بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
الحياة .. كما نعرفها هي مجموعة من الأحداث المتتالية .. والتي تسبقها وربما تصنعها ويتخللها ويعقبها أحاديث .. والأحداث والأحاديث تنبع وتصدر عن نوايا البشر .. والنوايا يشكلها معتقدات وأفكار وشهوات ورغبات .. ولكن الجميع في النهاية يحكمه قدر مكتوب ولا يحدث إلا ما كتبه صاحب الخلق والأمر .. سبحانه رب العالمين .
عندما يظن الإنسان أنه يعرف كل شيء .. فتلك هي لحظة جهله القصوى .. فكلما ازداد علم الإنسان يكتشف حجم جهله الرهيب بكل ما حوله .. وربما لا يدرك هذه الحقيقة إلا عالما حريصا على البحث والمعرفة ، ولكننا لو توقفنا لحظة أمام طفل صغير لنراقب إقباله على فعل أي شيء مهما فاق قدراته غير مدرك لتبعات أفعاله .. وكيف كنا ونحن صبية ومراهقين نفعل أشياء رغم تحذيرات الكبار لنكتشف بعدها ولو بسنوات أنهم على حق لأدركنا أننا لو امتد بنا العمر لألف سنة بالقطع لن نمارس نفس سلوكياتنا الحالية تجاه الحياة والبشر ولكنها ستختلف كثيرا وربما جذريا وذلك لارتفاع ميراثنا التاريخي من العلم والمعرفة عن الحياة وقوانينها وناموس الخلق في الكون وعلى الأرض .
وربما كانت حدود حواسنا الخمسة (الرؤية والسمع والشم واللمس والتذوق) هي ما تحول دون الإدراك المبكر لحقائق الخلق والكون ، فمثلا نعلم أن كثيرا من الحيوانات والطيور وأقربها الكلب والحمار يرون ويسمعون في حيز أكبر من حيز السمع والبصر للإنسان ، بل وبعض القوارض تشعر بالهزات الأرضية والبراكين قبل حدوثها بساعات وبعضها بأيام ، بل وبعض الحشرات والطيور تستخدم الموجات الصوتية للرؤية .
والعجيب أن الإنسان كلما غرق في حدود حواسه الخمسة كلما ازداد جهلا وبعدا عن حقائق الأمور من حوله ، وازداد خسارة لفهم وإدراك قدراته على التعامل مع معطيات الحياة وآلياتها ، فالنهم للطعام مثلا يغتال قدرات العقل على الإبداع ، والاندفاع وراء مرئيات العين يلهي العقل عن التأمل والتدبر ، والمبالغة في إشباع الحواس يحيل الإنسان لحيوان نهم فاقد للقدرة على تقويم وتوجيه قدراته .
ولا شك أن ابن آدم يملك حواسا أخرى تضيف له قدرات أخرى فضلا عن قدرات الحواس الخمسة ، والأولى هي النتاج العقلي لتقييم معلومات الحواس الخمسة وهو ما نسميه التوقع ، وأبسطها توقع إحراق النار لأصبعك عند رؤيتها والتي تتطور لتوقع ازدياد درجة الحرارة كلما اقتربت من مصدر السخونة ، وأعلاها توقع حدوث أزمة مستقبلية في مجال معين كنتيجة منطقية لتضافر بعض البيانات المجتمعة من بعض الحواس الخمسة أو كلها .
فالحاسة السادسة حقيقة .. في كلمة واحدة هي .. (التوقع) وهو القدرة على التحليل المنطقي واستنتاج التوقعات المستقبلية كنتيجة لتتضافر مدخلات الحواس الخمسة كلها أو بعضها . وهي بالقطع مخالفة لما تم التعارف عليه بالحاسة السادسة المتعلقة بالغيبيات وخوارق الحواس المعروفة ، فهي تعتمد على قدرات نفسية عالية على استخدام العقل في التحليل والاستنتاج ويصقلها الخبرة وطول العمر .
