بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
نظرة متأنية على تاريخ مصر الحديث .. تعطي انطباعا أننا أمام شعب أصيل .. لا ينسى أصحاب الفضل عليه كما أنه لا ينتقم من المسيء له بل وينسى الإساءة لمن يحسن إليه .. والأجمل والأروع أن شعب مصر المحروسة يعشق العرفان بالجميل .. ولا تنسيه المصاعب والأزمات رجالا أحسنوا إليه وأكرموه .. فأكرمهم بالحفظ في قلبه وضميره .
فبرغم مساوئ أسرة محمد علي وأبناءه من بعده وما ترتب عليها من احتلال الإنجليز لمصر 70 عاما .. إلا أن عرفان شعب مصر بجميل محمد علي رغم أنه لم يكن مصريا ولكن نقلته الحضارية لمصر من عصور الظلمة ومخلفات المماليك لمصاف الدول المتقدمة في زمن قياسي هو ما أجبر المصريين على الرضا بوجود وتوارث أسرة محمد علي للحكم في مصر حتى قيام الثورة .
ومثلها .. نظرة لاحتفال المصريين بذكرى وفاة جمال عبد الناصر والتي أعادت ذكريات إنجازاته الكبرى والعظيمة ونقلته الحضارية لمصر في أقل من عشرين عاما برغم تداعيات النكسة ، فجرت في النفوس كثيرا من الأشجان والأحلام .
أحلاما في وثبة حضارية جديدة تنقل مصر من كبوتها الحضارية والنفسية إلى مستويات أرقى من العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية على يد زعامة جديدة تعيد ذكريات الزعيم جمال عبد الناصر بكل شموخه وعزة نفسه واعتزازه بدينه وبنفسه وبوطنه وشعبه .
ولسنا في محل الحديث عن إنجازات الرجل فقد كان وسيظل رمزا يحترمه أعداؤه أكثر مما يحترمون حتى أنفسهم ويقفون عنده في إجلال حتى وهم يكرهونه ويلعنون فترة حكمه لمصر ، وما بلغ الرجل هذه المكانة لأنه كان عبقرية عقلية أو اقتصادية وعسكرية فذة ، فقد كان للرجل زلاته وأخطاءه ربما الجسيمة والكبيرة .
ولكنها صفات محدودة ومعدودة انفرد بها جمال عبد الناصر عن كل الرجال في زمنه بل وربما حتى يومنا هذا وهي ما جعلته رمزا عالميا للزعماء في دولهم من أقصى الأرض إلى أدناها ، صفات قليلة ولكنها جعلته خالد الذكر بين شعبه ومعظم شعوب الأرض وخلدت ذكراه في تاريخ البشرية منذ يوم جنازته التاريخية الغير مسبوقة وإلى أن يشاء الله .
أول هذه الصفات .. هي الصدق .. فقد كان عبد الناصر صادقا مع نفسه وغيره ، فهو لم يكن يجيد الخداع أو التآمر أو الكذب والتدليس أو الخيانة ، كان صادقا في حبه وفي عدائه في سره وعلانيته .. فكتب عند الله صديقا .. فأحبه الله وأحبته ملائكته فكتب الله القبول في الأرض فأحبه الناس بل وعشقوه حتى أن بشرا طالهم الأذى والسجن في عهده لم يستطيعوا إخفاء حبه في قلوبهم مثل عبد الرحمن الأبنودي .
وثاني هذه الصفات .. الأمانة .. فقد كان أمينا على شعبه يؤرقه متاعب الفقراء والمحتاجين ومستقبل أمة هو مؤتمن عليها فمات زعيم مصر وهو مدان بباقي سلفة من بنك ناصر اقترضها ليزوج ابنته الكبرى ، بل واستردت الدولة بعد وفاته السيارة الوحيدة التي كانت تستخدمها أسرته .
