بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
يبدو أن الأحداث تتلاحق متسارعة .. حتى أننا قد نتخيل أن بعض الأجيال المعاصرة قد تشهد نهاية العالم قريبا .. وليس هذا تشاؤما ولا انفعالا بقدر ما هو محاولة لإيجاد حلول لألغاز السيطرة واستراتيجيات الردع والقوة في عالم البشر .
يعيش العالم منذ أكثر عقدين كاملين حالة الاستقطاب الأحادي القطب منذ سقوط الاتحاد السوفيتي وتهاوي قدراته الاستراتيجية على تقاسم أنصبة الهمينة مع الولايات المتحدة الأمريكية ، والتي يبدو أنها فقدت الكثير من حكمتها من جراء شعورها بالانفراد بمكانة السيطرة والهيمنة على العالم .
ولا شك بالطبع أن الولايات المتحدة قد لعبت الدور الرئيسي الفاعل باقتدار ذاخر بالمؤامرات في هدم الإمبراطورية السوفيتية وهو درس استوعبته القيادية الروسية الحالية جيدا خاصة في ظل قيادة رجل مخابراتها الثعلب القطبي فلاديمير بوتين ، وهو ما لابد سيترك آثاره السلبية قبل الإيجابية على القرارات المصيرية لروسيا .
ولا شك أيضا أن الولايات المتحدة الأمريكية لديها العديد من الأسباب التي تدعوها لتسرع من تنفيذ مخططاتها الرئيسية لتنفيذ حلم السيطرة على العالم ، بل وتوحيد إدراته الفيدرالية تحت قيادتها منفردة ، سواء كان من يديرون الولايات المتحدة بالفعل من اليهود أو من ينتمون للصهيونية العالمية المعاصرة والتي تحوي داخلها كاثوليك اليهود والمسيحيين المؤمنين بضرورة سيطرة أبناء صهيون على العالم قبل نهايته .
ربما يرفض البعض هذا المنطق ويعتبره إحد نظريات المؤامرات الكونية المستوحاة من الأساطير البالية ، ولكنها الحقيقة والتي تدور في أروقة التنظيم الدولي الملقب بـ (بن صهيون) ، وهو تنظيم عالمي يمتلك أكبر رؤوس الأموال في العالم ومعظم وكالات الأنباء والمؤسسات الإعلامية الضخمة والمحركة للرأي العام في العالم عامة وفي الغرب والدول المتخلفة بوجه خاص .
وعلى قمة هرم الإدارة في هذا التنظيم يقبع حكماء الإدارة لكل المؤسسات التابعة والمنفذة والمنتشرة في أروقة الحكم في أمريكا والغرب وإسرائيل خاصة رؤساء مراكز الدراسات الإستراتيجية الأمريكية وبعض الشخصيات الرفيعة المستوى في التنظيم الماسوني العالمي .
ولفهم العلاقة بين الصهيونية والماسونية لابد وأن نعلم أن التنظيمان صناعة يهودية كاملة خالصة مبنية قواعدهما الأساسية على برتوكولات حكماء صهيون الشهيرة ، والقيادة العليا لهما يهودية خالصة ، ولكن الماسونية تمثل الجمعية العمومية للتنظيم الأم والتي تضم فيها كل العناصر من القيادة والإدارة والقادة الفرعيين والأفرع المتنوعة وعامة المنفذين من المنتمين من مختلف الجنسيات والأديان ، ولكن المنظمة الصهيونية هي مجلس الإدارة الرئيسي الفاعل والذي يحدد الأهداف الاستراتيجية والأهداف المرحلية ويرسم الخطوط العريضة لوسائل التنفيذ والتوقيتات المحددة للتنفيذ .
وكما قلنا من قبل فإن تنظيم الماسونية الهرمي يحوي داخله العديد من التنظيمات الفرعية المختلفة والمتعددة الأوجه كالنوادي الاجتماعية (الروتاري – الليونز) والتنظيمات الدينية كالإخوان والوهابيين والقاعدة والألوية الحمراء والمؤسسات الإعلامية المتعددة ولا يعلم انتماء هذه المؤسسات للماسونية إلا قيادات المستوى الرفيع لها ، أما باقي الأعضاء والفروع الصغيرة فهي مسيرة ومأمورة ومخدوعة بالإيمان بقيم ومبادئ ربما تكون دينية أو قومية أو عرقية تحركها وتوجهها القيادات الماسونية العليا .
