بقلم : محمد هيبة
لم تكن أحكام المحكمة الدستورية العليا التى أصدرتها مؤخرا بشأن عدم دستورية قانون انتخاب مجلس الشورى.. وكذلك معايير انتخاب الجمعية التأسيسية لوضع الدستور.. لم تكن هذه الأحكام مفاجئة أو غير متوقعة، بل كانت مؤكدة ومعروفة مسبقا استنادا إلى قرار الدستورية نفسها بحل مجلس الشعب الصادر فى يونيه 2102 استنادا إلى عدم دستورية قانون انتخابات مجلس الشعب والذى تم حل مجلس الشعب على أثر هذا الحكم.
وقد جاء قرار المحكمة الدستورية أو حكمها ليؤكد بطلان الشورى، لكنه فى الوقت نفسه منحه قبلة الحياة، حيث أوقف أثر هذا البطلان استنادا إلى المادة 032 من الدستور الجديد التى أقرت وحصنت المجلس بتولى سلطة التشريع كاملة لحين انتخاب مجلس النواب وانعقاده كاملا، ومن ثم يتم حل مجلس الشورى بعدها وانتخابه وفق قواعد ومواد الدستور المستفتى عليه والذى أكدت المحكمة أن الشعب هو مصدر السلطات وأن الموافقة على الدستور تجعله فوق كل المؤسسات.
والحقيقة أن خطة جماعة الإخوان والبلطجة السياسية التى مارسوها منذ توليهم السلطة قد حققت الهدف المطلوب، وهو تعطيل أحكام قضائية مهمة تهدد استحواذهم على المجالس والمؤسسات التشريعية، وبالفعل تم حصار ميليشيات الإخوان للمحكمة الدستورية العليا فى 1 ديسمبر 2102 لتعطيل صدور أحكام بطلان الشورى والجمعية التأسيسية حتى يتم تمرير وسلق الدستور الجديد والاستفتاء عليه، والذى تم فعلا على مرحلتين ليصبح نافذا وتصطدم به أى أحكام قضائية لاحقة على ذلك، فأصبحت النصوص الدستورية المحصنة كالصخرة التى تتكسر عليها أى أحكام دستورية أو قضائية إدارية لاحقة.
إن الحكم أو القرار الذى أصدرته الدستورية العليا ببطلان قانون انتخابات الشورى وكذلك بطلان الجمعية التأسيسية كان أشبه بزواج على ورقة طلاق.. فالحكم الصادر وإن كان تاريخيا من حيث مضمونه وشكله.. فإن أثره أصبح فى حكم العدم لأنه أعطى المجلس استمرارية وأعطاه أيضا حقه فى إصدار التشريعات والقوانين ولم يقيده حتى فى تصديه لإصدار تشريعات مهمة أو غير مهمة وقوانين مصيرية أو غير مصيرية كقانون السلطة القضائية وغيره من القوانين المهمة جدا فى جدول التشريعات، لذا فإن الحكم كان هو والعدم تقريبا لأن آثاره منعدمة وهو فى النهاية حكم للتاريخ لا أكثر ولا أقل.
أيضا كان حكم الدستورية فيما يتعلق بالجمعية التأسيسية، كان أكثر غرابة، فقد أكد أن سلطة الجمعية التأسيسية التى تختص بوضع الدستور تعلو على جميع سلطات الدولة ومنها السلطة التشريعية التى تعتبر من نتاج عمل تلك الجمعية التأسيسية، ومن ثم لا يتصور أن تخضع هذه السلطة فى تكوينها أو مباشرة أعمالها لرقابة سلطة من السلطات الأخرى.. ولذا فقد كان من الضرورى والطبيعى أن يتم انتخاب هذه الجمعية من خارج أعضاء المجلس التشريعى وهو يعيدنا إلى المربع صفر لأننا نبهنا كثيرا أنه لا يجوز أن ينتخب المجلس التشريعى أعضاء التأسيسية من داخله لأنه لا يمكن أن تتحول سلطة منشأة إلى سلطة منشئة.. وكيف يمكن للمخلوق أن يخلق الخالق؟!
لكن فى الوقت نفسه أكدت المحكمة أن الطعن على هذه المادة ليس من أعمال التشريع، لكنه قرار إدارى يجب الطعن عليه أمام القضاء الإدارى، وبالتالى أعاد هذه القضية إلى القضاء الإدارى.
الغريب أن كل هذا وكل الأحكام السابقة التى صدرت والتى لم تغير من الوضع شيئا لم تعجب الرئاسة ولا الإخوان المسلمين ولا حزب الحرية والعدالة، وخرج بيان الرئاسة ليؤكد أن الشورى باقٍ ومستمر فى دوره التشريعى كاملا لحين استكمال مؤسسات الدولة وانتقال سلطة التشريع إلى مجلس النواب.
كذلك جاءت تصريحات عصام العريان نائب رئيس حزب الحرية والعدالة ليرد بعجرفة سياسية على حكم الدستورية العليا بالتهديد بعمل تشريع يقلص صلاحيات الدستورية العليا وتقليص الرقابة السابقة على القوانين والتى وضعها الإخوان أنفسهم وحزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية لهم، فى الدستور الجديد، وكذلك تحصين المؤسسات التشريعية المنتخبة كمجلس النواب ومجلس الشورى من الحل بأحكام قضائية وتعديل مواد الدستور ليتناسب مع ذلك.. وهذه التهديدات تؤكد أن جماعة الإخوان لا يريدون دستورا ديمقراطيا يبنى المؤسسات الديمقراطية ولا يريدون قضاء عادلا يراقب مؤسسات الدولة وأفرادها.. ولكن يريدون حكما ديكتاتوريا هم كل شىء فيه ابتداء من الرئاسة والحكومة ومروراً بالمؤسسات التشريعية وانتهاء بالقضاء.
المشكلة أن آراء الفقهاء الدستوريين والقانونيين مختلفة.. فقد اتفقت الآراء على أن التشريعات والقوانين التى أصدرها الشورى فى السابق على هذا الحكم صحيحة ودستورية.. لكن المشكلة فى القوانين اللاحقة والتى يهددها البطلان وفق حكم الدستورية العليا.. فهناك اختلاف شديد جدا بين الفقهاء.. هل يصدر الشورى تشريعات مهددة بالبطلان وعدم الدستورية استنادا إلى بطلان انتخابه، أم أن حكم المحكمة نفسه أعطاه حق التشريع وقطع الطريق على أى قرار بالبطلان بنص الحكم السالف الذكر بأحقيته فى التشريع؟!
فى رأيى إن الحكم السابق وإن أقر استمرار الشورى.. فعلى الأخير ألا يتطرق لمناقشة وإقرار قوانين جوهرية وشائكة ومصيرية وأن ينتظر ويؤجل مناقشة هذه القوانين لحين انتخاب مجلس النواب وتوليه سلطة التشريع الدائمة وتكون سليمة قانونا ودستوريا.. وألا يدخل الشورى فى صراعات وصدامات ضد مؤسسات بعينها مثل مؤسسة القضاء ومؤسسة الإعلام لأن كل قوانينه وقراراته قد يشوبها البطلان والإلغاء أمام المحكمة الدستورية أو القضاء الإدارى.
وأخيرا.. لا عزاء لدولة المؤسسات.. وسيادة القانون!∎



