الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

تعتبر قراءة التاريخ الإستراتيجية أحد أهم ركائز نجاح حركة الحياة على الأرض خاصة لأهل السياسة والحكم ، وأبرز ما في قراءة التاريخ هو فهم ناموس حركة الحياة للشعوب والأمم ، والأهم هو إدراك اتجاهات تطور حركة الحياة لهذه الشعوب والأمم ، فالتاريخ يحتاج لقراءة .. ثم محاولة فهم .. تؤدي لإدراك .

وحتى تكون قراءة التاريخ لشعب أو أمة صحيحة ودقيقة فلابد أن يكون قارئها ملما بتطور تاريخ هذا الشعب وواعيا لاتجاهات هذا التطور ، مما يساعده على توقع اتجاهات حركة الحياة المستقبلية لهذا الشعب وفهم وتقدير ردود أفعاله القريبة والبعيدة وتأثيراتها المنتظرة .

والمتابع للشعب المصري متابعة سطحية دون تعمق أو دراسة واعية لابد وأن تبهره بل وتذهله الحالة الثورية التي يعيشها منذ سنوات ثلاث دون توقف أو بوادر خمود لنيران تأجج ثورته وهو ما بدد وكذب أي ادعاءات من الفرق والجماعات والجبهات عن كونها صاحبة الثورة أو مفجريها أو حتى تمتلك بعضا من مفاتيح اللعبة الثورية .

ولا شك أن الميراث التاريخي للبشر هو الأساس الركين لتفاعلات الشعوب وتطورات حركة حياتها واتجاهات تطورها حيث يظل دوما هذا الميراث هو مصدر إنتاج الخطوط العريضة لفكر ومعتقدات ومبادئ الشعوب وهو ما يبنى عليه دوما طباع وردود أفعال الشعوب تجاه حركة الحياة عبر التاريخ .

وميراث الشعب المصري ليس ميراثا هائلا وجذوره عميقة في تاريخ البشرية فقط ، بل هو ميراث مدنية وحضارات متتالية ومتضافرة صبغت هذا الشعب بقيم نادرة وفريدة وهي التي تصنع الفوارق الكبيرة بينه وبين شعوب العالم الأخرى حتى وإن اشتركت معه في حقبة أو فترة تاريخية مهما كانت طويلة .

وكثير من المفكرين يعترضون على مجرد فكرة التميز والتفرد لهذا الشعب ويفندون الأسباب والوقائع ويستدلون بوهن ملامح التحضر والمدنية في القرون الأخيرة بعد سقوط الحضارة الإسلامية ، وما يعانيه هذا الشعب من الترهل المتكرر والتخلف في كثير من مجالات حياته وتكرار الكبوات والعثرات عبر أكثر من خمسة قرون مضت .

ويتناسى هؤلاء أن دورة الحياة لكل كائن أوشعب أو أمة لابد وأن تتم دورتها كاملة والتي نعرفها في علوم الرياضيات بمنحنى جاوس أو منحنى الظل (Sign curve) ، فلكل حركة حياة حد أدنى تبدأ منه ثم تتصاعد حتى تبلغ قمتها ثم تبدأ في الهبوط حتى تصل لحدها الأدنى مرة أخرى ثم تبدأ من جديد في الصعود لتكرر دورتها .

ولكن عبقرية هذا الشعب أنه دوما في حالات هبوطه لا يصل مطلقا للصفر في حده الأدنى ، بل ومن العجيب أنه يستطيع الحفاظ على مجالات نفسية واجتماعية معينة عند قيم متقدمة وعالية وهي التي تصنع الفارق في اللحظات الحرجة والمواقف الفارقة ، وهي التي حددها سيد الخلق محمد بقوله (وهم وأهليهم في رباط دائم ليوم القيامة) .

