رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

من بدائية 1930 إلى الـAi فى 2026.. كيف تطورت قوانين كرة القدم عبر تاريخ كأس العالم؟

من الجدل التحكيمي إلى الذكاء الاصطناعي.. رحلة البحث عن العدالة في كأس العالم

بوابة روز اليوسف

لم تكن كرة القدم التي شاهدها العالم في النسخة الأولى من مونديال عام 1930 هي نفسها اللعبة التي سيشاهدها الملايين في مونديال 2026، فعلى مدار ما يقرب من قرن من الزمان، شهدت قوانين اللعبة سلسلة طويلة من التعديلات والتحديثات التي غيرت شكل المنافسة، ورفعت من مستويات العدالة التحكيمية، وساهمت في زيادة سرعة وإثارة المباريات.

 

عندما انطلقت النسخة الأولى من كأس العالم في أوروجواي عام 1930، كانت قوانين اللعبة أكثر بساطة، إذ لم تكن هناك بطاقات صفراء أو حمراء، ولم يكن التبديل مسموحًا به خلال المباريات، كما اعتمد الحكام بشكل كامل على رؤيتهم الشخصية دون أي وسائل تقنية مساعدة.

وكانت القرارات التحكيمية محل جدل واسع في العديد من المباريات بسبب غياب وسائل المراجعة الحديثة، ولكن مع توالى العقود شهدت اللعبة تعديلات جوهرية، كان أبرزها إدخال نظام البطاقات الصفراء والحمراء بشكل رسمي في كأس العالم 1970 بالمكسيك، وهي الخطوة التي ساعدت على توحيد لغة التحكيم بين جميع المنتخبات بغض النظر عن اختلاف اللغات والثقافات، وأصبحت منذ ذلك الحين أحد أهم أدوات ضبط سلوك اللاعبين داخل الملعب.

كما تطور قانون التبديلات تدريجيًا، فبعد أن كانت المباريات تُلعب دون أي تغييرات في التشكيل، سُمح بإجراء تبديل واحد ثم اثنين، قبل أن يرتفع العدد لاحقًا إلى ثلاثة تبديلات، ثم خمسة تبديلات في العصر الحديث، وهو ما منح المدربين مرونة أكبر في إدارة المباريات وحماية اللاعبين من الإجهاد خاصة بعد أحداث جائحة كورونا.

وفي إطار تعزيز اللعب الهجومي، شهد قانون التسلل تعديلات متتالية كان الهدف منها تقليل إلغاء الأهداف وزيادة الفرص التهديفية، وأسهمت هذه التغييرات في جعل المباريات أكثر انفتاحًا وإثارة مقارنة بما كانت عليه خلال النصف الأول من القرن العشرين.

ومن أبرز المحطات القانونية في تاريخ اللعبة تعديل قانون إعادة الكرة إلى حارس المرمى عام 1992، حيث مُنع الحارس من الإمساك بالكرة بيده إذا أعادها إليه أحد زملائه عمدًا بقدمه، وهو القرار الذي جاء للقضاء على إهدار الوقت وزيادة سرعة اللعب، ليصبح أحد أكثر التعديلات تأثيرًا في كرة القدم الحديثة.

ومع دخول الألفية الجديدة، بدأت التكنولوجيا تفرض حضورها داخل الملاعب، ففي كأس العالم 2014 بالبرازيل استُخدمت تقنية الليزر على خط المرمى لأول مرة، ما سمح بحسم الجدل حول تجاوز الكرة لخط المرمى بشكل كامل، وبعد أربع سنوات فقط، شهد مونديال روسيا 2018 التطبيق التاريخي لتقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، التي منحت الحكام فرصة مراجعة القرارات المؤثرة مثل الأهداف وركلات الجزاء وحالات الطرد المباشر.

