رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : سهام ذهنى

 
 
فى ذكرى رحيل أستاذنا الدكتور مصطفى محمود تصفحت بعضا من كتبه، ثم اخترت منها هذه السطور من كتابه الرائع «أناشيد الإثم والبراءة» تحت عنوان «العذاب ليس له طبقة»:

الذى يسكن فى أعماق الصحراء يشكو مر الشكوى لأنه لا يجد الماء الصالح للشرب.
 
وساكن الزمالك الذى يجد الماء والنور والسخان والتكييف والتليفون والتليفزيون لو استمعت إليه لوجدته يشكو مر الشكوى هو الآخر من سوء الهضم والسكر والضغط.
 
والمليونير ساكن باريس الذى يجد كل ما يحلم به، يشكو الكآبة والخوف من الأماكن المغلقة والوسواس والأرق و القلق.
 
والذى أعطاه الله الصحة والمال والزوجة الجميلة يشك فى زوجته الجميلة ولا يعرف طعم الراحة.
وبطل المصارعة أصابه تضخم فى القلب نتيجة تضخم فى العضلات.
 
فلا غالب فى الدنيا ولا مغلوب فى الحقيقة، ومحصولنا من الشقاء والسعادة متقارب برغم الفوارق الظاهرة بين الطبقات. فالعذاب ليس له طبقة وإنما هو قاسم مشترك بين الكل. يتجرع منه كل واحد كأسا وافية ثم فى النهاية تتساوى الكئوس برغم اختلاف المناظر وتباين الدرجات والهيئات.
 
وليس اختلاف نفوسنا هو اختلاف سعادة وشقاء وإنما اختلاف مواقف. فهناك نفس تعلو على شقائها وتتجاوزه وترى فيه الحكمة والعبرة وتلك نفوس مستنيرة ترى العدل والجمال فى كل شىء وتحب الخالق فى كل أفعاله.
 
وهناك نفوس تمضغ شقاءها وتجتره وتحوله إلى حقد أسود وحسد أكال. وتلك هى النفوس المظلمة الكافرة بخالقها المتمردة على أفعاله.
 
وكل نفس تمهد بموقفها لمصيرها النهائى فى العالم الآخر. حيث يكون الشقاء الحقيقى. أو السعادة الحقيقية. فأهل الرضا إلى النعيم وأهل الحقد إلى الجحيم.
 
أما الدنيا فليس فيها نعيم ولا جحيم إلا بحكم الظاهر فقط بينما فى الحقيقة تتساوى الكئوس التى يتجرعها الكل. والكل فى تعب.
 
إنما الدنيا امتحان لإبراز المواقف. فما اختلفت النفوس إلا بمواقفها وما تفاضلت إلا بمواقفها.
 
وليس بالشقاء والنعيم اختلفت ولا بالحظوظ المتفاوتة تفاضلت ولا بما يبدو على الوجوه من ضحك وبكاء تنوعت.
 
فذلك هو المسرح الظاهر الخادع.
 
وتلك هى لبسة الديكور والثياب التنكرية التى يرتديها الأبطال حيث يبدو أحدنا ملكا والآخر صعلوكا وحيث يتفاوت أمامنا المتخم والمحروم.
 
أما وراء الكواليس.
 
أما على مسرح القلوب.
 
أما فى كوامن الأسرار و على مسرح الحق والحقيقة. فلا يوجد ظالم ولا مظلوم ولا متخم ولا محروم.
 
وإنما عدل مطلق واستحقاق نزيه يجرى على سنن ثابتة لا تتخلف حيث يمد الله يد السلوى الخفية يحنو بها على المحروم وينير بها ضمائر العميان ويلاطف أهل المسكنة ويؤنس الأيتام والمتوحدين فى الخلوات ويعوض الصابرين حلاوة فى قلوبهم. ثم يميل بيد القبض والخفض فيطمس على بصائر المترفين ويوهن قلوب المتخمين ويؤرق عيون الظالمين ويرهل أبدان المسرفين. وتلك هى الرياح الخفية المنذرة التى تهب من الجحيم والنسمات المبشرة التى تأتى من الجنة. والمقدمات التى تسبق اليوم الموعود. يوم تنكشف الأستار وتهتك الحجب وتفترق المصائر إلى شقاء حق وإلى نعيم حق. يوم لا تنفع معذرة. ولا تجدى تذكرة.
تم نسخ الرابط