الجمعة 27 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : أيمن عبد المجيد

يكتب من نيويورك
 

الرئيس رصد العَرَض وشخّص المرض وقدم العلاج.. فهل يستيقظ العالم؟


وحدها مصر، بلسان صدق مبين، من منبر الأمم المتحدة، رصدت العَرَض، وشخّصت المرض، وقدمت روشتة العلاج، لعل ضمير العالم يستيقظ، قبل فوات الأوان.

كانت الأجواء في نيويورك، متقلبة، هبوب رياح عاتية، وأمطار غزيرة، مخلفة شيئًا من البرودة، المارة في الطرقات يحملون الشمسيات، وداخل مبنى الأمم المتحدة، كانت آلاف الكاميرات تسجل كلمات قادة العالم، وفي الخارج المئات من وحدات البث المباشر.

وبينما الكلمات تسير وفق جدول الجمعية العامة للأمم المتحدة، كانت الصالونات الرئاسية، تشهد اللقاءات الثنائية، كان الرئيس عبد الفتاح السيسي، قد أجرى لقاءات ثنائية مع السكرتير العام للأمم المتحدة، والملك عبد الله ملك الأردن.

في الرابعة بتوقيت نيويورك، جاءت كلمة مصر، اعتلى الرئيس منبر الأمم المتحدة للعام الخامس على التوالي، لكنه في هذا العام، قدّم خارطة طريق، وروشتة علاج لأمراض العالم.

قال: "من منطلق المصارحة، أرى أن علينا أن نعترف بأن ثمة خللًا يعتري أداء المنظومة الدولية، ويبقي الكثير من الظلال على مصداقيتها، لدى الكثير من الشعوب، خاصة المنطقتين العربية والإفريقية، اللتين تعيش مصر في قلبيهما".

رصد الرئيس عبد الفتاح السيسي، العَرَض، "اهتزاز مصداقية المنظومة الدولية، الشعوب تفقد الثقة بها".

غير أن المرض يكمن في الخلل الذي يعتري تلك المنظومة، هنا لم يتحدث الرئيس عن قضايا محلية، بل قضايا عالمية، عربية وإفريقية، تحدث الرئيس بلسان صدق، ممثلًا لمصر القائدة عربيًا وإفريقيًا، بحكم رئاستها للقمة الإفريقية 2019، ورئاستها لمجموعة الـ77 والصين، وهي كتلة دولية تمثل غالبية دول العالم، النامي الأكثر تضررًا، وألمًا من أمراض المنظومة الدولية.

الخلل الذي رصده السيسي، ناتج عن عجز الأمم المتحدة، في أن تكون قاعدة أساسية لرسوخ نظام عالمي عادل، وفاعل قائم على توازن المصالح والالتزامات.

ذلك المرض العالمي العضال، نتجت عنه مضاعفات، تمثلت في نزاعات مسلحة، وهروب أهلية قائمة على العرقية والطائفية، نتج عنه دعم دول بعينها لأطراف الصراعات، والتنظيمات الإرهابية، لإفشال عدد من الدول الوطنية.

الدولة الفاشلة، تعني فقدان السيطرة على الأرض، تعني خلق بيئة سانحة للإرهاب، والتطرف، تعني ساحة مباحة، لتدخلات خارجية، تعني دمارًا، استنزافًا لمقدرات الشعوب، دماء أبرياء تنزف، هجرة ومعاناة إنسانية.

تشخيص دقيق للمرض، مصارحة، صدق في العرض، قال الرئيس: "كيف نلوم عربيًا يتساءل عن مصداقية الأمم المتحدة، وما تمثله من قيم، ومنطقته تواجه مخاطر تفكك وانهيار الدولة الوطنية.. كيف نلوم فلسطينيًا يتساءل عن عدم حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة، للعيش بكرامة وسلام في دولة مستقلة، تعبر عن هويته الوطنية وآماله وتطلعاته؟"

ومن نقل تساؤلات الشعوب العربية المشروعة، إلى القارة الإفريقية، قال الرئيس للعالم: "هل يمكن اعتبار الإفريقي مغاليًا إن شكا من انعدام فاعلية النظام العالمي، بينما تعاني قارته من نظام اقتصادي يكرس الفقر والتفاوت ويعيد إنتاج الأزمات الاجتماعية والسياسية، ولا يتيح آفاقا للتطور؟" هي أسئلة قطعًا استنكارية، هدفها إيقاظ الضمير العالمي.

في هذه الدورة، عبرت مصر الحديث عن الذات، وما تحقق من إنجازات في ملفات عدة، إلى تبني آلام القارة الإفريقية والمنطقة العربية، إلى تشخيص أمراض المنظومة الدولية.

لكن ما أسهل الحديث عن الأمراض والخلل، وما أصعب أن تملك رؤية خارطة طريق للمستقبل المنشود، روشتة علاج قابلة للتنفيذ، لعلاج أمراض العالم.

وحدها مصر قدمت روشتة العلاج، رصدت العَرَض، وشخّصت المرض، وقدمت العلاج.

طرح الرئيس عبد الفتاح السيسي، روشتة العلاج في ثلاثة محاور رئيسية:

الأول: لاستعادة قوة المنظومة الدولية، لا بد من حماية الدولة الوطنية من التفكك والانهيار، فكيف يسعى العالم، لمنظومة دولية قوية، بينما وحدات المنظومة الأساسية، تتفكك وتنهار، هل يستطيع الإنسان الحياة صحيحًا، وخلايا جسده تنهار؟!

