بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
ثقة في الله تعالى .. وإيمانا بدقة تراتيب ناموسه في كونه .. ستمضي المحنة وتنجلي الغمة .. وستعود لمصر أمنها وأمانها واستقرارها .. ولكن تبقى العبر والأمثال يضربها الله للإنسان في نفسه وهو ما ذكره لنا في كتابه العزيز بقوله تعالى {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً }الكهف54 .
وأبرز العبر والآيات في خلق الله هي الرجال التي خلقها الله للمواقف والأزمات والصعاب ، رجال أشداء ولو لم تلحظ في مظاهرهم هذا ، ولكنهم خلقوا للأزمات والمواقف الصعبة وهم نوعان طرفيان وبينهما عامة الناس متفاوتة ومتباينة .
النوع الأول .. هو شياطين الإنس .. وهو نوع يصنع الأزمات باحتراف ، ويعشق الشر للبشر وهو لا يتورع عن أي شر مطلقا بل يرى متعته في إبداعه للشر وإيذائه للغير ، وأمثالهم بيننا نعاني منعهم بشراسة منذ سنوات قليلة وهم مدعين الدين من الإخوان والسلفيين وجماعاتهم الجهادية والإرهابية .
وجميعهم من عباءة واحدة وولائهم جميعا لبعضهم البعض ويتبعون أيديولوجية واحدة وهي خداع البشر باسم الدين لصالح الماسونية العالمية وعصاها الغليظة الصهيونية ومراكز التشغيل والمتابعة في المخابرات الأمريكية والإسرائيلية والبريطانية والألمانية والغربية وبعض العربيات ، سواء بأموال مسلمة أو عربية .
وبالطبع أعني هنا القيادات والمشايخ المفوهة والمتشدقة والمتصدرة للمشاهد من الإخوان والسلفيين وجماعاتهم المختلفة وأذناب القاعدة ، وبالطبع ليس من هؤلاء من هم المغيبين من الشعوب والجاهلين والذين يدفعون ليكونوا وقود هذه الحرب بنارها المستعرة دوما ، تحت شعارات براقة ومقدسة تلهب المشاعر وتغيب العقول وتسوق البشر لحتفها سعيدة ومستبشرة .
وهذه الأشكال من البشر رأينا منها ما عين رأت ولا أذن سمعت من قبل من تدليس وتزوير للحقائق وكذب صراح وفرض الضلال كأنه الحقيقة ، حتى رأينا مثلا البلتاجي وهو مثال فج وقميء لبشر استباح كل شيء ولا يستحي أن يكذب ويدعي ثم ينكر ويدعي مرارا وتكرارا ، حتى ورط نفسه في نعي ابنته شهيدة يفتدي بها كرامة شعب مصر وهو يعلم أنها حية ، فيفضحه الله على الدنيا كلها وتخرج ابنته لتقول لا أعلم لماذا يقول هذا وهو يعلم أنني حية ، في مشهد بليغ يفصح عن نوعية هذه النفس البشرية الوضيعة بكل حقارتها ، ويصف لنا بدقة ما قد يستطيع هذا الشخص افتراءه وادعاءه واقترافه من كوارث دون أن يهتز له جفن .
وهذا البلتاجي هو تلميذ صغير ما زال يتعلم في محراب الأساتذة الكبار البرادعي والعوا وأبو الفتوح ومحمود عزت وعاكف ثم باقي الطراطير الصغيرة من بديع والشاطر وأبو إسماعيل والأهطل وحنكش وأبو دومة والمهبول والكداب والمخبول والولهانة والمسخوط والمسعور ... إلخ .
أما النوع الثاني .. فهم .. الرجال بحق ومن يصدق فيهم قول الله تعالى .. {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً }الأحزاب23 ، ولن أتحدث عن أحياء فما زال أمامهم الكثير ليسطروا تاريخهم وذكراهم إن لم يبدلوا جلودهم أو تسقط عنهم أوراق التوت في مشاهد مفجعة ومخيبة للآمال ، ولكنني أعني رجالا قضى نحبهم وماتوا رجالا شامخين من قبل وأمس دفاعا عن أمن شعب وأمانه .
