الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

 

ماذا .. لو كنت رئيسا.. ؟؟

فما هي مطالب الشعب الأساسية .. وما هي المحظورات التي لا يجب الاقتراب منها .. ؟؟

وما هو الضمان لاستمرارية البناء والتطور واستكماله مهما اختلفت الوجوه والأنظمة والحكومات .. ؟؟

سؤال سألته لنفسي كثيرا .. واختلفت الإجابات وتباينت في كل مرة .. ولكن .. في النهاية .. اتفقت الإجابات جميعا على ثوابت لا تتغير ولا تتبدل خاصة تلك التي تحمل خصوصية مصرية متفردة .

وأهم تلك الثوابت .. هي مطالب الشعوب الأساسية السبعة ، هي أمنه ولقمة عيشه ودينه وشرفه وأرضه وحريته وكرامته ، وهذه المطالب لا يجب أن تمس أو تنتقص والشعوب في حاجتها لهذه المطالب لا يعنيها كثيرا المشاكل والتعقيدات السياسية والاقتصادية وحجم الصراعات المحلية أو الإقليمية والدولية وتأثيراتها المتشابكة والمعقدة .

ويبرز دوما خصوصية هذا الشعب في حاجته النفسية التاريخية لوجود زعامة يمنحها ثقته ويحملها مسئولية تحقيق هذه المطالب الأساسية كاملة أو منقوصة تبعا لحجم الثقة والمصداقية التي تكتسبها هذه الشخصية .

وبالتالي فعلى أي رئيس أن تكون أولوياته هي اكتساب ثقة هذا الشعب بصناعة مصداقيته وتنميتها بتحقيق مطالب الشعب قدر استطاعته والعمل على اكتمال تحقيق آماله وطموحاته بشفافية وصدق وأمانة ، دون مجرد حتى التفكير في الصفقات أو الخداع أو المكر أو التعامل مع الشعب على أنهم دون مستوى الإدراك أو الوعي .

وفي الحالة المصرية الراهنة ومن خلال معطيات الأحداث الأخيرة ، ونتيجة لاستجابة مؤسسات الدولة لموجة الثورة الثالثة والغير مسبوقة فقد أصبح لزاما على الزعامة الحالية تحقيق المطالب الأساسية بالتوازي وتباعا طبقا للمعطيات والإمكانيات .

وأول المطالب الأساسية هو الملف الأمني المزمن والمتوارث من نظام الإخوان البائد ، ولا يجوز في هذا الملف إلا الحزم والحسم ولو كان بالتضحية بدماء البعض من الذين استحلوا دماء البشر من أجل العودة لحكم هذا الشعب رغم أنفه ، وكذا الحسم والحزم على جميع من تسول لهم أنفسهم العبث بمقدرات هذا الشعب أو التفكير في اقتطاع جزء من أرض هذا الوطن لصالح المشروع الصهيوأمريكي في سيناء أو أي بقعة من أرض هذا الوطن .

وهو الملف الذي يرى الغالبية من هذا الشعب أنه تم التعامل معه بكثير من التراخي والرأفة المغلوطة والتي كلفت هذا الشعب دماء بعض أبناءه من الأبرياء دون نتيجة ملموسة إلاها لو كانت بعض التصويبات الإعلامية في الخارج أو الداخل وهو ما يرى الكثيرين أن نقطة دم لبريء أهم وأعز وأبقى من كل هذا ، والأخطر أن يكتشف الشعب أن هناك صفقات سرية وتواطؤ متعمد للوصول لصيغ صالحة للتسويق الإعلامي والشعبي وهو ما لن يقبله هذا الشعب مطلقا بل وقد تكون القشة التي تقسم ظهر النظام المؤقت كاملا ، وتسقط ورقة التوت عن المتسترين خلف دعاوى البرادعي للتهدئة والتلطيف والمساومة والرأفة والتسامح والحفاظ على دماء من استحلوا دماء وأعراض وأموال هذا الشعب بكل وقاحة وتبجح .

وثاني هذه المطالب .. هو لقمة العيش والتي طالما انتظرت قرارا شجاعا وأمينا برفع الحد الأدنى وتحديد الحد الأعلى للدخل  هو ما سمعناه يتشدق ويصرخ به خبراء اقتصاديون هم الآن في موقع السلطة والمسئولية وينتظر منهم تحقيق ما ادعوا يوما حتمية وسهولة تطبيقه ، وهو مطلب سوف يرفع من قدر المصداقية للحكم القائم كثيرا ويخرس ألسنة بدأت تتشدق وتهاجم هذا الحكم وتقارن بينه وبين ما سبقه .

