بقلم : أيمن عبد المجيد
الرياضة صناعة ثقيلة، يجب أن نعي ذلك، فليس بالأماني فقط تتحقق الإنجازات، الانتصارات والنجاحات لا تأتي صدفة، وإن جاءت بهذه الطريقة، تكون نادرة التكرار.
صناعة الرياضة، تتطلب منظومة كاملة، حلقاتها متصلة، وعناصرها متداخلة، تبدأ بتهيئة البيئة المناسبة لصناعة الأبطال، والتنقيب عن المواهب في أعماق وأركان الوطن، والإعداد والتأهيل، لبناء كادر صحيح البنيان، الجسدي والنفسي، يمتلك المهارة والعلم.
صناعة الرياضة، استثمار، وإدارة، وبناء أبطال.
هذا ما يجب أن نصارح به أنفسنا، ونعمل من الأمس وليس الآن، على تغيير الواقع والتخطيط للمستقبل.
وبناء المستقبل يستوجب، استئصال الأورام السرطانية، التي خلقها الجهل والفساد والمحسوبية، والشللية، وانهيار الأخلاق والتي بدت واضحة للعيان من البعض في اتحاد الكرة، وبالمناسبة التخاذل في أداء ما ينبغي عليك فعله، وما هو موكل إليك من مهام، فساد.
البداية الصحيحة بتحديد أهدافنا بدقة: الأهداف القريبة والمتوسطة وبعيدة المدى، ثم وضع خطط عامة لتحقيقها، نابعة من تقدير موقف واقعي لقدرتنا الحالية، وخطط أخرى فرعية لتطوير تلك القدرات وتعظيمها، نضع استراتيجيات علمية، وآليات تنفيذها، والعمل على خلق بيئة صالحة لذلك.. وتقييم دوري ومحاسبة، لعلاج كل خلل يظهر.
والسؤال: هل نريد فعلًا الاستثمار في صناعة الرياضة؟! وأي الرياضات نستهدف حصد الإنجازات بها؟! وما نسب تقدمنا وفرصنا للإنجاز السريع، الرياضات الفردية أم الجماعية؟!
والمهم ما حجم الميزانيات التي تُنفق، وهل تنفق على من يستحق؟! السؤال هنا مرتبط بسؤال سابق، حول تقدير موقف قدراتنا التنافسية.
فالحقيقة أن الصورة ليست مظلمة، فلدينا بنية أساسية للإنجاز يمكن البناء عليها، والقفز لمواقع متقدمة عالميًا، إذا ما دعمنا المجتهد.
ففي حين تصرخ مواقع التواصل الاجتماعي، من ألم نتيجة منتخبنا في مونديال كرة القدم، فإن هناك أبطالًا يسطرون بأحرف من نور وعرق وجهد ملحمة انتصارات في دورة ألعاب البحر المتوسط لألعاب القوى التي تستضيفها إسبانيا.
وعلى الرغم من أن هناك خطايا لاتحاد كرة القدم، فإن هناك خطايا لنا نحن كجمهور فقد الأخلاق الرياضية، فبات لدينا أزمة أخلاق، نمدح بشدة إذافاز المنتخب أو وصل للمونديال، ونسب ونهين إذا خسر، مع العلم أن في كل تنافس رياضي هناك فائز وخاسر، فهل سب أي جمهور فريقه الذي لم يحالفه الحظ كما فعل بعضنا؟!
وكما أن هناك عدم توفيق وأخطاء لاتحاد الكرة، فإن هناك إنجازات وانتصارات لبعثة ألعاب القوى المصرية، في إسبانيا، التي حصدت في أربعة أيام 23 ميدالية، بينها 7 ميداليات ذهب، ومثلها فضة، و9 ميداليات برونز.
لكن كم منا يعلم أسماء هؤلاء الأبطال، الذين رفعوا علم مصر وعزف سلامها الوطني، بفضل جهدهم 23 مرة حتى الآن في إسبانيا، هل تعلم كيف كان يعد البطل منهم نفسه بأدنى سقف للميزانية التي لا تمثل 0.1% من ميزانية لاعب كرة قدم في نادي درجة ثانية، كلنا نعلم اسم كوبر وأعضاء اتحاد كرة القدم الفاشل، لكن هل تعلم عزيزي القارئ اسم العميد يحيى دعبس أو المهندس هشام نصر، رئيسي بعثة مصر في إسبانيا؟!
أتمنى أن نهتم بألعاب القوى، والنشء بها، فهناك أبطال يخرجون من بين أشواك غابة الإهمال والتجاهل، يبزغ نجمهم رغم كل التحديات التي تواجههم من غياب الدعم والإمكانيات في الأقاليم.
الأبطال هم: أحمد محمد سعد وزن 62 كيلو، حصد 2 ميدالية ذهب في رفع الأثقال حمل ونطر، ومحمد إيهاب يوسف وزن 77 كيلو، حصد 2 ميدالية ذهب في الرفع والنطر.. بذلك حصدت مصر أربع ميداليات ذهب في رفع الأثقال.
وفي السباحة بزغ نجم فريدة هشام عثمان، التي حصدت 3 ميداليات، اثنتين ذهب، 50 متر فراشة و50 متر حرة، وميدالية فضة عن 100 متر فراشة.
لكن لم ينتهِ إنجاز مصر في السباحة بما حققته فريدة، فقد حصد عبد الرحمن سامح العربي ميدالية فضية عن 50 متر فراشة، وحصد مروان القماش 2 ميدالية برونز عن 200 متر حر، و400 متر حر، فيما حصد على أحمد خلف الله برونزية سباحة 50 متر حرة، وبذلك حصدت مصر 7 ميداليات في السباحة.