فاليوم ننعي بقلوب دامية أكثر من أربعين ضابطا وشرطيا ما كان ذنبهم إلا واجب وشرف وأمانة أدوها وبذلوا نفوسهم وأرواحهم فداها في رجولة وإباء ليتصدوا لغوغائية وإرهاب القتلة والعملاء والجهلاء والمغيبين ، وننعي من قبلهم رجال قواتنا المسلحة البواسل ومن ماتوا ودفنوا ولم يأخذوا حقهم من التكريم أو الاحترام والتقدير لأرواحهم التي خطفت بغدر وخسة هؤلاء القتلة من أجل الواجب والأمانة والشرف وفداء للدين والوطن .
أما الحديث عن كبوات الرجال ، فكل معادن البشر تصقلها نيران المواقف والصعاب ، فمنها معادن نفيسة تزهو وتجلو صدأها بوهج نيران المصاعب والأزمات ، ومنها معادن خسيسة تتبعثر وتفجرها نيران الأزمات فتسقط عنها غطاءها المزيف لتبدو بحقيقتها الوضيعة والرخيصة واضحة للأعين والعقول ، ومثالها رأيناه بالأمس في موقف عصيب ودقيق وحرج فإذا بالرجل يقفز من السفينة معلنا عن خسة نفس منقطعة النظير ربما .. أو ضعف شديد وتواضع في قدور الرجولة والمرؤة والشهامة المصرية .. ربما ، أو ظروف أقوى من قدرات احتماله وصلابته جعلته يقف في موقف أعداء شعب ووطن .
ولا مانع عندي أن أصدق أن البرادعي هو أحد أطراف المعادلة الأمريكية في مشروع الشرق الأوسط الكبير ومخططات الوطن البديل سواء كان أحد رجال تنظيم الإخوان العالمي وماسونيا من العناصر الساكنة ، أو كان أحد العرائس الأمريكية التي تؤدي دورا محسوبا بدقة ، ولكنه فشل في تفعيل دوره بالصورة المطلوبة فلا مانع من حرقه كورقة تمهد لميلاد غيرها وهو ما يجب أن نحذره ممن يحاولون بناء صورته على حساب الورقة المحروقة .
وفيما يبدو أن الإدارة الأمريكية تستغني عن ثاني أوراقها المحروقة بعد باترسون في مشهد دراماتيكي ضعيف ومهزوز ، وإلا لماذا يحاول هذا البوب الهروب من مصر لباريس بعد أقل من 24 ساعة من استقالته ، أهي استدعاء للمحاسبة أو للتقييم أم تجديد التدريب والتلقين ، وربما تخطيء الظنون ويكون دورا سياسيا يلعبه السيسي باحتراف وستكشف عنه الأيام القادمة وربما السنوات .
ولا أستطيع التغافل عن الجنرال السيسي .. والذي أرى من وجهة نظر شخصية متواضعة ، أن الرجل يدير اللعبة باحتراف وجدارة أذهلت محترفي السياسة في الغرب والشرق ، بل وجعلت الجميع يفكر آلاف المرات قبل أن يتخذ موقفا ، بل والأعجب والمثير للإعجاب أنهم دوما يتورطون ويتعجلون ثم يعودون وينكرون ويغيرون مواقفهم مجبرين ، وهو ما يشكل بالتأكيد أعباء نفسية وسياسية خطيرة تجعل من شائعات مخططات اغتيال السيسي حقيقة لا احتمالات فيها ، فالرجل مرهق لمتابعيه وقدراته تتأكد وتتنامى في كل موقف يوما بعد يوم .