أما الحاسة السابعة .. فهي تلك التي يسمونها جوازا بالحاسة السادسة وهي القدرة على توقع أحداث تعتبر غيبا سواء كانت ماضية أو حاضرة أو في المستقبل القريب حتى ولو مخالفة لما تشير إليه تداعيات ومتتاليات الأحداث المعروفة ، كأن تتوقع موت فلان لمجرد رؤيتك له للمرة الأولى مثلا ودون أن يكون هناك ما يشير لموته من مرض أو سبب منطقي ، أو شعور الأم بوقوع ضرر لولدها وهو بعيد عنها ، ومثلها نداء عمر بن الخطاب وهو على المنبر في المدينة المنورة لقائد جيوشه في أرض فارس (الجبل .. الجبل .. يا سارية) ويستجيب سارية وينقذ جيشه من الهلاك باللجوء للجبل .
وتلك هي قدرة ومهارة نفسية في الاتصال بالغير ومتابعة أحوالهم دون اتصال ملموس بالحواس المعروفة ، وهي قدرة وموهبة خاصة قد يهبها الله لمن تصفو نفوسهم وتسمو عن تدنيات الحياة وملذاتها وتعلق صاحبها بشئون غيره وهم بعيدين عنه ، ويمارسها بعض الأشخاص مع بعضهم كصورة للسمو والارتباط النفسي ، وتلك القدرة .. ليست خارقة للطبيعة كما يعتقد البعض ولكنها قدرة في متناول من يريد استخدامها ويجيد التدرب عليها بصفاء نفسي وسمو خاص عما حوله ، وتلك القدرة في حقيقتها هي قدرة عالية على تركيز النفس وانتقالها اللحظي أثناء استيقاظ أو نوم صاحبها لمكان الحدث ورؤيتها وتسجيلها للحدث على شاشات العقل البشري ، ويفقد الإنسان هذه القدرة بتورطه في شهوات ورغبات ومتطلبات جسده فتثقل نفسه عن الحركة والمناورة ، بل وتفقده قدرة تسجيل المشاهدات بوضوح على المخ لتكون جاهزة لاستخدامها وتحليلها .
وقد يدخل على هذه القدرة الاستعانة بقدرات ليست بشرية مثل استخدام بعض الناس للجن ليأتوهم بما خفي عنهم وعن معظم الناس من الأخبار التي والأحداث الماضية والحاضرة والتي يستخدمها بعض الناس ممن لا يتورعون عن الاتصال بالجن والتعامل معهم وهو منهي عنه بأمر الله ورسوله ، ويدخل فيه أيضا استعانة الإنسان بمخترعاته من المحمول والأقمار الصناعية ووسائل المراقبة والتتبع الحديثة .
أما القدرة الثامنة أو التاسعة لو جاز التعبير فهي القدرة على معرفة غيب مستقبلي وهي قدرة يمنحها الله لبعض الخاصة من البشر كالرسل والأنبياء وبعض الناس ليكونوا دليلا لغيرهم من البشر ومثلها أن يتوقع البعض أن يكون فلانا رئيسا لبلد وهو في وضع لا يسمح لأحد حتى بتخيل هذا ، وقد رأينا مثل هذا كثيرا في حياتنا وكان آخرها .. توقعات أن يصبح محمد مرسي رئيسا لمصر ولا يكمل مدته ويعزله شعبه ويموت أشلاء ، وهي نبوءة قرأناها متعجبين في مطلع عام 2012م في نبوءات نوستراداموس والذي سجلها منذ 500 عام والتي أعلنها كثيرون أهمهم الباحث جون هيج الأمريكي فإذا بمرسي يصبح رئيسا ولا يكمل مدته بالفعل وتبقى باقي النبوءة بموته أشلاء في انتظار أن تحدث .
وتلك القدرة يمنحها الله لمعظم خلقه وتتمثل في الرؤية الصادقة والتي يقول عنها رسول الله أنها جزء من ست وأربعين جزءا من النبوة ، وحقيقتها تكون في رؤية النفس أثناء نوم الإنسان لحدث مستقبلي سوف يحدث فيما بعد قبل أن يحدث وهي دوما تكون مقدمة من الله للإنسان حتى لا يفاجأ بالحدث ويكون وقعه عليه مقبولا عليه .
