بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
دخلت مكتبي متجهمة وربما غاضبة تجتاحها ثورة .. فالحقيقة لم أستطع لحظتها تحديد حالتها بدقة ، ولكنها كانت على غير عادتها ، وطلبت مني في لهجة لا تقبل اختيارا .. ألا أسمح لأحد بالدخول في وجودها ، ودون أن تنتظر مني دعوتها للجلوس جلست وهي تقول .. آسفة جدا .. بس محدش هيكلمني بصراحة غير سيادتك ..
ولا أخفي هلعي من سلوكها برغم ابتسامتي التي أحرص عليها عند استقبال أي مرؤوس ، ولكن أسلوبها فجر داخلي مخاوف أن أكون تجاوزت حدودي معها أو مع غيرها ، أو إشاعات مثلما تتفجر بلا مقدمات تمس الشرف أو الكرامة في مثل هذه المجتمعات المختلطة ، أو ربما مشكلة شخصية حرجة بينها وبين أحد العاملين ...
وسرعان ما اطمئن قلبي وحمدت الله كثيرا ، فمشكلتها شخصية مع زوجها وهو زميل أيضا ، والذي يرفض أن يكتب باسمها قطعة الأرض التي دفعت هي من مدخراتها معظم ثمنها وبلغ الاختلاف والجدال حدا حرجا قد ينتهي بالطلاق ، وهي تريد نصيحة لإصلاح كل الأمور ولو بتدخلي شخصيا لدى زوجها لينفذ لها رغبتها .
وناهينا عما انتهت له المشكلة ونجاحي في إقناع الطرفين بكتابتها مناصفة ، ونصيحة لهما أن لا يجعلا مثل هذه الاختلافات مقياسا للثقة بينهما ، ولا يصح أن يرى الأبناء وبالتالي الغرباء أيا كانوا مثل هذه الخلافات بينهما ، خاصة وأنهما تزوجا بعد قصة حب كبيرة منذ عقدين على الأقل .
ولكن ما أحزنني أنني علمت منهما بعض المشاكل الخطيرة التي حدثت لأبنائهم والتي يتبادلون الاتهامات فيها ، والتي بدلتهما فيها الشعور مجاملة بأنهما معذوران فقد جاء التورط في هذه المشاكل كنتيجة حتمية لعدم تواجدهما معا في توقيتات عودة الأبناء من المدارس مما تسبب في مشكلات كبيرة اضطرتهم لتغيير السكن .
ثم جاء لقاء وائل الإبراشي مع جيهان السادات وروايتها عن لقاء القذافي بنساء مصر وحصره المرأة في نقاط ضعفها من بكارة وحيض وزواج وحمل وولادة .. ففجر في نفسي جدالا قويا عن ماهية المرأة في حياتنا ، وضعها وقيمتها ومهمتها الأساسية التي خلقها الله من أجلها ثم تحويرات البشر وكيف استخدم البشر النساء في الدنيا .
ولا أنكر أنني وقفت أمام حقائق لا جدال فيها وأولها أن الله خلق المرأة في الدنيا أكثر قدرة على التحمل لمتاعب الدنيا من الرجل ، بل وخلقها الله أكثر صبرا وامتصاصا لصدمات الحياة ومصائبها ، وأيضا أكثر قدرة على التعامل مع المشاكل وأولها تربية الأطفال بل وتربية زوجها نفسه .
نعم .. إن أول وأكبر وأخطر مهمة للزوجة هي أن تستكمل تربية زوجها ، فالرجل تربيه أمه حتى تسلمه لزوجته وهذا هو الأمر الطبيعي ، ولكن الأم تربي ولدها بحقها الطبيعي والفطري في أمره ونهيه ولومه وعقابه حتى ولو كان رجلا كبيرا ، حيث تتدرج تربية الرجل من طفولته بالأمر إلى تعليمات وهو صبي إلى نصائح وهو شاب إلى مقترحات وهو رجل راشد ، ولكن الزوجة تربي زوجها بالاحتواء .