ولن نستطيع أن نظل واضعين الرؤوس في الرمال ، فصاحب القرار والكلمة هو السيسي رغم كل محاولاتنا أن نقول غير هذا ، إلا أن الرجل وضع الشكل الدستوري في نصابه ولا يستطيع بشرا أو يدعي غير ذلك ، وكفى أن السيسي ترك الجميع يرتعون كيفما يحلمون ، بل ودعا كل يملك دلوا .. أن يمده بما يستطيع ليساهم في حل الأزمة ، ورتع من رتع وتمنع وتنطع من تغابى وجهل ، حتى أن الشعب تململ وبدأ يبحث عن بديل للركود والتميع ، فحسم السيسي الأمر في توقيت حرج قطع كل لسان وأخرس كل عميل وعويل وأثبت أنه قادر على فعل ما يقول .
ورغم أن مصر قد تشهد مسلسلات للعنف والإرهاب ربما لسنوات قادمة خاصة في الأطراف والمحافظات النائية والساخنة ، ولكنها أقل تكلفة يجب أن ندفعها ثمنا لجريمة مبارك ونظامه وخضوعه المهين للإدارة الأمريكية والصهيونية بإفساح المجال لتيارات العملاء مدعي الدين ليتناموا ويستفحلوا ويصبحوا الكيان الوحيد والوريث الجاهز والقوي لمبارك ويسيطروا على مقاليد الحكم في غفلة من الزمن والشعب ، ورغم كل ما نعانيه وما قد نعانيه من هؤلاء القتلة والعملاء في الفترة القادمة طالت أو قصرت ، ورغم مخططاتهم القذرة لحرق مصر وجرها لهوة الطائفية أو الحرب الأهلية ، ورغم فداحة وخطورة معاونيهم ومحركيهم من الخارج والداخل ، ورغم كل ما يمكر به المتآمرون ، فمصر دوما أكبر وأقوى من كل ما يمكرونه بحفظ الله لها وبما استودعه الله في أرضها وأهلها من رباط وأمن إلى يوم الدين .
ولا ننسى أن نتقدم بخالص الشكر والعرفان بالجميل للإخوان المسلمين وتنظيمهم العالمي وكذلك للإدارة الأمريكية بصفتها القرداتي الكبير (على حد تعبير المخلوع الثاني) على الجميل الكبير والرائع في فضح مدعين الدين بكل تنوعاتهم بهذه السرعة المذهلة والغير مسبوقة أو المتوقعة وبصورة جلية لا شك فيها ولا جدال ، مما أسهم في سقوطهم الرهيب والمروع في هوة الضياع المجتمعي خلف مزبلة التاريخ الإنساني .
وما زلت بإذن الله .. واثقا في الله تعالى ومؤمنا أن هذا الوطن مصر .. محفوظا .. بناموس الله على أرضه ، وتاريخ البشرية المسطور في لوح الله المحفوظ ، فمصر وضع الله حدودها الجغرافية وجعلها آمنة رغم كل ظنون المغيبين والجهلة بقوله تعالى .. { ..... ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ } يوسف99 ، فهو تحديد جغرافي لحدود دخل منها أبناء يعقوب وفرض الله أمنها ليوم الدين بقرار رباني ، وهي مصر مقبرة الغزاة والطغاة ، ومن أرادها بسوء قسمه الله وأذله ، وهي وأهلها في رباط إلى يوم القيامة ، وأهلها معروفون في التاريخ وناموس الله الكوني أنهم قتلة الظلمة والطغاة وهادمي الأمم المتجبرة ، والمصريين قدرهم أنهم خير أجناد الأرض وتلك حقائق كونية لا حيلة لبشر فيها سوى .. سبحان الله العظيم .. وسبحان الله وبحمده ، ولا أملك لك يا مصرنا .. إلا قولا واحد .. ( يا صخرة في جبل كبرياء الله .. صبرا ..)
جمال عمر



