بقلم : وليد طوغان
هناك من يصور تحريك أسعار المحروقات على أنه اعتداء على المواطن، واعتداء على البسطاء. هذا الكلام ليس صحيحًا.. المزايدات فى هذا المجال كثيرة، لكن كلها كلام ابن عم حديث. كلها أحاديث مصاطب. كلها مزايدات كى بورد من غرف مغلقة مكيفة. فلا رفع الدعم اعتداء.. ولا الإصلاح الاقتصادى عدوان.
الإصلاح الاقتصادى إجراءات فى صالح الجميع. لم يسبق أن قدم واحد ممن يتكلمون ويزايدون ويملأون الفضاء الإلكترونى صخبًا رؤية واضحة لإنعاش حال المواطن البسيط. لم يقدم أحد رؤية واضحة عما يمكن أن تفعله دولة قامت من يناير، بلا احتياطى ولا إنتاج ولا أمن ولا أى من مقومات حماية المواطن بسيطا أو غير بسيط.
الإصلاح الاقتصادى هو حل.. أو قل هو الحل الوحيد.
الإصلاح قرارات مؤلمة صحيح، لكن إيه اللى رماك على المر؟ المثل الدارج بين وكاشف، اللى رمانى على المر هو اللى أمر منه.. الأكثر مرارة من تحرير الدعم، ورفع أسعار المحروقات، وزيادة تذكرة المترو.. وإجراءات أخرى كان بديلها إفلاس الدولة.
■ يعنى إيه إفلاس الدولة؟
يعنى عدم قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. عدم قدرة الدولة حتى على تقديم الخبز للمواطن البسيط. قرارات الإصلاح الاقتصادى جريئة، لأنها صعبة. صعبة لأنها مؤجلة. أكثر من عهد، وطوال سنوات كان الاقتراب من أساس المشاكل الاقتصادية تبعنا خطًا أحمر، لذلك لم يقربه أحد، ولا مسه أحد. كان الخط الأكثر خطورة.. والخط الأكثر حساسية.
لذلك، وطوال عهود طويلة كان الحل فى المسكنات. ومسكنات على مسكنات معروف أنها لا تقدم علاجًا لأصل الداء. النتيجة أن تضخم أصل الداء، وتداعى الجسم، وتجاوز المرض كل الخطوط الحمراء خصوصًا بعد سبع سنوات عجاف، جفت فيها موارد السياحة، وقلت تحويلات المصريين فى الخارج، وناور فيها كثير من رجال الأعمال، طامعين فى قرب.. أو راغبين فى سلطة.
لو لم تتخذ قرارات الإصلاح الآن، كان يالله السلامة. لو لم تتخذ قرارات الآن، لما اتخذها أحد فى المستقبل، كما لم يستطع أن يتخذها أحد فى الماضى. المسألة ليست اعتداءً على مواطن. لا تريد الدولة التنكيل بالبسطاء، ولا متوسطى الدخل. لا يعقل أن تكون تلك سياسة دولة، سبق أن أنقذت هؤلاء المواطنين من براثن خبيثة، ولا تزال تعمل على مزيد من سد ثغور الحرباءات السياسية.
ثم من قال: إن المعاناة للمواطن البسيط وحده. بالعكس .. الكل يعانى، غنى وفقير، قادر وغير قادر. المعاناة على أعلى مستويات . كل فى قدره، وكل على قدر مستوى معيشته. كل حسب طاقته، وكل حسب خطوط إنفاقه.
ثم تعال نسأل مجموعة من الأسئلة المنطقية: ما الذى يجعل الرئيس يدخل بنفسه فى إجراءات من هذا النوع، فيغضب قطاعات فى الشارع، ويثير حفيظة قطاعات أخرى، إذ لم يكن الإجراء لازمًا.. وهو الحل الوحيد؟ ألم يكن من الأسلم، استمرار الدولة، بالمسكنات، وأهى مثلما يقولون «ماشية ومائة فل وأربعتاشر»؟
ألم يكن أسهل على الرئاسة، تجميع مزيد من الشعبية، بدلا من إجراءات تثير اللغط والكلام، وتمنح قبلات الحياة لمئات ممن يصيدون فى الماء العكر.. بالكلام النجس، وحوارات التشكيك؟
هل تعلم أن بعد يناير اضطرت الحكومة لمزيد من طبع أوراق النقد تلبية لمرتبات زادت بالمليارات بعد وقفات احتجاجية، طلبا للعدالة الاجتماعية دون إنتاج حقيقى، ودون تقديم أى التزامات بعمل حقيقى فى المقابل؟
هل تعلم أن حضرتك وحضرتى وحضرتها لم نعد نسأل: من أين يمكن أن تلبى لدولة التزاماتها لنا.. ولا ما الذى نلتزم نحن به فى مقابل إصرارنا على التزام الدولة تجاهنا كما نهوى ونرغب.. ونشتهى؟
هل تعلم أن مليارات ومليارات أضيفت إلى عجز الموازنة، فى مرحلة كانت صعبة من تاريخ البلد، فى وقت تهاوت فيه الخدمات، وتهاوت فيه البنية الأساسية، وتهاوت فيه الصيانات، والإصلاحات، وأثمر الوضع خللاً رهيبًا.. كانت الدنيا تسير فيه على غير هدى فى الطريق لستين داهية؟
الإصلاح مسألة عامة. دعك ممن يزايدون بأحاديث عن العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، بينما هم يتكلمون من الساحل الشمالى أو من المقاهى الأورينتال. سبق أن وضعت الظروف أغلب هؤلاء المزايدين فى اختبار التجربة، لم يقدم واحد منهم ولو فكرة واحدة جديرة بالتطبيق فى صالح العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.
