الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

 

لا شك .. أننا من صنعنا الإخوان وربيناهم وسمحنا لهم بالتوغل فينا ، ورضينا منهم أن يصنعوا بنا كل ما فعلوه ، وقبلنا بتدنياتهم وباركناها حتى أصبحت كل أكاذيبهم وأوهامهم حقا مكتسبا لهم وميراثا سيئا سندفع الكثير للتخلص منها عبر سنوات قادمة لن تقل عن عمر تغافلنا وتخاذينا عن مواجهتهم وتقويمهم .

أولا .. دعونا نتفق أن علاج المرض يحتاج من المريض أن يعترف بمرضه خاصة لو كان المرض نفسيا ومجتمعيا ، فإن لم نعترف بوجود المرض فلن نقبل تجرع مرارة الدواء ، وبالتالي فلن نشفى من داءه إلا مضطرين بفعل التغير الزمني للأجيال وهو أكبر ما نخشاه لأن التغير المجتمعي العشوائي أو التلقائي إن لم نحسن توجيهه فسوف يفرز أمراضا أشد عضالا وفتكا لتحل مكان الأمراض التي سبقتها وهو ما نرى بوادره بهروب قطاع كبير من شبابنا بل ورجالنا من المساجد بل ومن الالتزام بالفروض والحدود زمللا من مجرد الاستماع لما يمت للدين بصلة .

كان ظهور الإخوان المسلمين في مصر مصاحبا لغفلة شعب ورضوخه تحت الاستعمارين الإنجليزي والملكي وكلاهما كان يرتع في الجسد المصري والنفس المصرية المجتمعية بكل ألوان السوء والتدني ، وبالرغم من أن الإخوان كانوا صناعة لوزارة المستعمرات البريطانية بغرض إغتيال وتأديب كل معارض أو رافض للاحتلال كهدف رئيسي ثم معارضي الملك كهدف ثانوي ، إلا أن الصورة التي حرص الانجليز عليها هو تصوير الإخوان على أنهم منقذوا الأمة وحماة الدين وحراس العقيدة من أجل توسيع سيطرتهم الدينية والشعبية على الناس .

والتقم المصريون الطعم وظنوا أن الإخوان حماة الدين وحراس العقيدة حقا ، فقد كان المصريون يعانون من ضعف دور الأزهر وانطفاء لشعلة التنوير والالتحام بالشعب بل وعانى أيضا من جمود الفكر خاصة عن علوم القرآن البحتة والتطبيقية واكتفى بالخلاف والجدال حول علوم الفقه واختلافات المذاهب ، ففرغت الساحة الفكرية من موجه وقائد لمسيرة الفكر .

ورافق هذه الحالة الباهتة ظهور رجال تربوا في معاقل العلم في أوروبا وتحن قلوبهم وعقولهم للحياة في بلدانهم واكتست أقوالهم بمسحة من الحقيقة ولكنها كانت آثارها بالغة السوء على المجتمع بإحداثها ترسيخا للفراغ الفكري والثقافي مثل قول أحدهم وجدت في بلاد الفرنجة إسلاما بلا مسلمين وعدت لبلادي لأجد مسلمين بلا إسلام .

ومثل هذه الأقوال وما شابهها صنعت أرضا خصبة لتقبل أي فئة أو جماعة تدعي الدين والتصدي لحمايته وإحياءه ليتعاطف الناس معها ويؤيدوها خاصة في خلو الساحة المجتمعية من منافس أو مماثل إلا من بعض تسريبات لبدء دعاوى الوهابية في مصر والتي تركت أثرها في ملابس النساء فرأينا نساء يرتدين ما يكشف أرجلهن ويحدد تفاصيل أجسامهن بدقة ولكنها تغطي وجهها بالبيشة أو اليشمك أو ما يسمونه الآن بالنقاب .

ولم يقتصر الأمر على هذا بل كانت التربية في البيوت فاقدة لأسس التربية السليمة سواء على منهج رسول الله أو حتى أسس التربية الحديثة التي بدأت ملامح فشلها تتأصل في أيامنا هذه ، وهو ما دفع الأباء والأمهات لمباركة اقتراب الأبناء من فكر الإخوان كالتزام ديني بمنهج يبدو أنه الحل الوحيد لضمان استقامة الأبناء .

وساهمت المعالجات الأمنية في عهد عبد الناصر والسادات ومبارك في تأصيل التعاطف السري مع الجماعة ، بل وساعدت الجماعة على استقطاب الكثيرين وجعلهم عناصر ساكنة أو ما يسمونه بالخلايا النائمة وهي تتوافق مع الكثيرين ممن يهمهم سلامة العيش وأمنه في توافق مع الانتماء لمن يظن أنهم أهل الله وأولياءه .

فلم يحدث في عهد الثورة على مراحلها الثلاثة خاصة فيما جاء بعد عبد الناصر أن اهتمت أية حكومات بتشكيل الفكر أو توجيه ثقافة الشعب والشباب لاتجاه بعينه سوى الحرص على ترسيخ ثقافة الخنوع والخضوع وكتم الأنفاس والآراء وكل ما يهدد استقرار النظام وسيطرته على مقاليد الحكم ، وشارك الإخوان في ترسيخ هذه الثقافة حتى سمعنا بديع يتحدث عن مبارك وكأنه ولي النعم فرعون مصر المطلق أبو كل المصريين .