ولإحكام السيطرة على التنظيمات ماليا تمارس فروع الماسونية كل أنواع التجارة والصناعة المشروعة وغير المشروعة مستغلة أطماع القيادات الفرعية التابعة والتي غالبا ما تصنع منها شخصيات بارزة بل ومنها حكاما وملوكا ورجالات دولة من الطرازات الفريدة فضلا عن امتلاكها لرؤوس أموال ضخمة في بلدانها .
وهو ما أثبته الواقع العملي بحالة الهذيان والجنون الأمريكي والغربي والتركي والقطري في أعقاب سقوط الإخوان في مصر والمحاولات المستميتة لإنقاذ قيادات الإخوان واستخدام وسائل الإعلام لتشويه الحقائق وتدويل القضية وإشاعة الفوضى والإرهاب والمحاولات المستمرة لخلق أسباب لتدخل القوى العسكرية في مصر في القريب أو البعيد طبقا لما تسفر عنه جهود العملاء داخل مصر وخارجها لخلق المناخ المناسب للإجهاز على هذه الدولة المستعصية والمعوقة لاستكمال مخطط السيطرة حتى أن الأموال التي تم ضخها للعملاء في شهر أغسطس في مصر بلغت أكثر من مليار ونصف من الدولارات الأمريكية ، وهو ما يثبت أن الأمريكان والغرب وحالمي تركيا وقطر لم يرفعوا أيديهم عن مصر بل يعملون بكل قواهم المخابراتية والسياسية والخفية بالتعاون مع العملاء من كل لون ودين وانتماء من أجل خلخلة النظام وإيجاد منفذ لاستكمال ما توقف .
وهو ما بدا واضحا في تفاصيل زيارة المندوب الأمريكي للأمين العام للأمم المتحدة منذ أيام ، والذي ناح وبكى على ضحايا وخسائر الإخوان بعد رحيل مرسي وفض الاعتصام في لقاءه المغلق مع السلفيين منذ أيام وحرضهم على اتخاذ موقف حاسم وجاد وقوي لنصرة الإخوان مبديا استعداد القوى الدولية (أمريكا والغرب) لتقديم كل أشكال الدعم الدبلوماسي والمالي لتنفيذ ذلك ، ومغريا لهم بالمستقبل السياسي الزاهر والعائد المادي المجزي في ظل عودة الإخوان للحكم كشركاء أساسيين مكافأة لهم على نجدتهم ونصرهم للإخوان في هذه الأوقات العصيبة .
وهو ما لم يغيب عن الأجهزة الأمنية والمخابراتية المصرية وهو ربما ما اضطر السلفيين لعدم التجاوب معه بل ورفضه ثم الصمت وعدم إعلانه سواء كان هذا غفلة منهم عن إعلان ولائهم لهذا الوطن ، أم كان صمتا من أجل إيجاد فرصة لتفعيل الوعود والمشاركة في التنفيذ بعيدا عن أعين المخابرات المصرية وهو الاحتمال الذي تؤيده الزيارة السابقة لوفد السلفيين للبيت الأبيض في أعقاب عيد الفطر الماضي وفي زخم تداعيات فض اعتصام رابعة.
ومما لاشك فيه أن القيادة السياسية في مصر وعلى رأسها عمودها الفقري المتمثل في قيادة القوات المسلحة تتحمل أعباء ثقيلة بل وشاقة في ظروف حرجة وقاسية ، خاصة في ظل موقف أمني دقيق ومتشعب وفوضى سياسية داخلية واستهداف سياسي وإعلامي خارجي لا يغفل ولا يهادن ولا يتورع عن الانقضاض على مصر ببوادر ظهور أية ثغرات .
