دفعني التحذير الناعم والخطير والذي أعلنه القائد العام الجنرال السيسي أمس في احتفالات أكتوبر أن أتذكر ثوابت بعينها عن نصر أكتوبر 73 والذي جاء بهيجا وعظيما ليبدد مرارة النكسة على مدى سنوات ستة مظلمة ومؤلمة ولا يعلم قدر مرارتها وقسوتها إلا من عاصرها وعاش سواد أيامها على البلاد والعباد ، وما كان النصر إلا تتويجا لجهد وعرق ودماء شعب مصر الذي عانى طويلا وتحمل وصبر حتى وصل لحدود اليأس وتفشى شعور عارم بانعدام الأمل في الثأر المزعوم وقد كان ذلك قمة النجاح لأكبر خطة خداع استراتيجي في القرن العشرين .
فقد تعمدت القيادة المصرية (السياسية والعسكرية) تعميق الإحساس باستحالة القيام بعمل عسكري لعبور القناة واسترداد أرض سيناء المحتلة ، وكان السادات فريدا بقدراته الشخصية وقدرته على التواصل مع جميع الأطراف على المستويين الدبلوماسي والشخصي ، فلم يدخل المستحيل في مفردات قاموسه الشخصي .
وكان أبرز معالم خطة الخداع الاستراتيجي على المستوى المحلي هو فتح باب العمرة في النصف الثاني من رمضان لقادة ورجال القوات المسلحة وهو ما أكد انعدام النية في تنفيذ أي تحرك عسكري ، ثم تأكيد إشاعة تلوث الكثير من مستشفيات الجمهورية وإخلاءها الفوري لتطهيرها وبدء محاسبة المسئولين ، ونشر إشاعات عن نقص حاد في الاحتياطي الاستراتيجي لبعض السلع الغذائية وجهود حكومية لتدبيرها ، ثم أنباء عن نوايا تسريح دفعات ممن أمضوا بالقوات المسلحة أكثر من خمس سنوات فضلا عن فتح باب الأجازات للضباط والجنود دون قيود .
وعلى المستوى الدولي كان التأكيد على وصول الإحساس بعدم وجود نوايا للقيام بأي أعمال عسكرية خلال العام 1973م متفشيا بين سفارات وقنصليات مصر في مختلف دول العالم ، فضلا عن إيحاءات السادات المتعمدة بتمثيل دور الضحية المستسلم والباحث عن حلول بواسطة الطرق الدبلوماسية والأبواب الخلفية لواشنطن وموسكو وبعض الدول الأوروبية .
وببداية شهر أكتوبر 1973م بلغت خطة الخداع الاستراتيجي قمتها بتقارير المخابرات الأمريكية والإسرائيلية والفرنسية والبريطانية باستحالة قيام مصر بأية أعمال عسكرية على الأقل خلال الربع الأخير المتبقي من العام ، والتي بنيت اعتباراتها على ملامح حركة الحياة السياسية والاقتصادية بل والعسكرية والثقافية داخل مصر وخارجها .
واستكمالا لمخطط الخداع الاستراتيجي تم التنسيق على مخطط زيارات دبلوماسية متبادلة بين مصر وبعض الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا وموسكو لكبار الشخصيات السياسية والعسكرية ، فضلا عن تسريب احتمالات حدوث تغييرات في قيادات الجيش المصري ببداية العام وهو ما أكد استحالة القيام بعمل عسكري في المدى القريب .
ولم يبق سوى إجراءات الخداع التكتيكي على أرض المعركة والتي تكمل الصورة لتصبح حقيقية لا لبس ولا شك فيها ، وقد بدأت هذه الإجراءات بتكرار الإعلان أو تنفيذ مناورات بالذخيرة الحية في غرب القناة أكثر من مرة حتى يعتاد العدو على الجهة المقابلة على تكرارها وهي ما يسبقها حشد للقوات والوسائل والمعدات تتشابه مع الحشد للمعركة الحقيقية .
وهو ما تم بالفعل ولم يكن لدى المخابرات الإسرائيلية ولا الأمريكية أدنى شك بأنها إحدى المناورات المتكررة والتي لا يجب أن تحرك ساكنا أو يتكرر معها استدعاء الاحتياط وهو ما كان يكلف الجيش الإسرائيلي الملايين من الشيكيلات ، فضلا عن التذمر والرفض الشعبي بين طوائف اليهود من الاستدعاء المتكرر دون داع .
ويشاء العليم القدير أن تتوافق الرغبة في تحقيق المفاجأة والخداع في توقيت بدء تنفيذ العمليات مع أنسب توقيت طبيعي في انخفاض معدلات تغيرات اتجاهات تيارات المياه في القناة لأدنى مستوياتها لتكون بين الثانية والسادسة بعد الظهر وهو توقيت لم يسبق في التاريخ العسكري بدء العمليات فيه من قبل فقد اعتادت جيوش العالم بدء العمليات مع أول ضوء صباحا ، وما كان بشرا يتخيل أن المصريين لديهم القدرة على تغيير هذا النمط التاريخي مطلقا .