نعم .. تلك حقيقة .. فالزوجة تربي زوجها منذ اللحظة الأولى فقط باحتوائه داخلها بكل معان كلمة الاحتواء الجسدية والمعنوية ، ولو حاولت الزوجة تربية زوجها أو تقويمه بغير الاحتواء فستفقده تماما ، وهو ما تحاوله بناتنا بغباء وحمق في أيامنا هذه معلنة حقوقها في المساواة والشراكة الكاملة معتقدة أنها بذلك ستحصل على الشراكة بالنصف في حياتهما معا وهي لا تدري أنها بذلك تخسر النصف الآخر من قدرها وتنسى أنها بالفطرة صاحبة الكل لا النصف .. ولكن بالاحتواء ومن لا درك هذا وتمارسه فهي زوجة فاشلة بكل معنى الكلمة حتى ولو دامت حياتها الزوجية مائة عام .
لا تقل لي أن تلك الأنثى الزوجة التي يركن إليها ويغشاها بكل ترانيم الحنان والحب والرغبة والاشتهاء لن تملك منه كل شيء بدءا من خلجات نفسه وانتهاء بكل ما يملك من الدنيا لو ظلت هي التي تحتويه داخلها نفسيا وعاطفيا ، ولا تقل لي أيضا أنها لو تحولت لصورة الأم أو الشريك الذي يراقب ويحاسب على الحقوق والواجبات مناصفة ومتحدية أن الرجل سوف يعطيها أكثر من النصف هذا لو كان منصفا معها ، ومن المؤكد سيمنح النصف الآخر .. مضطرا .. أو سعيدا لمن تستطيع احتوائه نفسيا وعاطفيا .
فليست المرأة وحدها التي تأسرها الكلمة الطيبة واللين في الكلام والمعاملة ، بل الرجل أسرع استجابة للحنان واللين والمشاعر الرقيقة والمعاملة الحسنة وهو ما تعلمه الأنثى السوية الذكية والتي تستطيع أن تجعل من زوجها عبدا مطيعا مخلصا وحريصا وأسدا حاميا وحانيا ومضحيا بروحه فداها .. فقط بالاحتواء والمودة ، ولا ننسى وصية الأعرابية لابنتها ( كوني له أمة .. يكن لك عبدا ) .
ناهينا عن مساويء التربية والعادات الاجتماعية الفاشلة والجديدة على مجتمعنا في معظمها مثل الوصايا الغبية والحمقاء للنساء المختلات نفسيا وعاطفيا لبناتهن وأخواتهن ، وهي كثيرة ومتفشية .. وأبسطها تحدي الرجل وترويضه ( جوزك على تعوديه ) وخداع الرجل والمكر به وإشعاره دوما بالتقصير وحصاره بالمطالب التي تعجزه ، ومعايرته دوما بفقره أو عجزه عن تلبية مطالبها ، فيتحول البيت والسكن لساحة قتلا لا هوادة إلا بالفراق والانفصال ، ثم عادات ووصايا الرجال الحمقاء والغبية لبعضهم بقمع الزوجة وتأديبها ( إدبح لها القطة من أول ليلة ) وحقه المقدس في الخروج والسهر مع أصدقائه ولو على حساب بيته وزوجته ، وتجاهله لمشاعر زوجته وإحراجها أما أهلها وأهله ، ثم البخل في علاقتهما الحميمة بحجج الخوف على الصحة أو محاذير الأدب والأخلاق الكاذبة ، وأخيرا ناهينا عن محاولات كل منهما إخفاء مشاعره ورغباته عن الآخر وفرض الحظر على نوعيات من الحديث وسقوط التفاهم بينهما .
وبنظرة سريعة لمجريات الأمور في مصر ، وسؤال يراودني .. كم عدد الشباب العاطلين بلا عمل ، ومن منهم يستطيع أن يتزوج .. ، ليتبادر للذهن سريعا ، كم عدد العوانس بلا زواج في بلدي وما هي معدلات ارتفاع نسبتهن ، وكم معدلات تزايد مشاكلنا الاجتماعية بسبب هذا .. ؟؟ وكم ستساهم حل مشكلة البطالة للشباب في حل مشاكل العنوسة والعزوبية وبالتالي مشاكل مجتمع كاملة نفسية واجتماعية واقتصادية بل وأمنية .
