السبت 28 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. داليا مجدى عبدالغنى

جميل جدًا أن يُضحي الإنسان من أجل الآخرين ، وأن يفكر في مصالحهم ورغباتهم ، وأن يُؤْثرهم على نفسه ، ولكن هل سلسلة التضحيات هذه ليس لها نهاية ؟! فأظن أن التضحية لكي تكون في محلها ، لابد وأن يكون في عدم وجودها إضرار بالغير ، ولكن إذا كان حدوثها وعدمه لن يؤثر في الآخرين ، فما الدافع أن يقتل الإنسان أحلامه وآماله دون جدوى ، فللأسف ، يوجد الكثيرون الذين يضحون بأجمل أيام وسنوات عمرهم ، ويدفنون أحلامًا كانوا يحيوْن من أجلها ؛ ظنًا منهم أنهم بذلك يُسعدون غيرهم ، ولكن في الواقع هم لم يفعلوا شيئًا سوى جلب الشقاء لأنفسهم ، دون أي نفع يعود على غيرهم ، والحقيقة أنه ماذا يضير الإنسان في أن يرى غيره سعيدًا ، ويمارس حقوقه في الحياة ، ومن يفكر في أنه باستغنائه عن رغباته وأحلامه يحقق السعادة للآخرين ، فهو للأسف شخص نحى التفكير عنه جانبًا ، واستسهل طريق الاستسلام للواقع الذي فرضه الآخرون عليه .

والحقيقة ، الحياة لا تستحق كل هذه المعاناة النفسية التي يضع الإنسان نفسه فيها ، فهي أبسط من ذلك بكثير ، ولا شك أن لكل شيء حدود ، حتى التضحية فلها حدود لا يجب علينا أن نتجاوزها ، فالإنسان يجب أن يتعامل مع نفسه كما يتعامل مع الآخرين ، فالنفس لها حقوق لابد أن تُحترم ، ومن يظلم نفسه ، لن يجد ما يُنصفه ، ولابد لنا أن ندرك أن احترامنا لغيرنا نابع في الأساس من احترامنا لأنفسنا ، فمن يتقِ الله في نفسه ، ويُعاملها بالحسنى ، لا ريب أنه لن يظلم أحدًا أو يقهره ، ولكن من يظن أنه بظلمه لنفسه دائمًا ، وتحميلها بما لا تطيق ، أنه بذلك خرج من مصاف البشر ، وصعد إلى درجات الملائكة ، فهو مما لاشك فيه مخطئ ؛ لأن الحياة تتطلب التوازن في كل شيء ، والمولى – عز وجل – أمرنا بأن نعطي لأنفسنا حقوقها ، فكيف يتسنى لنا أن نظم أنفسنا ، وهي في النهاية ليست ملكنا ، فهي مملوكة لمن خلقها ، فسلسلة التضحيات إن لم يحكمها العقل الرشيد فستتحول تدريجيًا إلى مشاعر قهر نابعة من الخوف وعدم القدرة على المطالبة بالحقوق ، وفي هذه الحالة لن تكون تضحيات ، بل ستكون تنازلات لا إرادية ، خضعت لعرف فرضناه على أنفسنا دون وعي منا ، وجُبِلْنَا عليه ، والآخرين هنا لن يشعروا بتضحياتنا ، ولن يمتنوا لنا ، أو يشعروا بالعرفان تجاهنا ، بل سيشعرون أن تصرفاتنا هذه أصبحت حقًا مكتسبًا لهم ، وإذا حاولنا إنهاء هذه التصرفـات ، فلن نجد ممن حولنا سوى الرفض والتذمر ، وهنا سنبدو في صورة سيئة ؛ لأن هذه هي طبيعة الحياة ، فمن يعتاد على شيء ، ويتوقف عنه فجأة دون مقدمات ، وبلا أسباب ، يكون محل نقد الآخرين ، ويخرج تدريجيًا من دائرة حياتهم  .

لذا ، علينا أن نضع قواعد لكل شيء في حياتنا ، حتى مشاعرنا ، لابد أن يكون لها قاعدة أساسية ، وهي احترام أنفسنا وإعطائها حقها ، حتى نستطيع أن نسبغ مشاعرنا على الآخرين ، دون شعور بالقهر ، فسلسلة التضحيات لابد وأن يكون لها حدود وقواعد .

 

 

 

تم نسخ الرابط