بقلم : عاصم حنفى

جارى الموظف المحترم الذى لا تسمع له ولأولاده حسا فى العمارة.. طرق بابى منذ أسبوع يطلب مساعدته فى حجز ست تذاكر للذهاب إلى عائلته النوبية فى أسوان لقضاء إجازة عيد الأضحى.. وخصوصا أن حكومتنا العاقلة مطت الإجازة لتصبح خمسة أيام كاملة.. وعلى اعتبار أننا من الدول الغنية التى تعانى من فوائض الإنتاج وزيادة التصدير وأننا ننافس الدول الكبرى فى الغنى والرفاهية..
اكتشف جارى أن شباك الحجز قد أغلق أبوابه بعد ست دقائق من الإعلان عن فتحه.. وأن السبيل الوحيد لشراء تذكرة هو السوق السوداء التى تبيعها بضعف الثمن.. وبدلا من 55 جنيها تباع فى السوق السوداء بمائة وعشرة جنيهات عينى عينك.. وأمام جميع الموظفين والعمال وشرطة المرافق ومباحث السكة الحديد وتحت شباك رئيس الهيئة مباشرة..!
حاولت مساعدة جارى، اتصلت بجميع من أعرفهم.. استخدمت الواسطة والمحايلة ونفوذ صاحبة الجلالة ولم أتمكن أبدا، وقد قفز سعر التذكرة إلى مائة وخمسين جنيها.
فعدت إلى جارى.. أشكو وأنتحب..!
قال لى جارى إن رأس المشكلة هو قله خبرة الإدارة التى لا تعرف عن فنون إدارة الأزمات ومعلوماتها عن السكة الحديد طشاش ومن باب العلم بالشىء.. وهل قرأت تصريحات الوزير بأنه سوف يوفر قطارات إضافية لنقل المواطنين إلى المحافظات المختلفة؟! فلماذا لم يفعل ذلك من قبل.. ولماذا انتظر حتى احتدام الأزمة وهياج الأهالى واعتصامهم داخل محطة مصر وهتافهم ضد الدولة والحكومة حتى يقرر زيادة عدد القطارات.. إنه يتصرف وكأن إجازة عيد الأضحى جاءت فجأة.. مع أن موعدها محدد ومعروف ومتكرر على مدى السنين.. أقصد أن الأزمة لم تحدث بالمصادفة.. هم يعرفون قبل الهنا بسنة موعد إجازة العيد لكنهم يعشقون العيش على فوهة البركان.. والمشكلة أن الحكومة دائما تتصرف فى آخر خمس دقائق.. هى حكومة عاجزة لا تقدر العواقب ولا تضع مصالح الوطن أمام عينها.. ولا تتصرف عادة إلا بعد صدور التوجيهات العليا لحل الأزمات..!
تنهد جارى ثم قال لى: هل عرفت ما حدث لقطار بلبيس عندما سقط عشرة أشخاص كانوا على سطح القطار.. إنهم لم يفعلوا ذلك إلا بسبب الزحام وغياب الطريق المنظم لحجز وشراء التذاكر التى تتسرب للسوق السوداء بفعل ضعف الرقابة وغياب الضمير..!
رفع جارى إصبعه فى عينى وسألنى بغضب: أين إذن شرطة المرافق ومادور هيئة السكة الحديد لتنظيم المسألة التى لا تجد مثيلا لها سوى فى كابول وقندهار.. وقد اكتفى رئيس الهيئة بالإعلان التليفزيونى أن كل شىء تمام.. فى حين كان المواطنون يحتشدون فى طوابير السوق السوداء تحت مكتبه المكيف وكأنه معزول عن الدنيا لا يشعر بما يدور حوله..!
سكت جارى ليلتقط أنفاسه.. ثم سألنى بهدوء: أين هيبة الدولة؟!
تلعثمت وزاغت نظراتى وجارى الطيب ينحرف بنا إلى دنيا السياسة التى أنفر منها.. فأعفانى من الإجابة.. وقال بهدوء: ماذا تتوقع أن يفعل المواطن الغلبان الذى يرغب فى زيارة عائلته بأسوان لالتقاط الأنفاس من صخب المدينة ووحشيتها.. المشكلة أن لا أحد يهتم على اعتبار أنها مشكلة أقليمية تخص المواطنين على الهامش.. وأنها بعيدة عن اهتمامات أهل القاهرة التى تحظى بكل الاهتمام..!
وقف جارى ينوى الذهاب والمغادرة.. قال لى إنه سوف يحاول حل المشكلة بطريقته.. لأنه من غير المعقول أن يقضى إجازة العيد فى غابة القاهرة بعيداً عن أهله فى أسوان.
الخيبة أن جارى العزيز لم يعد لبيته أبدا!!
بالأمس سألتنى زوجته أن أذهب وأبحث عنه.. ذهبت إلى محطة مصر.. فوجدت جارى الطيب وقد ازدهرت أحواله وظهرت عليه علامات النعمة خلال الأسبوع الذى غاب فيه.. وقد احترف الوقوف تحت شباك رئيس الهيئة يبيع التذاكر فى السوق السوداء!



