اتفرج يا سلام.. اتفرج على الاستعراض الدموى الكبير.. الذى لا يتكرر ولن يتكرر أبدا بإذن واحد أحد.. وما حدث فى دلجا كان عرضا بالصوت والصورة لأحوالنا فى مصر المحروسة لو سيطر الإخوان على الحكم.. وتحالف البلطجية مع الإخوان سيطر تماما هناك فى دلجا.. فقدم لنا صورة «مستقبلية» للحكم الإخوانى المتعسف والبليد.. حيث الأهالى أسرى فى أيدى الجماعات.. وحيث فتاوى القتل على الهوية تسيطر على الموقف.
فى القاهرة والإسكندرية وطنطا والمنصورة كان الأقباط سيدفعون الجزية كما دفعوها فى دلجا.. ولا يكتفون فتنهب مساكنهم ومحلاتهم.. والخيبة أن ذلك يتم تحت شعارات دينية.. كنا سنمشى على العجين.. ومن لا يعجبه يهاجر أو يقتل،، ويستباح ماله وعرضه وولده.. فى صورة بشعة للحكم الدينى الجاهل المتعصب البعيد تماما عن سماحة الإسلام.
زمان زمان.. وفى القرون الوسطى، وتحديدا فىنهايات القرن الخامس عشر، سقطت الأندلس فى أيدى أهالى «قشتاله» أو إسبانيا كما نطلق عليها الآن.. وهناك كان الحكم الكاثوليكى فى ذروة الصعود وحيث ظهرت محاكم التفتيش التى فتشت فى الأفكار والمعتقدات.. وتفاعل أهالى قشتالة مع ما تبقى من عرب الأندلس بنفس روح التعصب.. حيث استبيح دمهم.. وأجبروا على دفع الجزية وعلى تعليق شارة خضراء وارتداء حلية نحاسية فى أعناقهم تشير إلى أنهم من المسلمين وأجبروا على شرب الخمر وأكل الخنزير والذهاب للكنائس.. ومن يعترض يقتل أو يهاجر.. وفى طريقه للهجرة يستباح دمه وماله وعرضه.
فى الفارق بين ما حدث فى القرون الوسطى وما حدث فى دلجا بالأمس.. نفس التفاصيل والتصرفات والعنف الدموى.. استبدل المسيحيون بالمسلمين وتكرر السيناريو الجاهل والمتعصب.
ومن قال إن دلجا مجرد قرية صغيرة محدودة المساحة إنها مدينة كبيرة بالفعل تضم 120 ألف نسمة، أى أن سكانها يمثلون نصفعدد سكان بعض الدول الشقيقة، مائة ألف منهم من المسلمين وعشرون ألفا من الأقباط.. فى دلجا التعصب على أصوله والخيبة أن العصابات المسلحة والمسيطرة ليست جماعات التطرف الدينى الهاربة من حصار رابعة فقط، بل هى عصابات متحالفة مع جماعات البلطجية، وقد ركبت الموجة، موجة التطرف الدينى فراحت تمارس شعائر العنف المسلح تحت ستار الدين.. واختارت أهدافها بعناية الأقباط المسالمون الذين يسكنون هناك قضت عليهم الإتاوات المجحفة، ولأنها تتمسح بالدين فقد سمت الإتاوة جزية.. ويا الدفع يا القتل.
يقولون إن أزمة المساكن هى السبب والتمدد السكانى هو المسئول، وقد جرب أمراء التطرف المسألة فى قرى ومدن أخرى يتغولون على الأقباط.. يهددونهم.. يحرقون بعض المنازل وينهبون الممتلكات.. ويجبرونهم على الهجرة بعدها يبدأ التفاوض فى بيع البيت أو المحل بثمن بخس.
ولن ينصلح حال الوطن إلا إذا تعدلت أحوال الصعيد.. ولن تتعدل الأحوال سوى بالتنمية الشاملة.. التنمية قادرة على طرد التطرف، ومحاربة الجهل وانتشال الصعيد من هوة الفقر المدقع أو الفقر الدكر الذى تعيشه معظم مدن وقرى الصعيد المنسية تماما.
ورحم الله جمال عبدالناصر.. أول حاكم مصرى يهتم بتنمية الصعيد.. أول من أدخل الكهرباء ومياه الشرب النظيفة.. أول من أنشأ جامعة إقليمية هناك فى أسيوط.. أول من أسس المصانع الثقيلة والوحدات الإنتاجية الضخمة.. لكن عبدالناصر مات.. فماتت معه التنمية الشاملة فى الصعيد.. عاد من جديد ليدخل بياتا شتويا استمر أربعين سنة كاملة، وقد توقف الاهتمام الحكومى.. وبدأنا نقرأ عن القرى الأكثر فقرا.. فى الصعيد تحديدا!!
لو أن ما حدث فى دلجا وما يحدث فى الصعيد من إهمال وتجاهل قد حدث بالقاهرة.. لقامت الدنيا تماما.. القاهرة لأ يا باشا.. القاهرة مقر التليفزيون والصحافة والوكالات والسفارات ومركز حقوق الإنسان والأحزاب والنقابات.. ثم لا تنس عمال المصانع وطلاب الجامعة.
انسى يا باشا.. القاهرة فى القلب دائما.. أما دلجا فهى مجرد قرية صغيرة منسية.. مع أنها تضم مائة وعشرين ألفا من البشر.. أى والله من البشر.