بل وكم عدد الجرائم الاجتماعية التي تفشت بيننا بسبب البطالة للشباب ، وهل تقبل شابة أن تخطب رجلا وتتكفل بالإنفاق عليه وعلى أولادهما مثلا .. ؟؟
وسؤال أهم .. لأي إمرأة .. لو لديك أولادا وبناتا في سن الزواج ، .. ولديك وظيفة واحدة .. فلمن تعطيها .. ؟؟ لابنتك ويظل ولدك عاطلا تتكفلون أنتي وأخته به ، أم لولدك ليشارك هو في مصروفات بيتكم أو يفتح بيتا جديدا .. ؟؟
حقيقة أننا ننسى ونتناسى .. أن الله خلق الأنثى لأجل وأخطر مهمة بين خلقه .. وهي رعاية وتربية أجيال البشرية .. وأن مهمتها هذه لا يستطيع رجلا أن يقوم بها مطلقا ولا بديل عنها ، بل إننا نتغافل وننكر أن أسوأ استخدام للإنسان لنفسه رجلا أو مرأة هو استخدامه فيما لم يخلق له ، فيفسد تماما ما خلق له ، ويفسد أيضا ما أقحمناه فيه ولم يخلقه الله له .
نعم الضرورات تبيح المحظورات .. فعند الحروب .. أو نقص الرجال .. أو غياب الرجل .. لابد وأن تعمل المرأة لتعول أجيالا لا تجد من يعولها ، وعندما يكون العمل لا يستطيع أداؤه سوى النساء فلابد من عملها ، أو عند تفرد أنثى بقدرات علمية وعملية متميز وفريدة فلا مانع من الاستفادة منها ، ولكن أن نترك 20 مليونا من الشباب عاطلين يقابلهم مثلهم تقريبا من العوانس .. ثم ننادي بالمساواة والمشاركة لتعمل 12 مليون أنثى .. فهذه قمة الغباء المجتمعي والتخلف النفسي .
نعم .. كثيرا من الرجال قد يرفضون عودة الأنثى لدورها الطبيعي أو استبدال العاملات لديهم بالرجال ، فقد تعود الكثيرون على وجودهن بجانبه في العمل واعتاد البعض استغلال الانحرافات النفسية والاجتماعية ليرتع فيما يفرغ رغبات وشهوات نفسه والتي ربما لا تتعدى أحيانا أكثر من الدردشة والمزاح والغراميات الشفوية وهو ما يطلق عليه كثيرا من الرجال تعبيرات مثل ( خلي القعدة طرية) .
نعم كثيرا من النساء يعولن بيوتا وأبناء بل ورجالا يعانون من ضعف الدخل ، ولكن هذا ما نسميه الخيار الصعب فمعظم المتزوجين يفضلون رفع معدلات الرفاهية في حياتهم بزيادة الدخل غير مقدرين لحجم التدمير الذاتي لنفسية الزوجة ثم التدمير الاجتماعي للزوج ثم لنفوس الأبناء وهو ما أنتج لنا أجيالا فاقدة للاستقرار النفسي ولا تصلح للزواج ومهمة الاستخلاف وكانت النتيجة الحتمية هو فشل (7) سبعة حالات من كل (10) عشرة زيجات خلال السنوات العشرة الأخيرة .
نعم الموضوع مشكلة قومية تحتاج للتدخل القومي من الدولة لبتر أساس المشكلة ، ولا ننسى أن دولا مثل أمريكا وألمانيا قد أقروا بالفعل قوانين تتيح للمرأة العاملة أن تعود لبيتها لتربية أولادها بمرتبها وعلاوته الدورية كاملة وذلك إيمانا بخطورة وأهمية دورها كأم تربي أجيالا وتحفظ استقرار مجتمع بأسره .
وهو ما كان نتاج لدراسة اجتماعية مشتركة بين أمريكا وألمانيا على مدى خمسين عاما من نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى عام 1995م عن تأثير خروج المرأة للعمل على معدلات إفراز العلماء ، والتي أقرت أن هذا المعدل انخفض من اثنين في الألف عام 1945 إلى 3 في المليون عام 1990م نتيجة التأثيرات السلبية لتناقص الاستقرار الأسري على الأبناء وبالتالي تربية الأجيال .
وبعيدا عن كل هذا .. ولنكن صرحاء وأمناء مع أنفسنا ، فلا توجد امرأة سوية لا تتأثر نفسيا بالعمل بين الرجال ولا تقارن بينهم وبين زوجها ، ولا تتعلق نفسيا وربما عاطفيا بزميل لها أو برئيسها في العمل كنتيجة حتمية لطول فترة التواجد والمشاركة في العمل ، وكم تعاني لتتجنب سلبيات وتداعيات وتأثيرات تطور هذه العلاقات على استقرار بيتها وأسرتها .
