الجمعة 05 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : علي مقلد

الحادث المأساوي الذي وقع في الكنيسة البطرسية الأحد الماضي ، وراح ضحيته 24 شهيدا وعشرات المصابين ، يمثل نقطة فارقة في تاريخ جماعة الإخوان الإرهابية .. حتما سوف يكلفها ثمنا غاليا في الداخل والخارج ، وربما يمثل إحدى الضربات القاضية للجماعة ،  التي تعاني موتا سريريا بمعنى الكلمة وإن زعمت غير ذلك ، لأن الجماعة بإجرامها ارتكبت حادثا مما يصنف في القوانين الدولية بأنه "جريمة كراهية" ، في ظروف دولية معقدة ، تصب في مجملها في غير صالح "الإسلام السياسي" .

شخصيا ، لا استبعد أن تكون تلك الحادثة في كونها مفصلية ، مثل مذبحة "الدير البحري" بالأقصر  التي ارتكبتها الجماعة الإسلامية في 17 نوفمبر 1997 في الدير البحري ،  مما  أسفر وقتها عن مصرع 58 سائحا ، وإصابة آخرين ، وحاولت الجماعة الإسلامية – كعادة الإرهابيين عند كل حادث -  التنصل من العملية  ، والتشكيك في نتائج التحقيقات ،  في بداية الأمر ، وخرج من رأس الجماعة بيانان متناقضان ، أولهما من رفاعي طه مسئول الجناح العسكري والذي اعترف بالجريمة وعضد من بيان طه وجود ورقة في جيب أحد قتلى الجماعة من منفذي الحادث ، والذي يقول فيها أن الحادث جاء كاعتذار لقادته عن فشل مجموعته في استهداف "أوبرا عايدة" بالأقصر ، أما البيان الثاني فقد خرج من أسامة رشدي الناطق الإعلامي باسم الجماعة والذي أعلن فيه تبرؤ جماعته من الحادث وهاجم المعترفين بهم وشكك في مدى تواصلهم مع كوادر التنظيم ، لكن الأيام أثبتت كذب رشدي ، واعترفت الجماعة بعد " مراجعات وقف العنف"  بما حدث ، وكانت هذه الجريمة آخر حوادث الجماعة الإسلامية.
 
هذا التصور عن مفصلية "حادث البطرسية" في تاريخ الإخوان – رغم جرائمها المتعددة-  ،  ليس محض تمنى أو شطح خيال ، بل مبني على دلالات عدة ، فالجماعة ليست تنظيما سياسيا أو ديني فحسب بل "مافيا " لها علاقات دولية متشعبة ومستترة وراء كونها تنظيم ديني سياسي معتدل ، وهي أيضا ضالعة في التجارة في الداخل والخارج ، بداية من بيع "مواد البقالة" وحتى المشاركة في صفقات سلاح دولية ، مرورا بتجارة الإلكترونيات والسيارات والأثاث والعقارات والصرافة وتجارة العملة ، وارتباط اسمها بجريمة مثل "حادث البطرسية" يجعل من أشخاصها أناس منبوذين ، أينما حلوا أو ارتحلوا حتى أعضائها الذين  لم يتورطوا في عنف ، يكفي أن يشار إلى أحدهم أنه تابع لتلك الجماعة ، على غرار ما حدث للنازية ورجالها، وهذا يكلف الإخوان خسائر مادية عديدة ، والمال بالنسبة لهم ترياق الحياة .

كما أن الإخوان وهم معروفون بعمالتهم لأجهزة استخبارات عربية ودولية ، توفر لهم غطاءا إعلاميا وسياسيا ، سوف يفقدون هذا الغطاء لأن هذه الأجهزة سوف تخجل – أو لا تجرؤ - أمام شعوبها على مساندة جماعة إجرامية بشكل علني ،  وإن استمر الدعم الخفي ، ومن ثم تتلاشى دعوات المصالحة التي تنشط بين الحين والآخر عبر وسطاء مرتبطون بالمخابرات الدولية  ، لدمج واحتواء الإخوان سياسيا مما يكبل في كثير من الأوقات يد الدولة والمجتمع عن اتخاذ إجراءات ناجزة في قطع "وريد الجماعة " وإغلاق ملفها بشكل حاسم ، والتعامل معهم كتشكيل عصاني إجرامي يستوجب العقاب بمجرد الانتماء .