بل وسجلها خبير الشعوب وسفاح الحضارات الحجاج بن يوسف الثقفي في قوله ( لو ولاك أمير المؤمنين مصر فعليك فيهم .. بالعدل .. فإنهم قتلة الظلمة وهادمي الأمم .. وهم أهل صبر وجلد وتحمل .. ولا يغرنك لينهم وصبرهم .. فهم إن قاموا على رجل ما تركوه إلا وقد قطعوا رأسه .. وإن قاموا لنصرة رجل ما تركوه إلا والتاج فوق رأسه .. ) .. إلى أن قال الحجاج .. واعلم .. أنهم صخرة في جبل كبرياء الله .

تلك هي السمات التي جعلته يستفيق من عمق كبوته في عصور المماليك ليضع نهاية التتار على أبواب مصر بعد اجتاحوا قارة كاملة في طريقهم لاكتساح العالم ، ثم يستفيق مرة أخرى ليقهر الصليبيين ويستعيد بيت المقدس ، ثم تتكرر استفاقته مرات ومرات ليصنع فوارق في تاريخ البشرية عبر قرون انحداره الطبيعية .

ويفترض البعض أن بعض الزعامات والحكام في تاريخنا الحديث كان من الممكن أن تكون أفضل ولو حدث لتغير وجه التاريخ في مصر كثيرا وهو رأي قد يكون صحيحا لو توافق مع ملامح تطور حركة التاريخ ، ولكن الحقيقة تقول أن كل ما مر على مصر من حكام وزعامات كانوا ضرورات تاريخية لابد منها .

فعبد الناصر كان زعامة تعطشت لها قلوب ونفوس المصريين طويلا فتعلقت به وأخلص لها وفجر فيها طاقات التحدي للعالم والمعطيات الزمنية وصنع معها وبها ما لم تستطع قوى الهدم إفناءه حتى اليوم سواء من قواعد مادية لحضارة أو قواعد نفسية لجبروت فراعنة قادرين على تحدي الصعاب بشموخ وجلد .

أما السادات فكان ضرورة تاريخية لرجل دولة يستطيع كبح جماح القوة العسكرية في قمة نصره ليصنع به سلاما أطول عمرا بالرغم من أخطاءه وعثراته الكبرى بالتخلي عن أحلام سابقه عبد الناصر ، لكنه كان صاحب رؤيا وعبقرية سياسية ودهاء متميز فضلا عن أخطاء فادحة بالارتماء في أحضان الغرب وتخليه عن حذره من جماعات المتأسلمين الموالين للغرب والماسونية والتي أودت به في قمة إحساسه بمجده .

وجاء مبارك وهو مفعم بتجارب سابقيه وفي حاجة لمزيد من السكون والراحة من إنهاكات الحرب وتبعاتها وإعادة بناء ما خلفته الصراعات من تهالك للبنية الأساسية وحاجة شعب ليتذوق بعضا من الرفاهية ويرتع مترفيه في مناحيها الخادعة ، وطال بقاء نظامه ففسدوا وأفسدوا دون مقاومة أو اعتراض يذكر حتى ظنوا أنهم ورثوا أمة وقادرين على توارثها .

وبالقطع كانت هذه الحقبة من تاريخه إضافة هامة لميراثه التاريخي الطويل تعلم منها ضرورات الاستفاقة من كبوته وحتميات مواكبته للتطور والتقدم والحصول على حياة كريمة ، وتلقى خلالها دروسا تاريخية هامة رسختها معاناته من سلبياته المادية والنفسية والتي أورثته بعضا من الوهن والضعف المجتمعي المزمن والذي استوجب في الوعي الجمعي لهذا الشعب أن يبرأ منه مهما كان الثمن .

فثار الشعب المصري وأطلق العنان لأحلامه وطموحاته لمستقبل أفضل ونجح في خلع نظام مبارك بسرعة ساهم فيها المتربصين للوثوب على الحكم ومعاونيهم من الغرب والصهيونية العالمية وهم من رأوا أن الفرصة مواتية لتنفيذ الخديعة الكبرى ومخطط الشرق الأوسط الكبير ومشروعات الوطن البديل للصهيونية وهو ما استغلوه ليزجوا بالإخوان ومرسي لحكم مصر للإسراع بإنهاء تنفيذ المؤامرة وتقسيم مصر والسيطرة عليها .

