السبت 28 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. داليا مجدى عبدالغنى

ما أصعب أن يتسبب إنسان في عذاب إنسان آخر ، دون قصد منه ، سيما لو كان هذا الإنسان من أقرب وأحب الأشخاص إليه ، ولكن للأسف كثيرًا ما يحدث ذلك ، فأسباب العذاب متفاوتة ومتباينة ، والإنسان حينما يجرح غيره بدون قصد ربما يكون جرحه أعظم وأكبر ؛ لأنه هنا يكون قد فوت الفرصة على الجريح في أن يُعبر عن آلامه ، فيتركه يلهث في جروحه في صمت وكتمان ، وما لا ندركه حقًا أن الألم الصامت هو أشد أنواع الألم ، فهو ألم فتاك قاتل ، ينبض بالأصوات ، يئن بهدوء ، ولا يأمل في أن تتحول أناته إلى صراخ . والسؤال هو كيف ترحم الآخرين من القتل الخطأ ؟ هل بالحرص أم بالتعويض ؟ للأسف الواقع أن الجرائم العمدية هي أبشع أنواع الجرائم ، وأكثرها عنفًا وأشدها عقابًا ، في حين أنني أرى أن الجرائم الغير عمدية ، ربما تتسبب في نتائج أكثر بشاعة ، فمن يظلم دون قصد ، أو يجرح دون قصد ، وربما يقتل أيضًا دون قصـد ، لا يُدرك أنه باستهتاره واستهانته بالآخرين ، ربما يتسبب في دمارهم أيضًا دون قصد ، لماذا لا يحرص الإنسان على الآخرين ؟ لماذا لا يحاول الإنسان أن يجرد من حوله من آلام هو المتسبب فيها ، لماذا دائمًا من السهل علينا التجريح ، ومن الصعب تضميد الجراح .

ليتنا ندرك أن أجمل هدية يمكننا إهدائها لأحبائنا ، هي رسم البسمة على شفاهم ، ومحو قسوة الألم من قلوبهم ، فكم هو مؤلم جرح القلب ، كم هو فتاك وقاتل ، ودائمًا ما يترك آثارًا ، وربما تعجز الأيام والسنين عن إزالتها ، وللأسف الشديد ، نحن أصبحنا في زمن لا نعبأ فيه بمشاعر الآخرين ، كم طغت المادة على أفكارنا وتصرفاتنا ، حتى بتنا لا نهتم بفكرة المشاعر ، وكلمات الاعتذار باتت مجرد ألفاظ مُستهلكة لإنهاء أي موقف يتسم بالجرح ، أما الشعور بالذنب والندم ، فكأنه شعور مات ، لا نرغب في إضاعة وقتنا فيه ، كم جميل أن نراعي مشاعر بعضنا البعض ، ونرحم الآخرين من أخطائنا الغير متعمدة ، فيا ليت الإنسان يحرص على المعاني والمشاعر ، كما يحرص على المادة والمصالح ، ليته ينظر إلى الآخر على أنه روح ومشاعر ، وليس مجرد وسيلة لتحقيق المصالح والأهداف فقط ، فالحياة أعمق كثيرًا من ذلك ، ومن يريد أن يدخلها ويخرج منها معافى ، عليه أن يدرك أنها لا تستحق أن يُجَرَّح ويُؤْلَم الآخرون ، سواء بعمد أو دون قصـد ، فالأدعى لنا ألا نتسبب في أن يتألم غيرنا في صمت ، فالإنسان خُلق لكي يُضمد الجراح ، لا لينقشها في قلوب الآخرين ، لو تمعنا في الحكمـة من خلق الإنسان ومن دوره الحقيقي في الحياة ، سندرك أنه أجمل كثيرًا من التصرفات التي يأتي بها دون وعي منه أو إدراك .

 

تم نسخ الرابط