ولم تراعي وسائل التربية والتعليم ولا وزراتها حتمية وجود أهداف استراتيجية لمستقبل الفكر والثقافة للأجيال تتوافق مع مخططات التنمية والتطور للمجتمع مستقبليا ، وأغلب ظني أن هذا كان ثمنا فادحا دفعناه لتولي رئاسة الدولة لأشخاص دون مستويات الفهم والعلم اللازمين لتقدم أو تطور أمة مثل مصر ، فالمستوى الأفقي لثقافة مبارك مثلا .. لم يتعدى التعليم الأساسي مع رسوب متكرر في الثانوية العامة انتهى بدخوله الكلية الجوية بأقل من (50%) ليتخرج مقاتل يقود طائرة ، ولم تكن المعاهد العسكرية وأعلاها أكاديمية ناصر قد أدخلت ضمن مواد دراساتها هذا الكم الحالي من علوم السياسة والاقتصاد والفكر والإدارة ، وبالتالي لم يحظ رئيس مصر بالارتقاء لمستويات وضع استراتيجيات تطوير دولة ماديا وبشريا ، وصاحب هذا حرصا شديدا من مبارك على تعيين مساعدين ومستشارين يسبحون بحمده ولا يعارضون ولا يتململون ولا رأي لهم إلا ما يحلم به الرئيس .

وليس أدل على الهوة الشنيعة بين الرئيس والشعب ومستقبل التطور في هذا البلد من سؤال وجهه مبارك يوما في بدايات القرن الجاري لعاملة في مصنع تقول له لدي ثلاثة أبناء فسألها وهل أنت متزوجة .. ، فالرجل كان مغيبا عن شعبه وما كان يعنيه سوى استقرار الحكم على أي وضع حتى تفشت في كل أروقة مؤسسات الدولة بالتتالي عبارات (كله تمام) ، فضلا عن تفشي سياسة تعيين المناصب الكبرى من أشخاص يسهل السيطرة عليها من واقع أخطائهم وجرائمهم المسجلة ، حتى أصبح معروفا أن قيادات الكثير من المؤسسات الحكومية لا يعتليها إلا محترفي الفساد والمتستر على جرائمهم ليسهل السيطرة عليهم وليكونوا عونا وسندا في مهام نهب المال العام واستنزاف موارد الدولة لصالح الطبقة الحاكمة ومعاونيها .

كل هذا ساهم في انفصال نفسي وفكري لقطاع كبير من هذا الشعب ، واضطر الكثيرين للتعاطف مع من يدعون الشرف والدين والطهارة والأمانة والباحثين عن العدل والدين والخير للبشرية ، فانضم عدد لا يستهان به لتنظيمات الإخوان المسلمين السرية كخلايا نائمة فضلا عن انضمام الكثيرين من المهمشين والمدحورين لتنظيماتهم العلنية وأجنحتها العسكرية والمسلحة .

وما تبقى من الشعب انقسم بين مستمتع ومستفيد ومدحور وصامت وصابر ولكنه في النهاية رافضا لمبارك ونظامه ومستعدا لقبول حكم الشيطان على أن يرحل مبارك ونظامه بكل مساوئه وجرائمه ، فضلا عن عبث المخابرات الأمريكية وعددا من الأجهزة المتعاونة معها لدفع مصر للهاوية أو ما أسموه بالفوضى الخلاقة .

نهاية وبعد تجربتين لموجة الثورة خلعنا فيهما مبارك ومرسي وافتضح أمر الإخوان والسلفيين وظهرت بوادر هروب الشباب من الاقتران أو الاقتراب من الدين ، أصبح لزاما أن يضع القائمون على حكم مصر استراتيجية فكر وثقافة تضمن تقدم وتطور وهذا البلد في اتجاه سليم يضمن استقرار قيم الحضارة لقرون قادمة ومن خلال مخططات فكرية خطواتها بسيطة وميسورة ومشجعة لضمان الاستمرار وتحقيق النتائج المرجوة .

ماذا ولماذا ومتى وأين وكيف ؟؟ هي أشئلة لابد من الإجابة عليها في تنشئة الأجيال القادمة وتلك هي المهمة القومية الأولى والأهم فهي التي ستحدد ماذا نريد من أبناءنا وبناء على ذلك سيتحدد مهام التربية ووسائلها واتجاهات الإعلام وتقويماتها ومناهج التعليم وتنوعاتها مع مجلس أعلى لاستراتيجيات التربية والتعليم والفكر والثقافة والإعلام ، يعرض سنويا خطواته وإنجازاته ومتطلباته وسبل الربط بين كافة الفروع المعنية وتوحيد جهودها واتجهاتها .

هذا لو شئنا ألا نترك أجيالنا القادمة في مهب الرياح تتقاذفها أمواج الفتن والأفكار والتوجيهات الخارجية والمدفوعة لتخريب مستقبلنا الذي نخشى عليه اليوم أكثر من أي وقت مضى ، فنحن في مفترق الطرق ولابد من تحديد الاتجاهات جيدا لنضمن الوصول لما نتمنى دون معوقات أو عقبات .

 

تم نسخ الرابط