وفي الكاراتيه، حصدت مصر 4 ميداليات برونز، فاز بها جيانا فاروق وزن 61 كيلو، وأريج سعيد راشد وزن 50 كيلو، ومالك جمعة وزن 60 كيلو، وأحمد رجب المصري وزن 84 كيلو جرامًا.
وفي المصارعة ثلاث ميداليات، ذهبية حصل عليها هيثم محمود وزن 60 كيلو، وفضية حصل عليها محمد إبراهيم وزن 67 كيلوجرامًا، وأحمد جمعة برونزية 97 كيلوجرامًا.
وفي الرماية حصدت مصر، 2 ميدالية، فضية أحمد يحيى قمر بندقية خرطوش، وبرونزية عفاف الهدهد مسدس ضغط.
إذًا هناك ألعاب قوى فردية يمكن البناء عليها والاستعداد للأولمبياد، وقبل كل ذلك أدعو الدولة المصرية لأن تكرم هذه البعثة المنجزة، فور عودتها، وحبذا لو جاء التكريم من رأس الدولة، الرئيس عبد الفتاح السيسي، ستكون تلك رسالة للجميع أن المجتهد يُكرم، وأن يكافأ هؤلاء ليكونوا مثالًا أعلى للنشء.
قبل العودة للساحرة المستديرة، فإن الأزمة الحقيقية أن الرياضة المصرية تم اختصارها في التشجيع وليس الممارسة، ثم اختصرنا التشجيع في كرة القدم، قبل أن يختصر في بضعة فرق لأندية تعد على أصابع اليد الواحدة.
نتج عن ذلك: سمنة، وضعف لياقة، وأمراض، تحمّل ميزانية الدولة أضعاف ما كانت ستتحمله للإنفاق على تجهيز ملاعب بالمدارس ونوادٍ بالأقاليم تجعل من ممارسة الرياضة ثقافة شعبية يومية.
وهنا التحدي الأكبر، وهو أن نحوّل الرياضة إلى ثقافة، ممارسة يومية حياتية، ولو لبضع دقائق في المنزل، قبل أن نخرج بها لمرحلة صناعة الأبطال، فالأبطال يتم اختيارهم من الشعب.
عندما تتحول الرياضة لثقافة، ستزيد القدرة الإنتاجية، وتقل الإجازات المرضية، وتتحسن الصحة العامة، وتتقلص حالات الاكتئاب، وتتسع رقعة انتقاء بذور الأبطال، القابلين للإعداد والاحتراف.
قبل الختام نعود للساحرة المستديرة التي ستظل على القمة عالميًا لسنوات مقبلة:
* لقد تحقق إنجاز بذهاب منتخب مصر للمونديال، لكن يجب التحقيق فيما نُسب لاتحاد الكرة من خطايا وأخطاء، تصل حد الفساد، وإعلان النتائج للرأي العام.
* الذهاب للمونديال بعد غياب 28 عامًا، شيء يحمد عليه، لكن تاريخ مصر وثقلها، يمكنها من تقديم الأفضل، قد يتحقق ذلك مستقبلًا عندما يمتد ما يجرى من إصلاح شامل للدولة، إلى منظومة الرياضة، فمصر تشهد تنمية للقدرات الشاملة للدولة.
* كوبر مدرب فاشل، بخططه الدفاعية، أشبه بمن جاء في فسحة بالقاهرة على نفقة اتحاد أساء الاختيار، ولعل أخطاء كوبر، سيدفع ثمنها هو الآخر، وقد يكون الثمن شهادة وفاته كمدرب بتوقيع عالمي.
* الشناوي الرابح الأول من المونديال، فقد بزغ نجمه، وقد يُطلب للاحتراف مستقبلًا، لتتعاظم قدراته في المونديال المقبل إن شاء الله.
* محمد صلاح، جوهرة مصرية، تشع عالميًا، ضوء مصريًا أصيلًا، عبثت بها قيادة اتحاد الكرة، لكن ستستعيد الجوهرة بريقها سريعًا، فالمعدن نفيس.
* الحضري، بطل مصري حقق رقمًا قياسيًا، أكبر لاعب في المونديال، أداؤه المشرف حفظ له تاريخه.
* سعد سمير، اكتفى بالفوازير، فلم يدفع به كوبر في المباريات، ويجب النظر في الاستغلال الإعلاني لنجوم المنتخب، على الأقل تُفرض ضرائب معقولة على هذه الإعلانات توجه لصندوق يدعم النشء في مراكز شباب الأقاليم.
* النقد مباح، والمحاسبة واجبة، لكن السب والإهانة للاعبي المنتخب، خطأ كبير، يهدم معنوياتهم ويعيق إمكانية البناء للمستقبل، إذا كان هناك أخطاء للمنتخب فهناك خطايا لهؤلاء الذين ظهروا في فيديو بروسيا يسبون لاعبي المنتخب بألفاظ نابية، عقب المباراة، فالأخطر من الإخفاق الرياضي، السقوط في مستنقع الدونية وانهيار الأخلاق.
* لدينا أبطال في الألعاب الفردية، متى نهتم بهم وندعم ونكافئ المجتهد منهم؟!
باختصار، مصر تسير على طريق بناء دولة حقيقية أكثر قوة، ومنظومة الرياضة تتطلب استراتيجية شاملة، لنصل في المستقبل لتمثيل يليق بحضارة وتاريخ مصر، فليعمل كلٌ منا بإخلاص في مكانه من أجل الوطن، ولتحاسب الدولة المقصر في حق شعبها، ونكافئ المنجز.. ونحافظ في كل الحالات على أخلاقنا، فقد صدق أحمد شوقي حين قال: "وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا".
وتحيا مصر، رغم التحديات، إن شاء الله.



