بقلم : محمد نجم
.jpg)
محمد نجم
أشرنا الأسبوع الماضى إلى ضرورة أن يقتصر الدستور على هوية الدولة ونظامها السياسى والاقتصادى.. إلى جانب إقرار الحقوق والواجبات وتحديد السلطات العامة للدولة واختصاصاتها.. مع المحافظة على التوازن بينها.
وأن تترك التفاصيل للقوانين ومن بعدها اللوائح والقرارات الإدارية.. وهو ما اتفق معنا فيه المجلس الأعلى للقضاء فى اجتماعه الأخير. كما أشرنا أيضا إلى عيوب الصياغة والتكرار بين مواد المسودة المطروحة للنقاش حاليا.
وسوف تقتصر مناقشتنا لما ورد بالمسودة هذا الأسبوع على بابى الدولة والمجتمع والحقوق والحريات والواجبات العامة على أن نستكمل بقية الأبواب فى الأسابيع اللاحقة.. إن شاء الله.
وأول ما يلفت النظر هو اقحام الأزهر الشريف فى الدستور، فمدى علمى أنه لم يرد به أى نص فى كافة الدساتير المصرية السابقة، فالأزهر الشريف يمارس دوره منذ أن أنشأ الفاطميون القاهرة.. ووصفه المرحوم الشيخ الشعراوى بأنه صدّر علوم الدين للبلد الذى نزل فيه القرآن!
فما هو الجديد الذى استدعى أن يُنص فى المادة الرابعة من المسودة على أن «الأزهر الشريف هيئة إسلامية مستقلة يختص وحده بالقيام بكافة شئونه.. مجاله الأمة الإسلامية والعالم كله، ويتولى نشر علوم الدين والدعوة الإسلامية.. إلى آخر المادة التى نص فيها على عدم قابلية شيخ الأزهر للعزل.. مع ترك طريقة اختياره ليحددها القانون.
فهل كانت هناك معارضة لدور الأزهر.. وهل العبرة بالنصوص سواء كانت دستورية أو قانونية.. أم العبرة دائما بما يحدث على أرض الواقع؟
على أية حال لا مانع من تحصين منصب الإمام الأكبر من العزل.. ولا مانع أن يتم الاختيار بالانتخاب من هيئة كبار العلماء.
وأيضا.. ما ورد فى المادة السادسة من أن النظام الديمقراطى يقوم على مبدأ الشورى، والمواطنة التى تسوى بين كل مواطنيها فى الحقوق والواجبات.. إلخ.. وكنت أعتقد أنه من الأفضل أن تصاغ المادة على الشكل الآتى: يقوم النظام الديمقراطى على التعددية السياسية والحزبية والتداول السلمى للسلطة والفصل بين السلطات والتوازن بينهما.
ولا يجوز قيام الأحزاب السياسية على أساس التفرقة بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو الدين.
على أن تنقل كلمة «المواطنة» إلى باب الحقوق والحريات والواجبات العامة، حيث إن جميع المواطنين سواء أمام القانون.. إلخ.
كذلك المادة الخاصة بالاقتصاد الوطنى الذى يهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة المتواصلة.. بدون تحديد هوية هذا الاقتصاد ومن الذى سيقود عمليات التنمية.. مع وجود إسهاب وتكرار للألفاظ والمعانى دون أية ضرورة.. مثل ضمان عدالة التوزيع ورفع مستوى المعيشة، والقضاء على الفقر والبطالة، وزيادة فرص العمل، وتقريب الفوارق بين الدخول.. إلخ.. فكلها عبارات إنشائية لا ضرورة لها.. بل إنها تخل بالصياغة الرصينة لهوية الاقتصاد ودعائمه الأساسية.
والغريب أن يُنص فى المادة التى تلى ذلك (المادة 14) بأن الزراعة مقوم أساسى للاقتصاد الوطنى.. فأين الصناعة والخدمات؟..
ثم المادة رقم (24) نقلت بالتحريف عن المادة (26) من الدستور السابق، والتى كانت تنص على أن للعاملين نصيبا فى إدارة المشروعات ونصيب فى أرباحها.. وقد كان هذا مبرر لأن الشعب كان يسيطر على أدوات الإنتاج.. وأن الاقتصاد كان يعتمد على القطاع العام المملوك للشعب، ولكن ماذا يعنى النص الجديد بأن للعاملين تمثيلا فى إدارة المشروعات إلى آخر المادة؟.
فأى مشروعات سوف يكون للعاملين فيها تمثيل.. مشروعات قطاع الأعمال؟.. أم المشروعات الخاصة؟.. أم المشروعات المقامة باستثمارات أجنبية؟.
الطبيعى أن يكون للعاملين نصيب فى أرباح المشروعات التى يعملون فيها خاصة عندما يلتزمون بتنمية الإنتاج والمحافظة على أدواته وتنفيذ خطته فى وحداتهم الإنتاجية، ولكن لماذا يكون لهم تمثيل فى الإدارة خاصة إذا كانت هذه المشروعات فردية أو عائلية؟.
***
أما باب الحقوق والحريات والواجبات العامة.. ففى رأيى أنه من أفضل أبواب المسودة.. باستثناء المادة (45) الخاصة بإصدار الصحف بجميع أنواعها وتملكها للأشخاص الطبيعية والاعتبارية بمجرد الإخطار.
والمعنى أن كل شخص طبيعى.. أو مؤسسة أو اتحاد أو نقابة أو جمعية.. من حقها أن تمتلك صحيفة وتصدرها فى أى وقت.. وعليها فقط أن تخطر الجهات المختصة أنها فعلت ذلك؟
وفى اعتقادى أن هذا التبسيط سوف يؤدى إلى مشاكل لا حصر لها.. وأخشى أن تتحول القاهرة إلى بيروت أخرى.. بسبب ما هو متوقع من «الفوضى الإعلامية» إن حدث ذلك!
والمشكلة أن هذا «الإخطار» ينطبق أيضا على تكوين الجمعيات والأحزاب.. وإن شاء الله سوف يكون عندنا 86 مليون حزب! هذا مع جواز حل الحزب أو مجلس إدارته بحكم قضائى.. وهو ما ينطبق أيضا على النقابات والاتحادات والتعاونيات!
أفهم أن يتم حل مجلس الإدارة للفساد أو الإهمال أو لمخالفة القانون فى أى شىء.. ولكن تحل النقابة نفسها أو الاتحاد بحكم قضائى.. لماذا؟
لقد عرفت مصر النقابات المهنية والعمالية والاتحادات النوعية منذ مئات السنوات.. فما هو الجديد حتى يمكن حلها بحكم قضائى؟
وهل إذا أخطأ مجلس الإدارة يتم معاقبة جميع أعضاء النقابة أو الحزب أو الاتحاد بحلهم بالكامل؟..
إيه الحكاية.. ألم يقرأ أحد الدساتير المصرية السابقة؟