ولا نستطيع إنكار أن مخطط التدمير الداخلي في مصر قد بدأ منذ عقود طويلة ، بنشر الفساد والرشوة والاختلاس وجعله ثقافة منتشرة بين الشعب ولم يقف عند هذا ولكن تعداه لمخططات تدمير كل قواعد الاقتصاد القومي فخسرت مصر قدراتها الزراعية وتم إفساد السياسة الزراعية بالعمالة والجهل حتى انخفضت المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والقطن والأرز والقصب ولم تعد تكفي حاجات السكان .
أما عن القدرات الصناعية فحدث ولا حرج ، حيث تم تدمير القدرات الصناعية الرئيسية والعملاقة سواء بالتأثيرات التجارية أو بالحظر أو حتى بالقيادات الفاسدة والعميلة حتى اعتدنا على الخسارة المستديمة للمؤسسات الصناعية الكبرى برغم تواجد كل عناصر النجاح بالمؤسسات ، حتى أصبحت القوى العاملة بالمصانع الاستراتيجية عالة على الدولة وتتقاضى مرتبات أكبر من عائداتها الذاتية .
ولا شك بالطبع أنه قد افتضح مخطط السيطرة على الشرق الأوسط وفهم المتنطعون والمتشدقون أن تدمير وتقسيم الصومال ثم العراق ثم اليمن ثم ليبيا ثم سوريا ومحاولات تدمير مصر وما يحدث في تونس وما تم تنفيذه في فلسطين لم يأتي مصادفة ولا عشوائيا ولكنه مخطط الفوضى الخلاقة وهو ما يجملونه باسم الربيع العربي .
والمشهد الحالي هو محاولات استدراك لبعض الأخطاء التي وقعت فحادت بالمخطط عن مساره المرسوم ، ففي غفلة سقوط الإخوان في مصر استطاع النظام السوري إحراز تقدم ملحوظ على المعارضة مما قد يجعله يدخل جنيف الثانية وهو أكثر قوة وبالتالي قدرة على تحقيق أكبر المكاسب وربما يفشل مخطط تقسيم سوريا كاملا .
وبالتالي فلابد من إضعافه وتحقيق ضمانات لاستكمال التقسيم لسوريا ولو لدولتين مرحليا إن لم ينجح المخطط وتم التقسيم لأربع ويلات مع تدمير القدرات لعسكرية للجيش السوري سواء بتقسيمه أو استنزافه ، أو حتى توجيه ضربة عسكرية انتقائية لمراكز القوة والردع الاستراتيجي السورية تغني عن عملية سحق الجيش السوري أو إدخال قوات تعيد مشاهد التورط في العراق مرة أخرى .
وربما يكون هناك اتفاقا روسيا أمريكيا على شكل التقسيمات القادمة ومسلسل الأحداث فكلا من الأمريكان والروس ليسوا حريصين إلا على المصالح والمكاسب من المنطقة وهو يعزز فكرة الاتفاق السري أو حتى المعلن في حالة تحقيق مكاسب مرضية للطرفين على أشلاء جثة الدولة في سوريا .
وكأن تهديدات الأسد تعيد للأذهان إعلام الصحاف في العراق فالأمل في تنفيذ فعلي للتهديدات أقل من مستوى الآمال والأحلام العسكرية المرجوة على أرض الواقع ، خاصة في ظل التخاذل المتوقع للجبهة الشيوعية بقياد الدب الروسي وما سيعقبه بالتأكيد تراجعا صينيا وصمتا إيرانيا وتناسيا كوريا متعمدا ، وهو ما يهدد الأسد بتكرار مسلسل إعدام صدام حسين وقتل معمر القذافي .
بينما كان على الدب الروسي أن ينتبه جيدا ، فاجتياح الشرق الأوسط ما هو إلا مقدمة فجة للانقضاض على الدب الروسي وحلفاؤه الصينيين والكوريين في الغد القريب في مواجهة ربما تكون هي الحرب العالمية الثالثة ، ولا يصلح معها اليوم التخاذل وتأجيل المواجهة بمكاسب مرحلية حسبما تسمح بها الولايات المتحدة لتجاوز عقبات المرحلة المؤقتة .
