بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
نحتاج أحيانا للتمرد على النفس .. لإعلان العصيان العشوائي دون تمييز .. على كل ما يكبل النفس ويحجر عليها ويخنق أنفاسها .. التمرد على كل شيء من أجل لا شيء سوى بعض الحرية أو بعض الانطلاق .. أو حتى قليل من الضياع في المجهول .. رغبة في التغيير .. وربما تكون آخر الرغبات بالرحيل ولو للعالم الآخر .
لست أدري لماذا وكيف .. ولكن ربما تكون صرخة فطرية تلقائية لمقاومة لحظات التقاء لقاع الدورتين النفسية والجسمانية يصاحبها تدني في مستوى الدورة العقلية وهي من أخطر لحظات الإنسان التي يمكن أن ترسم نهايته ، وربما تصنع مجده لو خرج سليما منها ، ولذلك لدي قناعة أن النساء هن أشد قدرة على التحمل من الرجال لمصاعب الحياة لتعرضهن لمثل هذه اللحظات مرارا وتكرارا خاصة في لحظات الولادة .
يولد ابن آدم وهو في كون له ناموسه وقوانينه الدقيقة والمؤثرة بل والحاكمة لكل ما فيه ولذلك يكون ابن آدم في لحظة مولده متأثرا بقوة بمستويات متفاوتة لدوراته الثلاث النفسية والجسمانية والعقلية والتي بدأت أيضا في توقيتات مختلفة خلال مراحل تكونه كجنين في بطن أمه .
فالدورة الجسمانية والتي مدتها (23) ثلاثة وعشرين يوما بدأت فعليا منذ أن كان حيوانا منويا والذي تختلف دورته لتتوافق مع دورة البويضة عند تزاوجهما ويبدآن مرحلة جديدة من الدورة الجسمانية لمدة أربعة شهور (120) مائة وعشرون يوما من النمو من طور إلى آخر حتى يكتمل الجسد تماما ، لتبدأ بعدها الدورتان الأخريان النفسية (28 يوما) والعقلية (33 يوما) وذلك بدخول النفس للجنين (بداية الحركات الإرادية للجنين) ليعلن بداية تدريب النفس على استخدام هذا الجسد لمدة شهور خمسة في احتضان كامل لرحم الأم حتى الولادة ، والتي عندها تبدأ الدورات في الاختلاف فيما بينها كثيرا متأثرة بتأثيرات الكون حولها في لحظة الولادة .
وعادة ما تبدأ الدورة أيا كانت .. في شوط الصعود حتى تصل إلى قمتها في نصف مدتها ثم تعود للهبوط ، فبعد أربعة عشرة يوما من بداية الصعود للدورة النفسية يكون الإنسان في قمة شعوره بالانفتاح على العالم وقبول الآخر والاستعداد لتقبل ومعايشة حالات الفرح والسعادة بأكبر قدر من التجاوب ، في حين العكس تماما في قاع الدورة ونهايتها في أيامها الأولى أو الأخيرة حيث يكون بعض الناس غير قابلا لرد التحية أو حتى النظر في وجوه الآخرين .
وعندما يكون الإنسان في قمة دورته العقلية فلديه الاستعداد لمواجهة المسائل العقلية وإيجاد الحلول لها بأقصى قدراته في حين يكون عاجزا عن حل أي مشكلة أو التفكير فيها عندما يكون في قاع دورته العقلية ، أما قاع الدورة الجسمانية فتعطي شعورا بالضعف وعدم القدرة على مقاومة الأمراض والحاجة للنوم والراحة ، على العكس من قمتها حيث يملك الإنسان قدرة جسدية متفوقة وقادرة على المقاومة والتغلب على كافة المتاعب الجسدية .
ولا تختلف انتظام حركة الدورات زمنيا في صعودها وهبوطها مطلقا ، ولا حتى بالأحداث الكبرى أو الحوادث أو المصائب ولكن تصطدم الأحداث بمستويات الحالات لدى الإنسان لتحدد فقط تأثيراتها على الإنسان ، بمعنى أن مواجهة الإنسان لمصيبة وهو في قاع دورته النفسية قد تقضي عليه وتحيله لمرض نفسي وهلاوس بينما لو كان في قمة دورته النفسية لكان تأثيرها عليه محدودا ويسهل تجاوزه ، تماما مثل تعرض الإنسان لحادث سيارة وهو في قاع دورته الجسدية قد يتسبب في أضرار كبيرة لجسده والتي بالقطع لن يتعرض لها لو كان في قمة دورته الجسدية .
ولا شك أن الموت عندما يصيب الإنسان يلتقي قاع دوراته الثلاثة في توقيت واحد ، أو بمعنى أدق تتوقف الدورات الثلاث تماما فقط عند لحظة الوفاة وهذه الحالة تختلف من إنسان لآخر فلا يتفق فيها اثنان من البشر أبدا ، فالموت يأتي فجأة طبقا لموعد محدد لا يعلمه ابن آدم إلا عند حدوثه .
ولا ننسى أننا ربما نكون من الدول القلائل التي لم تستخدم هذه الدورات استخداما عمليا بالقدر اللازم ، فاليابان على سبيل المثال حققت أعلى معدل للحصول على ميداليات ذهبية في أوليمبياد طوكيو بمتابعة الدورات الثلاث للاعبيها المشتركين في الدورة ، ومعظم أجهزة المخابرات تتابع دورات عملاءها ورجالها بل وأهدافها بدقة لتحقيق أكبر عائد ومكاسب .
