بقلم : عاصم حنفى

الحاكم الناصح هو الذى يسمع نبض شعبه ويستجيب له.. فلا يعاند أو يكابر.. أو يلتف حول الحقائق الملموسة بالشارع السياسى.. وزمان فى العهد الناصرى.. أحبت الجماهير جمال عبدالناصر حبيب الملايين.. وبايعته وتوجته زعيما جماهيريا متربعا على عرش العقول والقلوب.. والدليل أنهم خرجوا فى مظاهرات حاشدة تجدد البيعة له فى 9 و10 يونيو.. بعد أربعة أيام فقط من الهزيمة المدوية فى خمسة يونيو .1967 ومع هذا وبعد أشهر قليلة تعرض عبدالناصر لغضبة شعبية عارمة.. عقب محاكمات قادة الطيران.. والسبب أن الأحكام الهزيلة على القادة المسئولين عن الهزيمة لم ترض الجماهير التى أحبت الزعيم.. ولكنها لم تعطه شيكا على بياض.. فخرجت تهتف ضده.. وقبض البوليس وقتها على المئات من المتظاهرين.
لكن عبدالناصر الزعيم.. الذى استمع لنبض الناس.. أدرك أسباب الغضب الجماهيرى.. فخرج على الناس فى خطاب مفتوح يعترف فيه بأن الجماهير على حق.. وأمر بإعادة المحاكمات من جديد.. كما أمر بالإفراج عن جميع المعتقلين وأغلبهم من الطلاب الذين فصلتهم الجامعات عقابا لهم.. لكن عبدالناصر أمر بإعادتهم إلى قاعات الدرس من جديد.. ليحتوى المشكلة نهائيا.. وهدأت الجماهير وهى ترى زعيمها يعيد بناء القوات المسلحة تمهيداً لإعادة المواجهة مع العدو الصهيونى الذى تعرض لهجمات مؤثرة فى حرب استنزاف طويلة.. كانت تمهيداً لحرب أكتوبر .73
والسادات الذى خاض الحرب.. رضخ لإرادة الجماهير فى 18 و 19 يناير 77 أى بعد ثلاث سنوات ونصف السنة من الحرب التى توجته زعيما جماهيريا لكن الجماهير خرجت تهتف ضده فى مظاهرات 18 و19 يناير 77 بعد أن قام برفع أسعار السلع الرئيسية.. وعلى رأسها رغيف العيش.
رضخ السادات لإرادة الجماهير.. فقام بإلغاء الزيادات فى الأسعار.. ولم يكتف بل قام بإقالة وزارة ممدوح سالم المسئولة عن رفع الأسعار.. وهدأت الجماهير من جديد!
قبل ذلك بنحو عشر سنوات.. تململت الجماهير فى عام .63 صحيح أنها لم تخرج فى مظاهرة حاشدة لكنها عبرت عن رفضها لرفع أسعار بعض السلع الرئيسية ومنها الأرز..الغذاء الشعبى للجماهير.. وقد ارتفع سعره من ثلاثة قروش للأقة إلى أربعة قروش.. وتفهم عبدالناصر بسرعة أسباب التململ الجماهيرى.. فأقال رئيس الوزراء المسئول.. زكريا محيى الدين.. وأعاد الأسعار إلى سيرتها الأولى.
ومبارك الذى لم يستمع لصوت الشعب وهو يرى الانتخابات المزورة فى برلمان .2010 وهو ما تطور إلى عصيان مدنى شامل توج بثورة يناير .2011 لكن مبارك ركب رأسه خصوصا أنه يحمل درجة الدكتوراه فى العناد.. لم يتفهم أسباب الغضب الشعبى.. فكان السقوط المروع والسريع بعد سبعة عشر يوما من ثورة 25 يناير.. لم ينفعه العناد والتكبر وقوات الأمن المركزى.. فدفع بسرعة ثمنا لذلك العناد.
أمام الدكتور مرسى الآن فرصة وحيدة لا خيار فيها.. أن يستمع لصوت الناس وأن يتراجع عن الإعلان الدستورى سيئً السمعة.. وأن يعيد تشكيل لجنة كتابة الدستور الإخوانية.
نطالب الدكتور محمد مرسى أن يكون رئيسا لكل المصريين.. وألا يستمع لمستشارى السوء الذين يفرضون أنفسهم على الرئيس فيتكلمون باسمه أحيانا.. وأنت لا تعرف وظيفة عصام العريان بالضبط.. وهو يتحدث باسم الرئيس فى أكثر من مناسبة.. آخرها تلك الغضبة الجماهيرية العارمة.. احتجاجا على ذلك الإعلان الدستورى وذلك الدستور المرفوض شعبيا.. لكن عصام العريان يفسر المظاهرات بأنها مؤامرة على الرئيس.. ويصف الثوار بأنهم من الفلول.. أما ملايين المعارضين فهم المرتزقة والعملاء والكفار والملاحدة..!
إن الدكتور محمد مرسى رئيس الجمهورية.. فى أشد الحاجة إلى مستشارين مقربين.. يستمع إليهم.. ينقلون له نبض الجماهير بحق وحقيقى.. بدلا من هؤلاء الذين ينقلون إليه رغبات ومطامع مكتب الإرشاد.. الذى تجاوز معظم أعضائه تاريخ الصلاحية لكثرة ابتعادهم عن ملايين الجماهير وإنصاتهم فقط لنصائح مكتب الإرشاد.
إن الحلال بين... والحرام بين.. والحاكم الناصح هو من يسمع نبض شعبه ويستجيب له ويتقرب إليه.. تماما كما فعل عبدالناصر زمان.. وكما فعل السادات بعد ذلك.