لم يسبق أن قدم واحد من هؤلاء فكرة واقعية وقابلة للتطبيق لضمان مجرد استمرار تقديم العيش للمواطن البسيط. المزايدون مواسم، كما زراعة المحاصيل. كل موسم بمحصوله، وحاليًا موسم المزيد من المزايدات، والمزيد من الكلام عن حق المواطن وحق الشعب، ممن سبق وتاجروا بحق المواطن، وتاجروا بقوت الشعب، وباعوا بالدولارات.. حق المواطن وقوت الشعب.
الإصلاح الاقتصادى للجميع، لكن لا يمكن أن يكون الدعم للجميع. ليس منطقيا أن يكون الدعم للجميع. ثم إذا كان الإصلاح حلاً، فالإصلاح أولويات، فى الطريق لبنية تحتية سليمة وقابلة للاستغلال. فى الطريق لجذب استثمارات، وفى الطريق لتحرير اقتصاد جاذب هو الآخر للاستثمار، وضامن لنجاحه.
أولى خطوات الإصلاح كان تحرير الدعم. يعنى إيه تحرير الدعم؟ يعنى تنقية منظومته من غير المستحقين، وإعادة توجيهه للمستحقين . يعنى العمل على تقليل عجز الموازنة من إنفاق الدعم، بما ينعكس على الخدمات الصحية للمحتاجين، والتعليمية للمحتاجين أيضًا.. وباقى الخدمات للأكثر احتياجًا.
ثم من قال: إن منظومة الإصلاح هى مجرد برامج حماية اجتماعية فقط؟ من قال إن مصطلح اقتصاد يعنى التخفيف عن المواطنين، رغم الأعباء.. ورغم الوضع السيئ؟ الاقتصاد عملية متبادلة معقدة بين الإنتاج والاستهلاك. استمرار سياسة الدعم للمستحقين ولغير المستحقين المستفيدين ليست فى صالح الناس، ولا فى صالح الدولة . ليس من ضمن نظريات الاقتصاد الناجحة سياسات الدعم للجميع. ليس من نظريات اقتصاد التعافى أن تدفع الدولة، وتدعم الدولة، وتنفق الدولة .. ثم بعد ذلك تفلس الدولة.
كى نكون منصفين، مصر خرجت من تداعيات يناير «على البلاط»، سبحان من قومها، وسبحان من صلب عودها من جديد .
للإنصاف، مرة أخرى، السياسات الاقتصادية السريعة الصحيحة هى التى أعادت أرصدة احتياطى بالدولار للبنوك، وهى التى ساهمت فى تخفيض نسب التضخم، وهى التى فتحت موارد لتجهيز البنية التحتية، فى الطريق لاستقبال الاستثمارات ،وهى التى خفضت معدلات غول البطالة، وهى أيضًا التى وضعت الخطة للاكتفاء الذاتى من الغاز، وفق جدول زمنى، يتحول بعدها للتصدير بعائدات بالعملة الصعبة، ناهيك عن مزايا أخرى لها علاقة بأبعاد السياسة الإقليمية ونفوذ مصر فى البحر المتوسط.
حتى مع التحريك المتوقع لأسعار المحروقات، وصول سعر برميل البترول إلى 80 دولارًا مؤخرًا، يضع على الدولة مزيدًا من الأعباء حتى رغم تحريك الأسعار. ما الذى يجب أن تقدمه الدولة فى هذه الأحوال؟
العيب ليس على مناضلى الكيبورد.. العيب على من يسمع لمناضلى الكيبورد.. للتكنولوجيا شرور.. ولدعاوى الديمقراطية غير الخالصة.. بلاويها.



