الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

قل لي ما هي استراتيجيتك كإنسان (بشر) .. واحذر أن تكذب على نفسك بالكذب في إجابتك .. فلن تنال ما تضمره في نفسك ولن تصل لما تدعيه .. فما تنكره .. وما تدعيه .. كلاهما طبقا لناموس الكون والخلق .. ليسا من حقك .

ولو بالشبه .. كلنا يعرف معنى الاستراتيجية .. وهي في بساطة .. أن يكون لك هدف رئيسي تريد أن تحققه من حياتك .. وتخضع كل أهدافك المرحلية وخطوات تنفيذها في اتجاه تحقيق هذا الهدف النهائي .. أو الرئيسي .

ولكن كثيرا من الناس وربما الأغلبية الساحقة من البشر تحيا عمرها باستراتيجية غيرها ، تعيش لتحقيقها والدفاع عنها وربما التضحية بالحياة من أجلها وتوجه عمرها كله من أجل تحقيق استراتيجيات ربما لا تؤمن بها ولكنها مفروضة عليها من واقع حياته وظروف بيئته .

والهدف الاستراتيجي من الحياة لابد وأن يكون له كيان حتى لا تنقضي حياة الإنسان ويجد نفسه قد امتلك السراب ، فلا يصح أن يكون الهدف الاستراتيجي مجرد إشباع شهوات ورغبات لا ولن تشبع أبدا مهما أغرقتها وأعطيتها .

فالتمتع بالحياة .. هدف استراتيجي لكثير من الناس .. ولكن اسأل من لم يحرم نفسه رغبة أبدا ماذا حقق في نهاية عمره أو حتى في منتصف عمره ، مؤكد أنه لا شيء ، ولم يتبق له سوى ذكريات لا يكاد يدرك منها سوى ظلال وأطياف وأحلام وربما أوهام لشهوات ورغبات فشل في إشباع نفسه بها فلم يبقى منها شيء .

وربما ما حرك في نفسي هذا .. ثلاثة مشاهد متعاقبة في أقل من سنة ..

الأول .. لشخص أعرف أن أهله قد ربوه وبالغوا في إكرامه حتى أننا كنا نحسده كثيرا ونحن صغار في المرحلة الابتدائية من التعليم الأساسي فقد كان محظيا لدى المدرسين والناظر ومدير المدرسة ، فوالده كان من الأثرياء والشخصيات المعروفة والمشهورة ، وكانت حروفه وكلماته وحركاته وحتى سلبياته .. كأنها أنغام يتأوه لها الكبير قبل الصغير .

التقيت هذا المترف القديم منذ أيام قليلة .. يعمل حارسا يفتح لي باب المصعد في أحد المؤسسات .. وقد خبت في عينيه كل علامات الزهو التي حفرت في عقلي عنه والتي ما زلت أذكرها في عينيه ، ولم أتمالك نفسي فقد قفزت دمعتان من عيناي رغما عني حزنا عليه ، وما أن استفسرت عنه من بعض رفاق الماضي حتى أخبروني أنه لم يستطع إكمال تعليمه الثانوي وأدمن المخدرات والسهرات والمتع بكل صورها وانتهى به الحال مفلسا ، ثم صبيا لتاجر ممنوعات ، ثم سجينا لسنوات وأخيرا انقطعت أخباره ويقال أنه هاجر خارج البلاد ، وبالقطع لم أخبره شيئا عن الرجل فمن المؤكد أنه لا يحب ولا يريد أن يراه رفقاء الماضي ومن يعرفوا أصله .

والثاني .. لشخص آخر تعرفت عليه ونحن في المرحلة الثانوية وكان مثالا للانحراف بكل صوره ويجتاز مراحل التعليم متأنيا ومستمتعا ، ثم انقلب حاله وهو في الجامعة ليصبح عضوا بارزا في جماعة الجهاد أو ربما التكفير والهجرة ، ثم قبض عليه في قضية مقتل السادات ودخل السجن ، ثم خرج منه بعد سنوات طويلة وقد تغير شكله وانحنى ظهره وطالت لحيته حتى ركبتيه وما زال يردد كلاما أتخيل أنه يتوارى خلفه ليخفي خيبة أمله في نفسه ، ثم رأيته أخيرا مقبوضا عليه مرة أخرى في قضايا التحريض على العنف في رابعة والنهضة .