وأكثر الناس اعتيادا على هذه الرؤى هم الصالحين وأصحاب النفوس النقية بغض النظر عن طبيعة أفعالهم ، ولكنهم لا يحملون ضغينة ولا تقيدهم شهوات الدنيا وملذاتها ولا ينشغلون بها كثيرا ، وهي نفوس نسبتها بين الناس قليلة وربما نادرة ، وتكثر بين الأطفال والصبية وبعض النساء ممن لديهم خفة نفوس وكثيري الإغماء لأوهن الأحداث ، وبعض شيوخ الرجال ممن ضعف ارتباطهم بالحياة ومشاغلها .
وهنا لابد وأن نقف لنتذكر ونتعلم من الله (الخالق العظيم) أن الإنسان ما هو إلا نفس يهبها الله جسدا حيا لتتعامل به مع الدنيا ، وهذا الجسد من طين (مادة) الأرض ، ويحيه دخول الروح (سر الإحياء للمادة) فيه ، وهذه النفس التي أصل الإنسان كانت موجودة قبل أن تحتل هذا الجسد وتمارس الحياة على الأرض من خلاله وبواسطته ، ولا تفنى بتركها الجسد أو فساد الجسد ولكنها تفقد القدرة على التعامل مع الحياة والمخلوقات على الأرض بتركها الجسد أو تلف هذا الجسد .
والقارئ لقول الله في سورة الزمر .. ({اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42) يعلم أن النفس تغادر الجسد يوميا خلال النوم وتترك هذا الجسد حيا وفيه الروح (سر الإحياء) وتنطلق في ملك الله ترى وتتعلم وربما تلهو ، ثم تعود للجسد فتوقظه لتستخدمه مرات ومرات ، وقد تعود لتجد الجسد ميتا (فسد أو تلف أو تم تدميره) وقد غادرته الروح فلا تستطيع استخدامه فتكون قد فقدت مطيتها ووسيلة تعاملها مع الحياة على الأرض ولابد للنفس أن تحضر لحظة خروج الروح من الجسد وهو خروج للمرة الأولى والأخيرة لانتهاء أجل الإنسان على الأرض ولذلك يقول رب العزة ( {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }العنكبوت57 ) .
هذه النفس من الممكن أن يهبها الله جسدا آخر في مكان وزمان آخر لا نعلم عنه شيئا وهو ما يقوله رب العزة في سورة الواقعة (َنحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ، عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ) وإن كنا لا نصدق فالله يعاجلنا بقوله (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ) حيث يذكرنا فيها بالنشأة الأولى التي وهبنا فيها جسدا حيا في رحم الأم فاستخدمناه وعشنا به في الدنيا وهو ما سجله الله في سورة المؤمنون بقوله (ُثمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ) ، وهو ما يجهله الكثيرون بل ويرفضون تصديقه معتقدين بالفناء بعد الموت .
هذه بعضا من قدرات الإنسان أحد معجزات خلق الله على الأرض وليس أكبرها لقوله تعالى {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }غافر57 ، وهو ما يدعونا سبحانه وتعالى لدراسته وكشف معجزات خلقه بقوله تعالى .. {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ }الذاريات21 ، فهي دعوة لنرى ونبحث ونتدبر ما خلق الله في نفوسنا وأجسادنا وما وهبنا الله من قدرات لنحسن استخدامها لتنفيذ المهمة التي خلقنا الله من أجلها وهي إعمار الأرض كخلفاء لله على أرضه .
وكما قلنا ليس هذا حديث دين أو تصوف بقدر ما هو حديث علم بحت في خلق الله فمن أعلم من الله بحقيقة الخلق من الخالق العظيم ، وهو ما يقرره رب العزة بقوله تعالى ...
{ ... وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً } النساء87 ، { ... وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً } النساء122



