الثلاثاء 24 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : طارق مرسي

 

لا وجه للمقارنة بين «ثرثرة فوق النيل» رائعة حسين كمال المأخوذة من رواية بنفس الاسم لأديب مصر ونوبل الراحل نجيب محفوظ.. و«ثرثرة» أحمد مكى فى فيلم «سمير أبوالنيل» سوى فى اقتباس واستدعاء العنوان رغم أن الفيلمين يسردان أوضاع وآلام الوطن مع اختلاف الثرثرة ودرجتها وتأثيرها.

الفيلم الأول معزوفة جميلة فى دفتر أحوال مصر ويرسم صورة المجتمع المصرى بعد نكسة يونيو 76 وحالة التغييب التى كان يعانيها المصريون فى ذلك الوقت من خلال توزيع متقن للشخصيات المعبرة عن هذه الحالة وحشدها داخل عوامة على النيل.

لكن المؤلف والشاعر أيمن بهجت قمر حمل هموم المجتمع على «كتف» بطل الفيلم بطريقة العزف المنفرد «صولو» فكان من الطبيعى أن ينشز «مكى» فى غياب حضور «الكورال» رغم براعة «قمر» فى الشارع الغنائى كشاعر موهوب ومؤلف متمكن. فأحمد مكى فى «سمير أبوالنيل» هو البطل الأوحد والمحرك الأول لكل الأحداث ولا مشهد يغيب عنه حتى النهاية وبالتالى تاهت الشخصيات الأخرى فى الفيلم وبدت بلا ملامح عمق بينما ضلت ملامح «مكى» أو صورة الكراكتر الذى كان يراهن به ويبدو أنها مشكلة هذا الجيل من نجوم الكوميديا الذين يصعدون للقمة ولا يحافظون عليها بسبب الاستعجال أو الاستسهال أو فقدان التركيز باستثناء «أحمد حلمى» ولهذا تحولت كوميديا أحمد مكى إلى «ثرثرة» كوميدية تفتقر لحضوره فى «طير أنت» و«لا تراجع ولا استسلام» وحتى براعته فى مسلسل «الكبير أوى».

مكى فى فيلم «سمير أبوالنيل» شاب عاطل يعيش فى أحد الأحياء الشعبية معتمدا على عائد تأجير شقة ورثها من أسرته ويعانى من هروب الجميع منه بسبب بخله الشديد وتطفله على كل من حوله، فجأة تهبط عليه ثروة تقدر بـ 550 مليوناً من ابن عمه «حسين الإمام» بدعوى أنه يعانى من مرض خطير يضعه على مشارف الموت ولا يجد من يأتمنه عليها سواه على أن يعود الثروة لابنته «القاصر» فى حالة وفاته.. يحاول أبوالنيل استثمار جزء من الثروة فى مشروعات تدر له ربحاً بموافقة ابن عمه على أن يستعين بخبرة إحدى السيدات المتخصصات فى الاستثمار فى عالم البيزنس نيكول سابا وبعد فشل أبوالنيل فى مشروع أدوات التجميل الشعبية يلجأ إليها فتقترح عليه الاستثمار فى المحطات الفضائية وإطلاق محطة فضائية «صبحة» باعتبارها مشروعا مربحا، وعندما يكتشف «أبوالنيل» أن نجاح القناة لن يتحقق إلا بالتلفيق والتغييب يتجاهل كل شىء لتحقيق هدفه حتى لايفقد الثروة ويحقق بالتحايل والأكاذيب شهرة واسعة، لكن سرعان ما يدخل فى صراع مع ضميره بعد أن كشفت صحفية شابة أكاذيبه ليعود من حيث بدأ فقيرا وعاطلا بعد وقفة صغيرة مع الذات والاعتراف بألاعيبه. وفى الوقت نفسه يكتشف استرداد ابن عمه الأموال التى تركها لديه «رهينة» بحجة مرضه ويفاجأ بظهور شقيقه المتدين «علاء مرسى» في نفس القناة بعد استبدال اسمها إلي «سبحة» بدلا له فى إشارة واضحة إلى تحويل مسار الأموال مجهولة المصدر فى اتجاه بيزنس القنوات الدينية.

أحداث الفيلم تبدأ بمشهد تليفزيونى لأحد أحاديث الراحل الشيخ محمد متولى الشعراوى، يتحدث فيه عن استقامة الأمور والقوم الذين طُغى عليهم ولا أحد يستمع لحديث الداعية الكبير فى دلالة واضحة على غياب الخطاب الدينى وانصراف الجميع عنه وينتهى بتصدر الداعية الشيخ شكرى الشاشة الفضائية فى إشارة إلى ما وصلنا إليه عبر الفضائيات الإسلامية التي يتصدرها الشيخ خالد عبدالله وأبو إسلام.