وعلى مستوياتنا كبشر فالإنسان العادي سواء أدرك هذا أم لم يدركه فهو دوما يعتاد على فعل أشياء تحصنه من مواجهة أحداث كبرى وهو في قاع أي دورة منها والتي تختلف من شخص لآخر ، فمثلا بعض الناس لا يخرج من بيته عند شعوره بضعف وكسل جسده وقليل منهم يواجه جسده بتحميله أعباء أكثر ليزيد من قدرات تحمله وتختلف الأحوال تبعا لمستوىات حالته النفسية وحالته العقلية ومن وقت لآخر ومن بيئة لأخرى .
وهو ما يجعل بعض الناس تستعجب بل وتعيب على شخص (مثلا) تغير رد فعله تجاه موقف معين واختلافه مع رد فعله تجاه موقف مماثل من قبل ، وربما أقرب الأمثلة كخوف شخص فجأة ولأيام قليلة ودون مرض أن ينزل السلم وهو من اعتاد ألا يستخدم المصعد مطلقا ، أو تجاهل زميل للرد على تحيتك دون سبب وفتور العلاقة بينكما لأيام محدودة ثم عودتها لطبيعتها السابقة أيضا دون سبب معلن .
وأخطر ما يمكن للإنسان أن يفعله هو الوهم والوساوس فيكون حساسا لما يعتريه من متغيرات لمستويات الدورات الثلاث خاصة في السن المتقدمة فوق الأربعين لاسيما بين النساء ، فيعاود طبيبا ليس حكيما ليبدأ سلسلة من متاعب التعامل مع عقاقير طبية تدمر صحته وهو لا يدري ، وما أكثر من أصبحوا مرضى لضغط الدم من جراء تعاطيهم لأدوية الضغط في أزمات ضغط عابرة ، وكثير من النساء يصبحن مرضى كنتيجة لسوء التعامل مع المتغيرات الهرمونية والتي تستقر طبيعيا لو تم التعامل معها بحكمة وصبر .
وليس ابن آدم فقط هو من يعيش خاضعا لدورات حياة تعلو زمنيا لتصل لقمتها ثم تبدأ في الهبوط حتى القاع ثم تعاود الصعود في تكرار على مدى حياته ، بل كل ما خلق الله في كونه يخضع لدوراته الخاصة ، حتى علاقات البشر ببعضهم البعض وتعاملاتهم وتداعيات حركة حياتهم وهو ما يلاحظه بعض الناس في تطور علاقاتهم بشريك حياتهم وأسرهم .
كذلك حركة الحياة كتاريخ ممتد للبشرية يسطر كل يوم فيه حرفا أو نقطة تكمل مسيرة دورات الحياة للبشر والمجتمعات ، وما قدرة بعض الناس على توقع القادم في المستقبل إلا قراءة جيدة لماضي التاريخ وفهما واعيا لحاضره تفرز توقعا جيدا لاتجاهات ومستقبل حركة الحياة المنتظرة في الغد .
ولذلك فالفلك أقدم وأكبر العلوم التي عرفها الإنسان فهو علم كبير يدرس ويراقب حركة النجوم والأفلاك وتأثيراتها على حركة الحياة على الأرض في انتظام دقيق وهو ما يجعل كثير من علماء الفلك يضعون خطوطا عريضة لا تخطيء فيما هو منتظر حدوثه من الأفعال وردود الأفعال التلقائية للأحياء على الأرض ليصدق الله تعالى في قوله سبحانه .. {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }القمر 49 .. وقوله تعالى .. { .. وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } الرعد8 .
وهو ما جعلنا مثلا .. نقول في زخم الانتخابات البرلمانية في أكتوبر 2010م أن نظام مبارك يسقط ويومها ضحك الكثيرون وسخروا مستبعدين حدوث هذا ولو بعد عشرين سنة ، ومثله ما حدث يوم أن فتح مرسي العياط صدره للناس في التحرير وهو في أول خطواته كرئيس منتخب وقلنا أن الرجل لن يكمل عاما في الحكم وما أشد ما تعرضنا له من سخرية واستهزاء ، ثم تكرر المشهد يوم خطاب مرسي عن المؤامرات والحارة المزنوقة في زخم أحداث الاتحادية وقلنا يومها لقد أن نظام الإخوان يحتضر وسيرحل للأبد ولن تقوم لهم قائمة ، واعترض المعارضين والمؤيدون وأشبعونا تقريعا واستهزاء ، وتكرر المشهد يوم عزل مرسي وقلنا أن مصر تعيد تشكيل خريطة العالم وليس الشرق الأوسط فقط وما زال البعض يسخر مستنكرا .
كذلك .. هي قراءة التاريخ لحركة الحياة بداية من ذلك الصداع الذي يهاجم رأسك ليلا عندما تفشل في اصطياد النوم وتداعياته عليك في أيام تليه .. وانتهاء ببوادر إعادة تشكيل ورسم خريطة العالم برؤى جديدة ومختلفة قد تضع معها نهاية التاريخ أو بداية الحقبة الأخيرة في تاريخ البشرية .
في كل الصور يبدو التمرد واضحا .. سواء في محاولتك كسر حدود الأرق أو التمرد على وضع ترفضه بكلمات أو أفعال وحتى محاولة قوى كبرى للتمرد فرارا من كبوتها المفاجئة على يد السيسي بالاعتداء على سوريا بغض النظر عما تدعيه من مبررات واحتمالات ردود أفعال سوريا ومؤيديها التمردية والتي قد تصنع بداية تمرد عالمي جديد متوقع .