الثالث .. كان زميل دراسة .. قليل الكلام .. صغير الجسد .. لا يسعى إلا لتلقي العلم ولا يشارك في تهريج أو فوضى مطلقا متعلق بوالديه ومدرسيه ، وكان يبدو دوما مهندم ونظيف الملبس كأنه تمثال شمعي مطيع وكان ملتزما لأقصى الدرجات بكل اللوائح والتعليمات المدرسية ، وآخر من يخرج من الفصل والمدرسة ، حتى لقب بـ (ابن امه) ، وكان له معزة خاصة في نفسي حتى كنت دوما مدافعا عنه وحاميا له من شرور المشاغبين ، وفرقتنا مراحل التعليم وسنوات العمل حتى لقيته يوما في حفل تخرج جامعي وهو مدعوا بصفته عميدا لإحدى كليات الطب  ومرشحا لمنصب رفيع وخطير .

أثارت هذه المشاهد في نفسي إحساس بفظاعة جرائمنا الخطيرة  في حق أبناءنا وما تخطيء فيه دوما أثناء تربيتنا لهم محاولين دفعهم وحثهم على الجدية والالتزام خلال مراحل التعليم وتوعيتهم بالمحاضرات والتوجيهات والتنبيه بخطورة الإهمال والتواكل والفوضى ، في حين أننا نهمل كثيرا بل وننسى أن نعلمهم معاني الاستراتيجية والهدف من حياتهم وهو كفيل بأن يغنينا عن معاناة الاستمرار في مسلسل الدفع واللهث خلفهم للحفاظ على استقامة حياتهم حتى بعد التخرج والوصول لوظيفة والزواج وتربية الأحفاد .

نتناسى أو نتغافل .. أن مجرد وجود هدف استراتيجي في نفس الطفل كفيل بتغيير سلوكياته كاملة خلال مراحل حياته ، وأن اختفاء ملامح هذا الهدف من نفوس أطفالنا كفيل بإنتاج أجيال مختلة نفسيا ومشوهة عقليا ينساقون وراء أية أهداف استراتيجية لمن يرون أنه يصنع لهم هدفا من حياتهم ، وبالقطع لن يتعلم الطفل ويتخذ لنفسه ملامح وصفات بالتوجيهات مثلما يأخذه من سلوكيات والديه في حياتهم العملية تماما كما يتعلمون أساسيات الأخلاق منهم ، فطفلك لا ينسى أنك ملتزم بتوقيتات عملك ولا تستهين بها ، ولن ينسى بل وسيقلدك لو تعود رؤيتك قارئا أو باحثا أو ملتزما بالعلم والاستزادة منه ، كما أنه لن يكون له شأن مع علم لو رأى والديه يعلون من قيمة الجهل والفهلوة والنصب والاستهانة بقيمة العلم والعلماء

ولذلك ليس عجيبا أن تجد كثيرا من أبناء العلماء يشبوا علماء وباحثين تماما مثلما ترى أبناء التجار قد ورثوا مهارة التجارة عن عائلاتهم ، فالعالم سوف يتزوج من فتاة تقدر قيمة العلم وسوف تكون حريصة على إزكاء وتنمية حب العلم لدى أطفالها ، وأخرى مهنتها في النوادي الليلية ستشب ابنتها ماجنة بالاعتياد حتى ولو أصبحت وزيرة أو عالمة ، وصدق أجدادنا في أمثالهم الشعبية كقولهم (الولد ظل أبيه) ، (اكفي القدرة على فمها تطلع البنت لامها) ، وما أجمل مثل سمعته من جدتي مرارا تردده دون ملل في كل مرة تراني ألهو دون هدف فتقول لي (الأيد البطالة نجسة) وما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط .

