقواعدها الكرتونية ، ويضيع الوقت في خلاف وصراع حول الشكل ونسب المكاسب من معركة الانتخابات .. وبعدها يعود ريما لعادتها القديمة !
الحياة السياسية والحزبية علي المحك إذا كانت تريد النجاح ، وكل المبررات التي كانت تسوقها لتغطية عجزها سقطت وتلاشت إلا أن الشكوى ما زالت قائمة ، ومع استمرار الشكوى تفقد المزيد من المصداقية في الشارع السياسي بسبب فشلها وغياب الرؤية عندها .. !