وثالث ورابع وخامس هذه المطالب .. هي الملحة هو إيضاح الفهم الصحيح للدين وفداحة الانحراف والتطرف التي تعاني منها تلك الفئات التي كانت تحكم وتحاول أن تحتكر الدين والسلطة في أيديها ، مع أهمية فضح فسقهم وضلالهم و إهانتهم لشرف المسلمين وكرامتهم بإباحتهم للدماء ثم .. الدعارة تحت مسميات الجهاد ، والفرصة مهيأة لدحض افتراءاتهم والإجهاز على دعاويهم المأجورة بأيدي عملاء مأجورين فاقدين لطهارة وإخلاص النية والضمير والتوجهات ، وهي مهمة يجب أن يتضافر فيها الأزهر والإعلام ومؤسسات التعليم والثقافة برئاسة ورعاية مجلس الوزراء واهتمام شخصي من رئيس الدولة ، وذلك أن هذا الشعب متدين بالفطرة ولابد من تصحيح مفاهيمه حتى ولو لم يعجب هذا رعاة الإخوان والوهابية ومن يدفعون المليارات بأوامر وتوجيهات صهيوأمريكية .

وسادس المطالب .. هو استئصال الفساد ودعاته وبؤره المنتشرة في مفاصل الدولة سواء التي جاءت من خلال مشروع التمكين للإخوان والذي تم وفقا له التمكين في أكثر من 50 ألف وظيفة من إجمالي 66 ألف وظيفة رئيسية وحاكمة في الدولة ، أو متبقيات نظام مبارك من المنتفعين والمستمتعين ومحترفي الفساد والإفساد خاصة ممن تخطوا السن القانونية وما زالوا يجدد لهم بأوامر من الوزارات المستفيدة والمتواطئة .

ويعتبر من أهم الأسس التي يجب الإصرار عليها هو القضاء نهائيا على تولية أهل الثقة للمناصب كمكافآت وترضيات على حساب مستقبل ومصالح هذا الشعب ، مثل استمرار بعض الوزراء في مناصب لا تسمح مؤهلاتهم العلمية بتوليها فتكون قراراتهم تتوافق مع أهداف مبتورة كتسيير الأعمال وبقاء الحال على ما هو عليه ، ثم تولية أهل الثقة والمعارف وزملاء العمل السابق والتي تتعارض مع المصالح القومية والفنية للقطاعات التي يديرونها ، فيستمر مسلسل الفشل والتردي لقطاعات ومصانع ومؤسسات وكيانات قومية عملاقة .

وآخر هذه المطالب .. هو وضع الحدود الآمنة للحريات وممارساتها ، حتى لا نرى اعتصاما يدمر البنية الأساسية لدولة ويهدد أمن المواطنين تحت مسميات الحرية ، ولا حريات تعتدي على حرمات الأشخاص وتنتهك حرماتهم وتكيل الاتهامات بلا دليل بأغراض التشويه للمناوئين والمنافسين .

وبالطبع ندرك أن تحقيق المطالب كاملة هو درب من الخيال ولكن لابد وأن يكون هناك حد أدنى لتحقيق مطالب بعينها بصورة واضحة والتي رأسها الأمن ولقمة العيش والقضاء على الفساد من خلال مخطط مدروس ومتابع بجدية وحزم ، حتى تستطيع هذه الأمة النهوض من كبوتها التي طالت كثيرا .

ولكن .. وقبل أي مطالب هناك محاذير لا يجب الاقتراب منها ومحظور حتى التفكير فيها أو التعامل معها لأنها ستدمر أية الثقة والمصداقية لأي رئيس أو زعيم أو نظام وهي محاولة عقد الصفقات مع الإخوان وحماتهم أو ضمان الخروج الآمن لرجالهم للمرة ثانية مثلما حدث مع نظام مبارك ، فهذه المرة ربما يعيد الشعب بنفسه رسم طريقه والانتقام من الإخوان وإسقاط النظام برمته للمرة الثالثة ومن لا يصدق هذا فليجرب ، فهذا الشعب لا ولن يقبل المساومات والصفقات حتى وإن بدا ظاهريا أنه قد يقبلها ولكنه في النهاية سيسقط الصفقة وأطرافها جميعا .

أما عن الزعامة .. فبعيدا عن عقدة الإخوان من العسكريين والتي تأصلت في دماءهم بسبب الاختلاف والتباين الرهيب بين وطنية العسكريين للوطن وانعدام الوطنية لدى الإخوان والتي يعلنوها دون حياء ، وبعيدا عن عقدة بعض من يريدونها سداحا مداحا ويعملون بأجندات خارجية ممولة بسخاء وهم من سوف تخنقهم القبضة العسكرية بما لديها من وسائل استخبارات عالية الكفاءة ، فإن زعامة مثل السيسي في هدوءه وصبره الذي نراه أحيانا أطول من اللازم لهو أحد الحلول المثالية لزعيم مرحلي من الممكن أن يحقق في اتزان وهدوء بعضا من مطالب هذا الشعب .