وفي كأس العالم 2022 بقطر، انتقلت التكنولوجيا إلى مستوى أكثر تطورًا عبر تطبيق تقنية التسلل شبه الآلي، التي اعتمدت على كاميرات متطورة وأجهزة استشعار داخل الكرة لتحديد حالات التسلل بدقة وسرعة غير مسبوقتين، مما ساعد على تقليل الأخطاء البشرية في القرارات الحاسمة.

أما مونديال 2026، المقرر إقامته في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، فسيشهد أكبر تحول تنظيمي في تاريخ البطولة، بعدما تقرر رفع عدد المنتخبات المشاركة من 32 إلى 48 منتخبًا للمرة الأولى، وسيتم توزيع المنتخبات على 12 مجموعة، مع إقامة 104 مباريات بدلاً من 64 مباراة في النظام السابق، كما سيُضاف دور جديد هو دور الـ32 ضمن الأدوار الإقصائية.

وعلى المستوى التحكيمي، تستعد البطولة لتطبيق أحدث نسخ تقنيات التسلل شبه الآلي وأنظمة الفيديو المطورة، مع استخدام أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحسين سرعة ودقة القرارات التحكيمية، إضافة إلى تعديلات جديدة أقرها المجلس الدولي لكرة القدم (IFAB) للحد من إهدار الوقت وتعزيز الانضباط داخل الملعب، أى أن اللاعب الذي سيتم تغيره لابد أن يخرج سريعًا دون تباطؤ وإلا سيحرم فريقه من إجراء التغيير وسيظل زميله على خط التماس لمدة دقيقة وسيخوض فريقه اللقاء ناقص العدد حتي مرور الدقيقة.

إلى جانب تشديد العقوبات على السلوكيات التي تعطل سير المباريات أو تمس الانضباط داخل الملعب، مثل الألفاظ النابية والشجار بين اللاعبين سيتم التدخل فيها فورًا بإشهار إحدى البطاقتين، كما تتجه الجهات المنظمة إلى تطوير آليات التعامل مع الإصابات والتوقفات الطبية بما يضمن عدم استغلالها لإضاعة الوقت.

وبينما يفصل نحو 96 عامًا بين مونديالي 1930 و2026، فإن رحلة تطور قوانين كرة القدم تعكس سعي القائمين على اللعبة إلى تحقيق التوازن بين الحفاظ على روحها التاريخية والاستفادة من التطور التكنولوجي، لتظل البطولة للعبة الأكثر شعبية في العالم قادرة على مواكبة متغيرات العصر دون أن تفقد جوهرها الذي أسر قلوب الجماهير عبر الأجيال.

ورغم كل ما شهدته كرة القدم من تطور تقني هائل، فإن الجدل التحكيمي لم يختفِ من الملاعب، بل اتخذ أشكالًا جديدة، فما زالت بعض القرارات الصادرة عبر تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) أو التسلل شبه الآلي تثير اعتراضات اللاعبين والمدربين والجماهير، خاصة في الحالات التي تعتمد على تفسيرات قانونية أو هوامش زمنية وخطوط ومسافات دقيقة للغاية. 

ويرى مؤيدو التكنولوجيا أنها أسهمت في تحقيق قدر أكبر من العدالة وتقليل الأخطاء المؤثرة في نتائج المباريات، بينما يعتقد منتقدوها أنها سلبت اللعبة جزءًا من عفويتها ومتعتها وأوقفت تدفق اللعب في لحظات حاسمة كانت تمنح كرة القدم إثارتها الخاصة. 

وبين هذين الرأيين، تبقى التكنولوجيا أداة تهدف إلى خدمة اللعبة، لكنها لم تنجح حتى الآن في إنهاء الجدل الذي رافق كرة القدم منذ انطلاقتها الأولى، وهو ما يؤكد أن النقاش حول القرارات التحكيمية سيظل جزءًا أصيلًا من سحر اللعبة وجاذبيتها الجماهيرية.

تم نسخ الرابط