إن تخاذل المجتمع الدولي عن إيجاد حلول سياسية عادلة، تحمي بقاء الدولة الوطنية في سوريا واليمن وليبيا، يهدد المنظومة الدولية ذاتها، حيث الولاءات الطائفية والعرقية بديلًا عن الهوية الوطنية، وما يتبع ذلك من هجرات واتجار بالبشر ومافيا تجارة السلاح والمخدرات.

ولا مخرج إلا بدعم عالمي لجهود مصر الرامية، لإيجاد حلول سياسية عادلة، للأزمات السورية والليبية واليمنية، لاستعادة الدولة الوطنية بمؤسساتها القوية القادرة على حماية الأرض وبسط النفوذ.

وهذا يتطلب منظومة دولية، تسعى لإصلاح حقيقي، تردع الأطراف الدولية المخربة والمتدخلة لعرقلة استعادة تلك الدول لقوتها.

بينما المحور الثاني في روشتة العلاج:

هو الالتزام بإيجاد حلول سلمية مستدامة للنزاعات، فرغم جهود التسوية في جنوب السودان ومالي، وغيرهما، إلا أن التسوية النهائية الضامنة للاستدامة لم تتحقق بعد.

ويكمن العلاج، في دعم إنهاء النزاعات، ثم دعم تلك الدول لبناء مؤسساتها، والتنمية الاقتصادية، وتجنب استيراد تجارب خارجية للحكم، فلكل دولة طبيعتها وظروفها، فيجب وقف التدخلات في شؤون الدول وانتهاك سيادتها.

وهنا تحدث الرئيس عن التدخل البنّاء، الداعم للتنمية، وبناء المؤسسات القادرة على بسط النفوذ والسيادة الوطنية، لا فرض تجارب ونهب ثروات بالوكالة، مصارحة مصرية للعالم بأمراضه وعلاجها.

يد العرب لا تزال ممدودة بالسلام، لتسوية نهائية ودائمة للقضية الفلسطينية، على أساس إقامة الدولة الفلسطينية الوطنية وعاصمتها القدس الشرقية.

والمحور الثالث في العلاج: هو الالتزام بتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، فهي الشرط الضروري لنظام عالمي مستقر، فالتنمية هي الوسيلة الأكثر وقائية للعالم من النزاعات المسلحة.

وطالب الرئيس الأمم المتحدة، بتنفيذ تعهدات خطة الأمم المتحدة للتنمية الشاملة 2030، فالعلاج يكمن في دعم جهود التنمية في الدول الوطنية، وتسهيل المنظمات الدولية لعملية التمويل، دون مشروطيات، معتبرًا أن إصلاح هيكل المنظومة الدولية الاقتصادية والمالية بات أمرًا غير قابل للتأجيل.

قدم الرئيس روشتة علاج تفصيلية، في محاور منبثقة من المبادئ الثلاثة الرئيسية، ركز على الحفاظ على قوة الدولة الوطنية، فالدولة المنهارة لا يمكن أن تبنى ولا تعمر بل ستظل ساحة للصراعات  بين أصحاب الولاءات المذهبية والطائفية والعرقية، والخارجية.

قدم نموذجًا مصريًا مجربًا، مصر التي نجت من تسونامي الانهيارات في المنطقة العربية والإفريقية، برهن كيف استطاعت الدولة الوطنية، عبور أزماتها الاقتصادية، كيف استطاعت المواجهة الشاملة للتنظيمات الإرهابية، في سيناء، عسكريًا وفكريًا، معربًا عن استعداد مصر للتعاون في مواجهة عالمية للإرهاب.

مصر التي قدمت من قبل رؤيتها في هذه القضية، وهي تواجه حربًا ضروسًا من الإرهاب، جاءت اليوم تتحدث وهي منتصرة عليه، لكنها تجدد التأكيد أن الخلاص من تلك الآفة القاتلة، يكمن في ردع الممولين ومقدمي الدعم اللوجستي، ولن يكون هناك علاج حقيقي والمجتمع الدولي يغض الطرف عن محاسبة دول تدعم الإرهاب.

مصر، باتت أشبه بطبيب عالمي، كما يقول المثل المصري: "اسأل مجرب ولا تسأل طبيب"، مصر خاضت تجربة الوقوف على حافة الانهيار، تلقت الطعنات والضربات، وقفت في وجه المؤامرات، عبرت أزمتها، ونجت من محنتها، حافظت على مؤسساتها، باسطة لنفوذها، وقبل كل شيء حافظت على نظافة دبلوماسيتها، ومصداقيتها.

وهي الآن تتصدر بعضًا من مكانتها المستحقة عالميًا، تواجه المجتمع الدولي بعوراته، وثغراته، تصرخ في آذان قادته، من منبر الأمم المتحدة، علّ آذانًا صاغية، تستمع لصوت الحق، فيستيقظ الضمير.

قدم الرئيس عبد الفتاح السيسي، روشتة علاج، وتجربة نجاح، ورؤية عميقة راصدة للعرض، مشخصة للمرض، مقدمة العلاج، تلك الرؤية الثاقبة التي تثبت الأيام صدقها، هي التي جعلت مصر قبلة يسعى قادة العالم للقاء رئيسها، على هامش الفعاليات الدولية.

عاشت مصر القوية، الأكثر قوة وقدرة عامًا بعد عام إن شاء الله.

تم نسخ الرابط