ولعل أهم ما يميز السيسي أنه الرجل الوحيد خلال العقود الخمسة الأخيرة الذي تخشاه القوى الصهيوأمريكية في الشرق الأوسط وله لديهم حسابات خاصة فهو رجل لا سبيل لسيطرتهم عليه حتى الآن ، وهو أهم ما يميز الرجل ويجعله قادرا على اتخاذ القرار المناسب والمتناسب مع المصالح العليا والقومية لمصر في هذا التوقيت الزمني الحرج ، خاصة في ظل الحراك الحالي والحرج لفعاليات التعديل الإجباري لميزان القوى الدولية في العالم .

ولعل من الأساسيات الهامة والتي يجب أن لا تغيب عن الفكر المصري وهو أن الرجل بتأهيله الشخصي وممارسته المهام والوظائف السابقة كمدير للمخابرات الحربية ثم وزيرا للدفاع في توقيت فعاليات وتداعيات الثورة الحرجة فضلا عن شعبيته التي قفزت وتزايدت بسرعات عالية وبلغت حدودا مناسبة تسمح بقيادته لهذا الوطن في هذا التوقيت ، ليعد أنسب الوجوه المطروحة والتي سيفرضها الشعب على كل رافض أو معترض وهو ما أثبته الشعب باستجابته التاريخية لنداء السيسي وتفويضه في مواجهة الإرهاب في السادس والعشرين يوليو الماضي .

أما عن الوجوه السابقة والقوى الوطنية المعروضة والتي احترقت خلال صراعات الأعوام السابقة فكفانا ما عانينا منها من سلبيات وتخاذلات وصراعات على السلطة أفقدت معظمهم زخمهم الشعبي بل وفضحت خداع وانتماءات بعضهم العميلة ، فضلا عن ارتفاع المعدلات السنية لهم والتي ما زالت تحلم بالعودة لكهوف الماضي بوطن يتطلع لمستقبل أفضل وهو ما لا يتناسب مطلقا مع متطلبات المرحلة القادمة بصفة خاصة .

أما عن المتمسكين بخزعبلات الماضي والمعترضين والمدعين للدين والمصدقين لسقوط الإسلام بأيدي العلمانيين والليبراليين والحالمين بالسيطرة على هذا الوطن وتقسيمه لصالح مشروعات صهيوأمريكية فلا مكان لهم في هذا الوطن ما داموا مصرين على إفكهم وضلالهم وتزويرهم للحقائق وتآمرهم على هذا الشعب ، ومآلهم للزوال لا محالة ولا جدال في ذلك رغم ما قد يسببونه من صداع وآلام ومشاكل ومتاعب لجسد هذا الوطن .

ولا شك أن الشفافية بإعلان تفصيلات قضايا التخابر والعمالة والتجسس والتآمر والفساد والتي ارتكبها قيادات الإخوان والسلفيين ومن قبلهم نظام مبارك على الشعب سوف تضع حدودا فاصلة وتعيد الرشد لكثير من المخدوعين والمغيبين وتخرس كثيرا من الألسنة المخنثة والداعمة والمؤيدة والمحبة للإخوان والسلفيين وأمثالهم من المدعين والمتآمرين .

ومما لا شك فيه أن القصاص العادل دون محاباة أو تغافل أو تواطيء من كل من أهدر دما مصريا سواء في عهد المخلوع الأول مبارك أو عهد المعزول الثاني مرسي العياط وما بعده سوف يرضي نفوس الملايين من هذا الشعب ويداوي كثيرا من جراحها ويرسخ قواعد للثقة والمصداقية في أي حكومة أو قيادة قادمة لهذا البلد .

وأخيرا فإن هذا الشعب يحتاج عاجلا وبإلحاح (ودون صفقات خروج آمن لأحد) لأمن حازم وحاسم ثم تأمين مادي لمعيشته ثم قصاص عادل يلملم جراح النفوس واستئصال لقواعد الفساد ثم تقويم لثقافته وتعليمه ومراعاة لكرامته وتقنين لحرياته في إطار كثير من الشفافية والمصداقية ، وكل هذا يحتاج لشخصيات أمينة صادقة مع نفسها ومخلصة لوجه الله تعالى في توجهاتها لمصالح هذا الشعب مع الارتكاز على العلم وجدية العمل من خلال استراتيجيات ومخططات وأهداف مرحلية ثابتة وغير قابلة للتبديل والتغيير باختلاف القيادات أو الحكومات .

ولن يتحقق هذا إلا بمجلس أمن قومي قوي بكفاءاته العلمية والعملية وإخلاصه وتفانيه وثابت بتشكيله يشرف على إدارة الوطن باستراتيجيات ثابتة وقوية لا تتغير بتغير القيادات والحكومات لفترة لا تقل عن العقود الخمسة القادمة .

هذا ما أعتقد أنه من الضروري فهمه والعمل على تحقيقه لو شئنا أن نخرج من أزماتنا أقوياء وقادرين على نحقق المستقبل الأفضل لهذا الوطن الغالي والكريم ..

تم نسخ الرابط