ولعل إقدام البرلمان على دراسة سن تشريعات جديدة أو تفعيل مواد قديمة لمواجهة الإرهاب ، بداية طيبة لسرعة الفصل في قضايا قيادات الإخوان القابعين في السجون ، وفي حالة صدور إدانات نهائية خاصة في أحكام الإعدام لن تتوانى الدولة ، عن تنفيذها خلال أربعة عشر يوما كما ينص القانون ، وأعتقد أن تنفيذ عقوبة الإعدام في رموز الإرهاب ، سوف يزلزل عرش الجماعة داخليا وخارجيا ويضعف شوكتها وربما يقضي عليها تماما ويهزم قواعدها نفسيا على غرار ما حدث  عندما تم إعدام ، عبد القادر عودة ومحمد فرغلي ويوسف طلعت وإبراهيم الطيب وهنداوي دوير المحامى ومحمود عبد اللطيف في 7 ديسمبر 1954، بعدما أدينوا في محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر في حادثة المنشية عام 1954م، وهي التي أنكرتها الجماعة ، طيلة عدة عقود ، ثم اعترف قياداتها في مذكراتهم بالحادث ، وهذه القضية مع قضية إعدام سيد قطب ويوسف هواش وعبد الفتاح إسماعيل ، مثلتا وقتها ضربة قاصمة للإخوان ، كادت الجماعة أن تنتهي ، لولا ما طرأ على مصر من تقلبات وصراعات سياسية ،  دفعت الرئيس أنور السادات إلى إعادتهم للمشهد مرة أخرى لإحداث توازن سياسي .

لعل هذا التصور عن جرم ما ارتكبته الجماعة ، هو ما دفعها – فورا - إلى التنصل من الحادث ، بل وإدانته بإصدار بيانات فورية عن طريق لجانها الإعلامية ومتحدثيها في الخارج ، بل أن الحركات الإرهابية مثل " حسم " و" لواء الثورة" التي اعترفت بجرائم كثيرة ، سارعت إلى التنصل من "حادث البطرسية" ،  كما أن حركات أخرى محسوبة على الجماعة نحت منحى آخر ، بأن دعت للاحتشاد والتظاهر ، تضامنا مع أهالي الضحايا مثل حركة "غلابة" ، كما أطلقت لجانها الإلكترونية على فضاءات "السوشيال ميديا " ، للتشكيك في الرواية الرسمية للحادث تارة ،  وتأليب الجماهير تارة أخرى ، وللأسف وقع البعض فريسة للدعاية الإخوانية المدعومة من وسائل إعلام وأجهزة استخبارات عديدة ، لكن تتابع انكشاف الغموض ألجم الكثيرين ، وأعادهم إلى جادة الصواب.

ولأن شر البلية ما يضحك ، فقد خرج وجدي غنيم ، المعروف بوقاحة لفظه وسلاطة لسانه وتطرف فكره ، وإجرام كلماته ، في فيديو مصور يحاول فيه تبرئة جماعته من الجريمة ، وإلصاقها بالدولة المصرية تحت زعم أن النظام يريد إشعال "فتنة طائفية"،  وتناسى هذا الإرهابي الوقح ، تاريخه في التحريض على المسيحيين وعلى الكنائس تحديدا  ، ونسي أنه لا يغادر خطبة ولا ظهور إعلامي إلا وحرض على الفتن والتخريب والقتل ، كل ذلك لأنه يعلم وتعلم جماعته ، ويعلم من يمولهم ويستخدمهم،  أن هذه الحادثة هي ورقة التوت التي سقطت ، وأظهرت عورة الجماعة أمام العالم كله ، فلم تعد الإخوان أمام الرأي العام العالمي مجرد "أقلية دينية" أو "جماعة إسلامية معتدلة" أو تنظيم سياسي مضطهد ، بل اتضح أنها عصابة إجرامية ، تقتل الناس على هويتهم الدينية .

ارتباك الجماعة وإحساسها بفظاعة ما حدث ، ليس من الناحية الإنسانية بالطبع ، بل من ناحية مردود الخسائر عليها ، لذلك كلفت تنظيم داعش أحد فصائلها الإجرامية بسرعة إصدار بيان يعلن فيه تبني المسئولية ، حتى يبرأ يد الإخوان منها ، مع أن سياق الأحداث،  كان يقول أن عدم تبني "داعش " للحادث سوف يحقق للإرهابيين مكاسب أكبر ، إذ أنه يجعل باب التشكيك مواربا ، ويجعل كل نتيجة تتوصل إليها التحقيقات محفوفة بالشك ، وهو أمر بالطبع يحقق رغبة الجماعة في ضرب وحدة الوطن وتماسك شعبه، لكن الجماعة ضحت بهذا المكسب من أجل تبرئة ساحتها من الحادث ... لذلك يجب على الدولة المصرية أن تتوجه للعالم كله بنتائج التحقيقات في هذه القضية بالتحديد ، لتكشف للرأي العام العالمي مدى إجرام هذه الجماعة وإرهابها ، لو نجحنا كدولة في ذلك ، وأثبتنا للعالم شرقا وغربا "إرهابية الإخوان" ساعتها نستطيع إطلاق رصاصة الرحمة على تلك النبتة الشيطانية التي غرسها حسن البنا في أرض مصر .
 

تم نسخ الرابط