وهاتان الصفتان .. الصدق والأمانة .. ربما لا ننسى أنهما أهم ما تميز بهما العظماء على مدى الدهر وأعظمهم سيد الخلق محمد وأول بشر لقب بالصادق الأمين في تاريخ البشرية ، وهما صفتان كافيتان أن يصنعا من الرجال قامات وهامات تاريخية خالدة .
وثالث الصفات .. هي عزة النفس .. وهي صفة اكتسبها عبد الناصر من أصله الصعيدي ورسخها في نفسه تربيته العسكرية في سلاح الفرسان (المدرعات) ، فما خضع الرجل لابتزاز بشر ولا دولة ولا سمح أن يكون وطنه تابعا ولا خاضعا لإرادة أحد ، فأعلى مصالح الوطن العليا على كل هدف أو غرض آخر ، حتى كان المصري رمزا للحرية والكرامة في كل مكان في عهده .
ورابع صفاته .. كانت .. الشجاعة .. فلم يكن الرجل يخشى بشرا على الأرض ولا دولة أو كيانا بعينه ، بل كانت تخشاه في زمنه دولا عظمى وعلى رأسها بريطانيا العظمى وفرنسا وأمريكا ، حتى لقبوه بالأسد المصري رغم كراهيتهم له ، ووقف الرجل صلبا في وجه كل المتربصين في الخارج والداخل من العملاء والمتآمرين وعملاء الاستعمار ليقيم دولة قوية تركها وهي لا تحمل ديونا لأحد ولديها فائضا في ميزانيتها غير مسبوق في تاريخها رغم النكسة واستعدادات الحرب التي أتمها قبل وفاته .
تلك الصفات الأربعة ( الصدق – الأمانة – عزة النفس – الشجاعة ) هي التي تميز بها عبد الناصر فخلدته زعيما تشتاق لوجوده شعوبا كثيرة ممن عرفوه قبل شعبه الوفي لذكراه أما عن صفات أخرى كثيرة مثل الإخلاص والوفاء والرحمة والمروءة فقد كانت متلازمات لهذه الصفات الأربع في شخصيته والتي جعلته مصداقا لقول الله تعالى .. {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً }الأحزاب23 .
تلك الصفات التي مكنته أن يقفز بمصر خطوات واسعة ما زالت آثارها وبقاياها تنعم بها مصر حتى اليوم ، ولن نعدد إنجازاته ولكننا نقف عند قراره التاريخي العظيم بتدريس العلوم الأخرى بخلاف علوم الدين بالأزهر الشريف ، وكم وقف في وجهه وعارضه من الداخل والخارج ، وأعلن الرفض يومها شيوخ وعلماء الأزهر وعلى رأسهم شيخنا متولي الشعرواي بل وترك مصر ليدرس علوم الدين في السعودية ، وتم ما أراده عبد الناصر ليخرج من الأزهر طبيبا ومهندسا وعالما مدركا لشئون دينه ، ويدرك الشعراوي خطأه وقصر نظره في مقابل فكر وبعد نظر عبد الناصر حينها ، ويعود شيخنا متولي الشعرواي بعد عقود طويلة ليقف أمام قبر الزعيم عبد الناصر ويعتذر له علانية ويدعو له .
هكذا كان فكر الرجل ودينه وصفاته الشخصية التي أسكنته قلوب البشر في وطنه وخارجه وخلدت له ذكرى تفرد بها بين زعماء الدنيا في القرن الماضي وربما لقرون طويلة قادمة .
رحم الله عبد الناصر ومنح شعبه من بعده من يعيد تلمس خطاه وينقذ مستقبل هذا الوطن من براثن المتآمرين والخونة والعملاء قبل أعداءه المتربصين به في الخارج ، فما أشد حاجة المصريين لناصر جديد ينصر الله في شعبها وحاضرها ومستقبلها وهو قادم لا محالة ، فهي مصر درة الله في أرضه ورمز المدنية والحضارة وأرض الرباط الدائم ليوم الدين.