أفاد هذا التوقيت في الثانية ظهرا في تمكين قواتنا من استكمال إنشاء رؤوس الكباري وتمكين القوة الرئيسية للجيشين من عبور القناة وعلى رأسها الدبابات بعد فتح الثغرات تحت جنح الليل وبعيدا عن مراقبة وتدخل العدو وقبل تمكنه من استعادة توازنه ، وهو ما لم تكن تتوقعه القيادة الإسرائيلية .
ولا ننسى أن القوات الإسرائيلية على مواجهة القناة فوجئت بفقدانها قدرة الدفاع الرئيسية لمنع القوات من العبور والمتمثلة في شبكة مواسير (مدافع) النبالم والتي انتهت القوات الخاصة من تعطيلها بالكامل قبل بدء العملية ، فجنبت قواتنا خسائر فادحة أثناء العبور ، وهو ما كان من أخطر المفاجئات التكتيكية على مستوى الجبهة والمعركة .
ثم كانت أبرز المفاجئات المصرية لإسرائيل هي تمكن المصريين من فتح أكثر من 75 ثغرة في الساتر الترابي لخط بارليف الذي قال عنه موشى ديان أنه يحتاج لقنبلة نووية لاختراقه ، اخترقه المصريون في زمن قياسي لم يتعدى الساعات الستة الأولى وهو ما سمح بتدفق الدبابات والمدفعيات الثقيلة طوال الليل قبل أن تتمكن القوات الإسرائيلية من استعادة توازنها أو الدفع بالاحتياطيات لصد الهجوم ، وكانت المفاجأة الأكبر هي فتح الثغرات باستخدام مدافع المياه وهو ما لم يخطر على بال أحد في العالم ، حتى أن رئيس الأركان الأمريكي قال تعليقا على هذا الخبر (إنهم حقا فراعنة) .
وربما لم يعطى المقاتل المصري حقه والذي صعد الساتر الترابي في موجات العبور الأولى وهو يحمل وزنا يقترب من وزنه بخلاف حاملي المدافع المضادة للدبابات وسلالم الحبال ، وهو ما لم يسبق رصده في أية حروب أخرى مماثلة من قبل ليسجل المقاتل المصري أعلى درجات التحمل والقدرة على قهر واجتياز الصعاب في تاريخ العسكرية الحديثة ، والأغرب من هذا إصرار الكثيرين على عدم الإخلاء لعلاج إصاباتهم والاستمرار في القتال رغم الإصابة وهو ما اعتاد على فعله المصريون في ذلك الوقت كرموز للبطولة والفداء ورفض الحرمان من شرف القتال والاستشهاد في سبيل الله .
وكانت المفاجآت الأكثر تأثيرا هي تكتيكات استخدام القوات على الأرض ليسجل التاريخ العسكري أن المصريين استطاعوا مواجهة المدرعات الإسرائيلية المتطورة وهزيمتها فقط بواسطة الجندي المصري المترجل على الأرض ، وهو ما سبب الرهب الحقيقي لدى قادة التشكيلات المدرعة ، وجاءت نتيجته مرعبة باستسلام لواء كامل للمدرعات وقائده عساف ياجوري بعد أن دمر الرجال كثيرا من دباباته ورأوا بأعينهم الجندي المصري وهو يقفز بين جنزيري الدبابة وتمر فوقه ليقفز من خلفها ليعتليها ويلقي بقنابله داخلها وهم في ذهول من هذه البسالة والشراسة ، والتي سجلتها تصريحات القادة والجنود الإسرائيليين بعدها بأنهم رأوا مقاتلين لا قبل لهم بهم ولا يمكن إيقافهم .
حتى التسجيلات الصوتية لشارون نفسه وكان قائد فرقة مدرعة مع قائد الجبهة كانت يائسة ورافضة وصرح فيها بأنه لا يملك ما ينفذ به أوامر التصدي أو إيقاف القوات المصرية وما كان منه عند إصرار قائد الجبهة على تصديه إلا أن يقول له (دعني وشأني) وينهي الاتصال .