ومن أهم ما سجله علماء الاجتماع عن أبرز إنجازات جمال عبد الناصر بعيدا عن الإنجازات المادية هو قدرته على توحيد الاستراتيجية المجتمعية للشعب المصري فما زلنا نذكر شعاراته الخالدة ( العمل واجب - العمل شرف - العمل حياة ) وما أن سقطت وحدة هذه الاستراتيجية في عهد السادات حتى بدأت هاوية الانزلاق لشعب وأمة حتى وصلنا لما نحن فيه .

ولذلك يجب أن نحفر بسلوكنا في نفوس أبناءنا استراتيجيات الحياة ، فنحن خلقنا الله بشرا من فئة العمار التي كرمها لنكون خلفاء له على أرضه نعمرها بعمل صالح لغيرنا كما جئنا الدنيا وقد عمرها لنا من كان قبلنا ، ومن هذه الاستراتيجية العليا يشارك الوالدين الأبناء في تحديد أهدافهم الاستراتيجية من الحياة طبقا لميولهم وما هو أصلح لهم ليمارسوا من خلاله مهمة الإعمار للدنيا كخلفاء لله على أرضه .

هذه الاستراتيجية التي غابت عنا كبشر ثم مسلمين ، فأصبح لكل فئة أهدافها واستراتيجيتها للسيطرة والهيمنة على الآخرين وتنامت أستراتيجيات المتعة في النفوس المريضة حتى رأينا من يدعون أنهم مجاهدون في سبيل الله يستبيحون الدعارة باسم نكاح المجاهدة حتى يجاهد المجاهد وهو مستمتعا بشهوات النساء بل وتعدوها ليفتي أحدهم بجواز الدعارة مع المحرمات من الأم والأخت والعمة والخالة وكأنهم يخترعون دينا جديدا خاصا بهم ، ورأينا واعتدنا من يبيح قتل الأبرياء والتمثيل بجثثهم كجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته وهم مغيبون لا يدرون أنهم يحاربون الله في خلقه ويهدمون بنيان الرب وهو الإنسان في سبيل شهوات نفوسهم التي أصبغوا عليه القدسية بالكذب والتآمر ، وما كان هذا سوى نتائج منطقية لسوء التربية والتنشئة والجهل بحقيقة الاستراتيجية البشرية .

ولا يستطيع بشرا فردا أو جماعة أن تتبنى أو توضح هذه الاستراتيجية البشرية مثلما يستطيع صاحب القرار بواسطة مؤسسات الدولة أن تبرزها وتؤكد عليها وتراعي تناميها بكل ما تملك من وسائل إعلام ومراقبة ومتابعة وتوجيه وتعليم وتدريب وإعداد للأجيال القادمة ، تماما مثلما نرى ما يطلقه الأمريكان في بلادهم من شعارات الحلم الأمريكي وأرض الأحلام وأرض الحرية .

فنحن في أمس الحاجة لتبني الدولة لاستراتيجية البشر وهدفهم من الحياة والتي لابد وأن تطلقها براقة ومقبولة وتضمن لها الاستمرارية بشعارات وإجراءات وخطوات تضمن تناميها واستمراريتها ، وهو ما نحن قادرين عليه بتوحيد الجهود والعقول والإمكانيات في سنوات قليلة ، خاصة وأننا نملك ذخيرة ضخمة من العقول المصرية في شتى بقاع الأرض تعمل لصالح غيرنا ولا يتيح لها أنصاف الرجال من أصحاب القرار في الداخل فرصة المشاركة بل ويحاربون من يتطوع منهم ليخدم وطنه حتى يهرب ولا يعود مرة أخرى .

أن لم يدرك أصحاب القرار أننا في حاجة لاستراتيجيات بشرية ثابتة وقوية تخرج منها أهدافا استراتيجية مرحلية فلن تكون للجهود القادمة فوائد ملموسة على المدى البعيد ، فكفانا حلولا مسكنة ومؤقتة وترحيلا للمشكلات القومية وهروبا من مسئوليات النهوض بأمة كانت وما تزال يطلق عليها أم الدنيا .