ولكنهم أبدا لم يضعوا في حسبانهم وحساباتهم قدرات هذا الشعب على الفهم والإدراك ولا حتى ردود أفعاله الجمعية عند اكتشافه للخديعة والمؤامرة ، ففاجأهم هذا الشعب بل وفجعهم في خسارة أهم خطوات المشروع الصهيوني الكبير بل وأعاد تكرار مواقفه من التتار والصليبيين وكلاهما اجتاح قبل مصر كل من اعترض طريقه وأخضع كل القوى العربية في المشرق ولكنه سقط على أبواب مصر .

وكذلك سقط المشروع الصهيوني بتقسيم مصر واختتام مشروع الشرق الأوسط الكبير بالقضاء على آخر الجيوش القوية الصامدة في مصر ، بل وأفاق كثيرا ممن اجتاحوه وهدموه وبدأت أفكار الانتفاضات العربية ضد هذا المشروع الصهيوني تجد صداها بين العقول الأطياف المتناحرة يؤيده متغيرات دولية طامحة في تعديلات واجبة وحتمية لموازين القوى الدولية والتي لن تأخذ وقتا طويلا حتى تصبح حقيقة لها على أرض الواقع قوى تحميها وتثبت أركانها .

لتعيد مصر تغيير خريطة الشرق الأوسط ثم خريطة توزيع القوى العالمية ، وتضع بلمساتها بداية انهيار إمبراطورية الغرب والصهيونية العالمية والتي قد لا تستغرق أكثر من عقد واحد وربما أقل في ظل تسارع آليات حركة الحياة وبالتالي آليات الصراع بكل أشكاله المنتظرة والحتمية .

فسمات الشعب المصري والتي صنعها ميراثه التاريخي هي حقيقة متفردة ومتميزة وهي ضرورة تاريخية حتمية لتاريخ طويل من الحضارات والمدنيات المتتالية والمتعاقبة وهو ما يلاحظه ليس المثقفون والدارسون الواعون لحركة التاريخ فقط بل وبعض القادة والزعماء الأذكياء والمتميزون علميا وفكريا أمثال الرئيس الروسي فلاديمير بوتن .

ولا شك أيضا أن تبعات فجيعة المصريين في شخصية مرسي العياط وجماعته البائدة فجرت في نفوس المصريين رغبات وتطلعات مكبوتة مختلفة أقلها الشك والرفض لكل جديد بل والخوف من تابوهات الحكم المعتادة مثل حكم العسكريين ، ولكن أكثرها شعبية واكتساحا ما يتزايد يوما بعد يوم من تأييد للفريق السيسي وقواته المسلحة والتي حظيت بالتفاف وتأييد ثم آمال وطموحات شعبية ومجتمعية تعيد ذكريات زعامة عبد الناصر وهي التي لاحظها الأعداء في الغرب وأمريكا بالذات قبل كثير من المراقبين المحايدين أمثال الرئيس الروسي .

ولا شك أن تطورات حركة حياة هذا الشعب والتي من أهمها ثوراته وانتفاضاته هي ردود أفعال حتمية لا تأتي إلا في موعدها وتوقيتاتها التاريخية الحرجة ولذلك هي أيضا ضرورات تاريخية نابعة من سمات هذا الشعب وقدره المسطور وفقا لناموس الكون الأبدي ، فهي أيضا ضرورات تاريخية حتمية تستوجب الوقوف عندها  ودراستها بتمعن ودقة لتحديد ملامح الغد القريب والبعيد لهذا الشعب وربما العالم من حوله .

الموضوع شيق وكبير ويحتاج لدراسات علمية وتاريخية متشعبة لا تتسع لها مقالات أو أبحاث سريعة لتعطي بعضا من ثقافة التيك أواي ، وما هذه الكلمات المتواضعة هذه إلا شعاعا يلقي بعض الضوء على بعض من ملامح تاريخ أمة وشعب ومعان الضرورات التاريخية وتبعاتها الحتمية .

 

تم نسخ الرابط