بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
تعرف السياسة دوما بفن صناعة الممكن ، فالسياسة لا تعرف الأبيض والأسود فقط ، بل هي فن صناعة الألوان وابداع الجديد بما يتوافق مع الاستراتيجيات البعيدة والأهداف المرحلية ولا يتعارض مع العقل الجمعي للمجتمع .
وربما يضطر السياسي أن يخالف توجهاته العريضة ويحيد عنها لهدف مرحلي يحقق به هدفا استراتيجيا بعيدا مع إمكانية تلافي سلبيات حياده الموقوت ولو بعد حين ، خاصو في حالة وجود أوراق للضغط ذات تأثير قوي يفرض وجوده على طاولة المفاوضات مثلما يمتلكه الجنرال السيسي ، وهو ما أوضحته الصحف الأمريكية بتعبيرات مختلفة مفادها امتلاك السيسي لأوراق ضغط أكثر من التي كانت تملكها أمريكا على مصر في عقود مضت .
ولذلك نرى بعض الغموض والسكون الذي يسبق العواصف يسود المظهر الخارجي للموقف حتى أن الملل بدأ يتسرب لنفوس الشعب المترقب وبعض الجهات من الشباب الثوري أعطى مهلة لــ 48 ساعة سواء مدفوعة في اتجاه تحفيز المفاوضين الأمريكان والعرب على سرعة البت وإنهاء المواقف أو كانت عشوائية متزامنة مع الموقف .
تشهد الساعات القليلة الماضية والقادمة تحركات مكثفة استدعت تواجد نائب وزير الخارجية الأمريكي وأعضاء من الكونجرس مثل ماكين ووزير الخارجية القطري ونظيره الأماراتي وأطراف أوروبية والكل في صراع مع الزمن لإنهاء الأزمة الحالية بسرعة قبل أن يتصرف اليسيسي بمفرده لفض الأزمة .
ولو كان الأمريكان يملكون بعض وريقات ضغط على السيسي ما كثفت تحركاتها السريعة ووضعت تحت هذا الضغط الكبير والذي استدعى حضور ماكين في طائرة حربية لزيارة عاجلة لمدة يومين ، فالسيسي يبدو أنه يملك خيوط اللعبة كاملة خاصة مع الإعلان عن زيارة بوتين لمصر القادمة والقريبة والتي سوف تحدق انقلابا في موازين القوى والتي هدد أركانها السيسي بتصريحاته المعاتبة بقوة للموقف الأمريكي من الثورة .
وبغض النظر عمن في يده قرار الجماعة وفض الاعتصام سواء كان بديع أو الشاطر أو حتى مرسي فلابد وأن تكون المفاوضات مع صاحب الكلمة ولا ندري حقيقة إن كان الشاطر يملك الكلمة أو أنه مطالب برد ثمن بيع الوطن البديل والذي لم ولن ينفذ على أرض الواقع أو حتى يملك إيقاف نزيف الدم ففي جميع الأحوال يترك السيسي المجال مفتوحا لأنصار الإخوان من الغرب لبذل جهودهم لإنهاء مواقف شاركوا في تفاقمها ومسئولين عنها كاملة بأيدي عملاءهم من الجماعة ومؤيديها ومجاهدي القاعدة التي صنعتهم أمريكا على مدى العقود الماضية .
أما عن الموقف برمته ففيه شبهات قوية للعمالة والخيانة بين الجماعة والأطراف الأوروبية والأمريكية والتي دفعت الأمريكان للتحرك بهده القوة والاندفاع غير المسبوق وما سبقه من التحرك الأوروبي المريب والحريص ، وكأن الجميع حريص على دفن حقائق وعدم إعلانها ولو كان القمن التضحية بالجماعة ولو مرحليا .
أما عن الاعتصام فهناك ضغط قد بدأ بالفعل بواسطة قوات مكافحة الشغب والقوات الخاصة على اعتصامي رابعة والنهضة وهو وسيلة ضغط لا يستهان بها على المبعوثين الأمريكان والعرب العاملين على فض الأزمة ، وهذا الاعتصام محكوم عليه بالانتهاء مهما طال زمنه ، بل ومطلوب سرعة فضه سريعا وبلا تأخير سواء بواسطة الجيش أو الشرطة أو بواسطة الأهالي على المدى الطويل .
وسوف تشهد الساعات الحرجة القادمة تقدما ملحوظا في هذه الأزمة تبعا لتوفيق المفاوضين ومدى التنازلات من الطرفين وهو ما يخشى عامة الشعب اتساع رقعته ليهرب المحرضين على الدم من القصاص ، وهو أيضا ما يخشاه قيادات الإخوان أن تنتهي تنازلاتهم في المفاوضات لتسليم رقابهم لحبل المشنقة ، ويبقى الطرف الأمريكي اللهث على دفن مؤامرات وحقائق بأي ثمن حتى ولو كان رقبة قيادات الإخوان الحاليين في مصر .
ولا شك أن عجلة التاريخ لن تعود للوراء وما يحدث الآن ليس إلا مشكلة ستنتهي عاجلا أو آجلا ومهما كانت النتائج فالفائز في النهاية هو هذا الشعب العبقري بكل مميزاته وعيوبه .
حفظ الله مصر وكل عام ومصر بخير ...