وما لم تحدث المفاجآت بمعجزة غير متوقعة أو محسوبة فالمسألة السورية تتجه للنهاية العراقية لا محالة ، ليسأل بعدها كل نظام في الشرق الأوسط نفسه سؤالا مؤرقا (متى يأتي دوره) ، فهل النظام التالي هو المصري أم السعودي أم الإيراني أم الإماراتي أم سيدار بالتوازي في أكثر من بقعة من الشرق الأوسط خاصة بعد تنفيذ الشوط الأكبر وما تبقى سوى القليل بحساب الأرقام والسيطرة .
فهل سيعيد التاريخ نفسه وتسقط جحافل التتار أو الصليبيين الجدد على أبواب مصر وتندحر الهجمة البربرية الماسونية الصهيونية في درس تاريخي جديد من دروس ناموس الله في أرضه ، أم أن هناك فسحة من المناوشات قد تطول فترتها الزمنية لسنوات قادمة ، خاصة في ظل اقتناع الإدارة الأمريكية بأن دخول مصر عسكريا يعتبر انتحارا (سياسيا وعسكريا) متكاملا للمخطط في الشرق الأوسط وربما الكيان الصهيوني ومندوبته الدائمة إسرائيل .
خاصة وأن بديهيات الاستراتيجيات العسكرية في العالم تقول أن قدرات الردع الاستراتيجية المصرية كانت وما زالت قدرات لا يستهان بها إن لم تكن قد تضاعفت في السنة الأخيرة سواء في غفلة من أجهزة المخابرات المعنية أو بعلمها ، فضلا عن حجم وتنظيم القوات المسلحة وقدراتها القتالية والتي تم تنشيطها في الآونة الأخيرة في مواجهة الإرهاب والمدعمة بظهير شعبي مباشر لا يقل عن 6 مليون شاب مدرب انتهت فترات تجنيدهم تباعا من القوات المسلحة وظهير شعبي غير مباشر متمثل في أكثر من 10 مليون آخرين وهي نقاط لم ينساها تقرير البنتاجون لأوباما مؤخرا والذي اعتبر أن محاولة الدخول في مواجهة عسكرية مع المصريين يعد انتحارا بكل المقاييس العسكرية والسياسية .
وما يؤكد أن هذا التقييم ليس خيالا ولا أحلام بعيدة المنال فانه فضلا عما ما تفرضه الأسباب والواقع القريب ، فلله على أرضه وبين خلقه (ناموس كون) لا يستطيع بشرا أن يكسره أو يغير من مساراته الحتمية ، خاصة لو علمنا أن صراعات تحتدم داخل الإدارة الأمريكية وبين تياراته الشعبية ، وأن هناك أياد خفية تعبث في الكيان الأمريكي لهدمه سريعا وأن الاقتصاد الأمريكي لا يحتمل حروبا جديدة بل ويهتز بعنف بفعل توغل التنين الصيني والأموال العربية المهددة والتزامات أوروبية ملحة وتكلفة صراعات خارجية يرى غالبية الشعب الأمريكي أنها إهدارا لثرواته ومهددة لمستقبله وأمانه .
وإذا علمنا أيضا أن قدرات الردع الاستراتيجي النووية ودون نووية لم تعد حكرا ولا الحصول عليها صعبا أو مستحيلا ، في ظل فوضى تداول تكنولوجيا ومواد القدرات النووية بين تجار السلاح في العالم لمن يدفع ، خاصة في ظل تداعيات تفكك كيان ضخم مثل الاتحاد السوفيتي وعشوائية تجارة السلاح المتفشية في الشرق الأوسط والأقصى وأمريكا اللاتينية ، وهو ما يعزز من شكوك الكثيرين في امتلاك مصر لقدرات ردع استراتيجي قوية بما يكفي لتفعيل الردع السلبي المطلوب .
ولا شك أن كشف الأوراق كاملة هو أسلوب فاشل ولا يمارسه إلا من يضطر لإدارة معركته بأساليب الأرض المحروقة ، ويبقى في جعبة التاريخ والبشر حلقات كثيرة قادمة ما زالت لم تسطر بعد نهاياتها المرسومة ، ولا يخسر فيها إلا من تصور له نفسه أنه ملك الأرض وأنه قادر عليها .
{إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }يونس24