وربما تدعي بعض النساء قدرتهن على وضع الأمور في نصابها معتقدات أن الأمور تتوقف فقط عند عدم التورط في علاقات عاطفية أو الخيانة ، ولكن الكارثة الكبرى هو التداعيات النفسية لمقارناتها التي لا تنتهي أبدا بين كل رجل تراه وزوجها وهو ما يترك شعورا نادما وربما حانقا على المدى البعيد ويخلق فجوة نفسية كبيرة في بيتها وبينها بين زوجها ، خاصة وأنها لا ترى من زملائها إلا أفضل أحوالهم وقد لا تسمع منهم إلا كل ما يرضيها وربما يسعدها .
وفي نفس الوقت الذي تقضيه من أجل زيادة بعض الجنيهات في دخلها فهي لا تستطيع أن تكون زوجة تحتوي زوجها أو أما تراقب تطورات تربية أبناءها ، وأقصى ما تستطيع تقديمه هو بعض جنيهات وبعض ما يتيسر من واجبات البيوت من مأكل وملبس ونظافة .
ولكنها أبدا لن تلاحظ مثلا .. لمعان عيون زوجها وشروده لتعرفه على زميلة جديدة بادلته نظرات مشاعر ملتهبة ، أو تلاحظ مثلا .. رائحة فم ولدها المراهق الذي بدأ يتعلم التدخين ، أو ربما .. نظرات شاردة في عيون ابنتها التي تلقت أول رسالة وربما قبلة من صديقها الجديد ، أو حتى تكتشف حزن صغيرها لتلقيه العقاب على رسوبه في امتحان شفوي في المدرسة .
بل أبسط من هذا ربما لن تكتشف أين يقضي ولدها ساعات ما بعد المدرسة ولا يعود للبيت إلا قبل عودتها من العمل بل وكثيرا ما تفاجأ صدفة بخطاب الفصل من المدرسة للغياب ، ولن أقول ما وصلت له نسب فض العذرية في مدارس البنات والتي تعدت أكثر من 30% من طالبات إحدى المدارس الثانوية في القاهرة الكبرى ، فلا يأكل الذئب من الغنم .. إلا القاصية ، أو حتى لن تعرف أن صديق ولدها المراهق قد اغتصب ابنتها في غيابهم بعد قصة حب طويلة مارسوها دون أن يلاحظهم أحد من الأسرة .
لا شك أن غياب دور الأم المتفرغة لبيتها وزوجها وأبناءها قد كان الأساس في تدمير أجيال وإهدار قيم مجتمع عبر أجيال مضت ، بل وساهم في تفاقم مشاكلنا الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في نفس الوقت الذي نعاني فيه من بطالة أكثر من جيل كامل من الشباب بكل ما تحمله البطالة من نوعيات المشاكل والجرائم .
ولا شك أيضا أننا في حاجة لفكر خلاق وشجاع وقادر على مواجهة هذه المشكلة الخطيرة بشفافية ووضوح وجرأة ومصداقية وقدرة على التخطيط والتنفيذ لإصلاح متدرج لما أفسدناه عبر الأجيال الماضية من تقليد أعمى للغرب الذي يتراجع اليوم عما اقترفه من أخطاء ونحن مصرون على دفن الرؤوس في الرمال وإنكار الشمس في وضح النهار .
ولا شك أيضا أننا في حاجة لتوجيه الإعلام وتغيير ثقافة شعب ليتعلم معان احترام دور الأنثى والأم ومنحها ما تستحقه من احترام وتقدير ومكانة وضمان مستقبل صانعات ومربيات الأجيال ، وتعديلا جذريا في قوانين الأحوال الشخصية والضمان الاجتماعي فلا يصح مطلقا أن نرى مطلقة لا تجد قوت يومها ولا أرملة لا تجد ما تعول بها أولادها .
وإذا كنا قد صنعنا ثورة لنتخلص من استبداد حاكم وأنظمة حكم فاشية ، فليس أقل من أن نتخلص نحن كرجال من فاشية الذكورة الكاذبة لنعلي من قيمة وقدر وحقوق الأنثى في مجتمعنا ولا ننسى أن آخر وصية لرسول الله كانت قوله صلوات ربي وسلامه عليه (استوصوا بالنساء خيرا) ، فما علت أمم أهانت نساءها وما سقطت أمم استوصت بنسائها خيرا .