وبين البداية والنهاية يقدم أيمن بهجت قمر العديد من الشهادات وباقة من الرسائل لمصر قبل وبعد الثورة لعل أبرزها حالة الفوضى الإعلامية ويقدمها الفيلم فى مشهد جمع بين البطل «أحمد مكى» وبائع الفول الذى يتحدث عن الفضائيات «ماتصدقوش اللى بيتقال فى الفضائيات» وإن القنوات مخطط ماسونى لإحداث فوضى فى الشارع المصرى وتؤكد أحداث الفيلم فى مشهد آخر الصورة العبثية عبر الشاشات الفضائية وكشف ألاعيب بعض القنوات وصناعة الوهم وزرع التعصب سواء فى التوك شو السياسى أو التحليل الرياضى ولا يفوت «مكى» استدعاء التجربة «العكاشية» بذكاء فى برامجه المتنوعة مع الإشارة إلى أن بيزنس المحطات الفضائية ما هو إلا حصيلة مؤامرة غسيل الأموال ويمثل هذا المعنى فى الفيلم شخصية «حسين الإمام» صاحب الثروة الغامضة والاستثمارات المشبوهة.

من الشهادات الصارخة فى الفيلم صورة رجل الأمن من خلال شخصية أمين الشرطة «محمد لطفى» التى تتدرج من الفساد والرشوة إلى فقد الهيبة والنفوذ فى مشهد «الكمين» وأيضا المشهد الذى يبدو فيه سجينا تحت رحمة البلطجية والخارجين عن القانون، والمشهد الأخير من أبرز المشاهد الاستثنائية التى قدم فيها المخرج «عمرو عرفة» نفسه كمخرج موهوب اعتمد فيه بذكاء على تقديم بانوراما للشارع المصرى فى مشهد واحد «ون شوت» رغم بدايته غير المبررة على أثر صدام وشكوى بائع الفول من عدم حصوله على ثمن «الطعمية» التى التهمها «مكى» مع طبق الفول ويرفض دفع ثمنها لبخله الشديد ويضطر إلى الذهاب إلى قسم الشرطة لإثبات الحالة!

المخرج «عمرو عرفة» استعرض فوضى الشارع المصرى فى مشهد نزول «البائع» و«مكى» من «التوك توك» فى إسقاط واضح على إيقونة التوك توك حتى قسم البوليس وسيطرة الخارجين عن القانون على الأخضر واليابس وانتهاء المشهد بأمين الشرطة محبوسا فى القسم مستنجدا بسمير أبوالليل لإطلاق سراحه من الحبس. هكذا يضغط الفيلم على صورة رجل الأمن الذى أصبح حبيسا، بينما من هم ضد القانون «ثوار أحرار يكملون المشوار».. مع شكوى رجل الأمن بأنهم يطلقون المطاطى ثم يفاجئون برد الخرطوش!!

فى مقابل «رجل الأمن» يبدو النموذج الإعلامى المتمثل فى الصحفية الشابة إيجابيا، حيث يبرزها فى الدور الأساسى فى بلاط صاحبة الجلالة والكشف عن الحقيقة ويكون مكانها النهائى السحل والتشويه.

فى أحداث الفيلم بذل مكى مجهودا كبيرا فى البحث عن نفسه مستدعيا «الكراكترات» التى قدمها فى أفلامه السابقة، فتاهت شخصيته فى الفيلم ولم يقدم جديدا ولهذا خرجت «إفيهاته» «باهتة» وفقيرة من الناحية الكوميدية، فى حين لم تقدم «منة شلبى» جديدا فى ظهورها فى الفيلم رغم حضورها السينمائى المؤثر، فلم تضف له أو يضف إليها حتى لو كان ظهورها «كضيفة شرف» فى دور الحبيبة المهاجرة لسمير أبوالليل والعائدة إلى وطنها لتأكيد أن الطيور المهاجرة لن تترك طيور الظلام تعبث فى حضارة هذا البلد الكبير.. وذلك ردا على ظهور «شكرى» بالذقن فى الشاشة الفضائية محتكرا المشهد الإعلامى.

ـ ـ

أخيرا لم يضف الفيلم كثيرا للثنائى الغنائى الرائع أيمن بهجت قمر والموسيقار محمود طلعت اللذين يمثلان إضافة لكل عمل درامى يشاركان فيه بالكلمة واللحن وأغنية «الضمير» وحدها لا تكفى فى عمل سينمائى يعزف على الحالة المأساوية لوطن «يمرض» لكنه لن يموت.

 

تم نسخ الرابط