وهو نداء لأصحاب القرار أن يكون لمصر (مجلس حكماء) يرون المستقبل بالعلم والشفافية والمصداقية اللازمة لتقدم هذه الأمة ونهوضها من كبوتها ، وكفانا اعتمادا على أهل الثقة والأهل والعشيرة ، وليرتقي أصحاب القرار فوق عوائق الطموحات من التكاسل والركون والتخاذل والاعتماد على عواجيز الفرح المباركي والإخواني ومن يحلمون بثروات ومناصب وسمعة ولا يملكون زخم التطلع لمستقبل أكثر من سنوات الفرص الضائعة القليلة الباقية من عمرهم .

ولنتوقف فورا عن ترديد وتنفيذ إشاعات عواجيز الفرح بعدم وجود كفاءات أو قيادات شابة تستطيع تحمل المسئولية ، فهؤلاء الشباب هم من علموكم في نهاية عمركم معان القدرة على التغيير بموجات ثورتهم المتتالية ، وهم من منحوكم اليوم فرصة عمركم الأخيرة أن تكونوا على قمة الهرم القيادي في هذا الوطن ، وما تفعلونه اليوم قد يودي بكم إلى جوار من نزع عنه الملك ويتجرع كؤوس العجز والخزي والمحاسبة على انعدام ضمائرهم وجرائمهم في حق هذا الشعب .

وليستفيق أصحاب القرار في مصر لأخطبوط الفساد المستشري في جسد المؤسسات قبل أن يمل منكم شباب هذا الوطن فيطيحوا بكم كما فعلوا مع أسلافكم ، فما عاد الصمت سمة ولا حتى وسيلة مقبولة خاصة لدى من تدمرون مستقبلهم بأياديكم المرتعشة والمجاملة لمن لا يستحق على حساب مارد قد أفاق ولن يترككم تهدرون حقوقه تحت أية أعذار .

لست أبالغ ولا أجتريء على أحد لو قلت أن صبر الشباب العاطل والمحروم وفاقد الأمل في المستقبل لن يطول ولن يتواكب مع بطء وركون سلاحف العقول والمخيلات الهرمة ، فقد اختلفت معطيات وآليات العصور الحالية عن عصور العملة الخشبية التي ينتمي لها كثيرا من أصحاب القرار والحالمون بدواء الضغط وعلاج السكر وجلسة هانئة مع الأحفاد .

ربما يكون الإنذار الأخير لأصحاب القرار ولن يكون خوفكم ورعبكم ممن يتربصون بنا من الخارج والعملاء في الداخل عذرا مقبولا منكم أو لكم ، فلو صدقت نواياكم وخطواتكم لأيدكم وثبت خطاكم رب الكون وهو من نزع الملك ممن كانوا قبلكم وبأيدي هؤلاء الشباب أيضا ، فاحذروا وأفيقوا من ثباتكم وغفلتكم قبل أن يجتاحكم وبلا رحمة سيل الأجيال الشابة .

ولا نخفي سرا لو قلنا أن مئات الآلاف أو ملايين العمال والموظفين في مؤسسات وشركات ومصانع الدولة بكل قطاعاتها يتطلعون لمن ينقذهم من استمرار شبكات وقيادات الفساد والتي ما زالت تدمر وتخرب وتنهب بلا محاسب أو رقيب استشعارا منهم بأنها فرصة عمرهم الأخيرة ، ولا زالت الأجهزة الرقابية والمحاسبية غائبة عن الصورة كعادتها السابقة مع استمرار أيادي خفية نجسة لا تألوا جهدا لعرقلة وتدمير كل جهود التطور والتغيير للأفضل .

وكما أنني لا أخفي سرا أن رياح التغيير قادمة لا محالة سواء ساهم فيها وساعدها بها أصحاب القرار أم تخاذلوا لتقذف بهم غير مأسوف عليهم ، فرياح التغيير طوفانا لن يرحم أحدا أجرم في حق هذا الشعب ولو بالسلب والتهاون ، ومن فرط في حق الشعب فهو يحاربه في قوته ومستقبله ، وما حدث من ثورة في السنوات القليلة الماضية وما هو مستمرا حتى اليوم كان قرارا ربانيا عنوانه {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ }الحج39 .

 

 

تم نسخ الرابط