ولم يستغرق الإسرائيليون كثيرا حتى أدركوا أنهم يخوضون حربا مع جنود لا قبل لهم بهم ، فبرغم الجسر الجوي المفتوح لأكثر من أسبوعين بين واشنطن وأوروبا وميناء العريش وكم المعدات والأسلحة الرهيب التي تم الإمداد بها للجيش الإسرائيلي ، إلا أنهم أدركوا أنهم خاسرون منذ البداية ولا أمل في استعادة ما تم تحريره من سيناء ، بل وكلما طال أمد الحرب فسوف تزداد خسائرهم في الأرواح والأرض والمعدات والتي تم أسر الكثير منها مثل الدبابات التي لم تتجاوز مسافات سيرها على الأرض بضعة عشرات الكيلومترات من العريش حتى تدميرها أو الاستيلاء عليها ، فسعوا لإيقاف إطلاق النار وإعلان الهدنة لتنتهي فعليا على الأرض معالم أخطر وأهم معركة في التاريخ الحديث .
وأفاق العالم على باب جديد في التاريخ العسكري واستراتيجيات المعارك وتكتيكاتها يسجله المصريون بكل تواضع ومقدرة ولتفتح آفاق جديدة في أساليب استخدام القوات المسلحة ، وترسي قواعد مستحدثة لأساليب استخدام القوات المشتركة من شتى الفروع البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي بل وأساليب الارتقاء بقدرات الفرد المقاتل لما فوق المعروف والمألوف في جيوش العالم والأخطر والأهم هي آفاق وقدرات الخداع التكتيكي والاستراتيجي الجديدة .
وربما هذا ما ظهر جليا في إصرار القوات الأمريكية على الدفع بالقوات المصرية في مقدمة قواتها لتحرير الكويت ، بل وما سجلته مناورات النجم الساطع من تفوق مبهر للقوات المصرية في تنفيذ المهام وهو ما تجلى في التفوق المبهر والمتكرر لعناصر القوات الخاصة المصرية على عناصر النخبة المنتقاة من قوات المارينز الأمريكية في مختلف بيئات العمليات البرية والبحرية والجوية خلال المناورات ، وهو رسخ قناعة عالمية وأهمها لدى الجانب الأمريكي والإسرائيلي بأن هذا الجيش من أقوى جيوش العالم كفرد مقاتل ، ليؤكد مقولة هتلر اعطني جنديا مصريا وسلاحا ألمانيا وسأغزو العالم ، ويعيد للأذهان ويرسخ قوله رسول الله ، (فهم خير أجناد الأرض وهم وأهليهم في رباط إلى يوم القيامة) .
ولا يمكن أن ننسى انصياع الإدارة الأمريكية لقرار الجيش المصري أخيرا منذ شهور بتأييد الإرادة الشعبية في ثورتها على نظام الإخوان الفاشل ، وذلك لعلمها اليقيني أن هذا الجيش من أعظم وأرقى جيوش العالم انضباطا وتنظيما وترابطا داخليا وشعبيا ، وهو ما أدى لتذبذب مواقفها المتكرر ثم انصياعها أخيرا وتأييدها لشرعية الشعب المؤيد من جيشه ، وتخليها ولو مؤقتا عن تنفيذ مشرعها الشرق أوسطي بعد تقرير البنتاجون عن الجيش المصري وقبلها تجربة الاضطرار لتراجع الأسطول الأمريكي عن المياه الإقليمية بعد مفاجئة قدرات القدرات الجوية المصرية الغير متوقعة أو مرصودة .
ولعل أبرز أمثلة الفشل والخسارة لمن لا يدرك قيمة وقدرات وترابط هذا الجيش المصري هو السقوط السريع والمدوي لجماعة الإخوان ومؤيديهم من سدة الحكم في مصر وذلك أنهم لم يقدروا الجيش المصري حق قدره وظنوا أنهم أمام تنظيم مسلح يمكن اختراقه وترويضه وربما تفكيكه مثل غيره من الجيوش الأخرى ، فصدمتهم حقائق جهلوها تماما وخدعهم مظاهر الانضباط فظنوا أنه الخضوع وتلك كانت آخر حلقة من مسلسل الخداع الاستراتيجي والذي نفذته قيادات القوات المسلحة مع رئيس وجماعة تولوا حكم هذا الوطن في غفلة من الزمن وهي فاقدة للولاء لهذا الوطن والأهم فاقدين القدرة على تقدير هذا الجيش حق قدره ، فكانت نهايتهم على يديه .
ولا تنفرد الجيش المصري بهذه القدرات عن شعبه ، فهو ذخيرة جنده ورجاله ولكن القوات المسلحة تثري وتنظم وتعلي من شأن هذه القدرات لأفراد شعب يتميز بقدرات على الصبر والتحمل والصمت والسكون حتى يتخيل الجهلاء والمغيبون أنهم لن تقوم لهم قائمة ، ليفاجأ الدنيا بأسرها بطوفان ثورته وقدراته على التغيير العبقري وهو قاله الحجاج بن يوسف الثقفي يوما لأحد المرشحين لحكم مصر ( لو ولاك أمير المؤمنين مصر فعليك فيهم بالعدل ، فإنهم قتلة الظلمة وهادمي الأمم ، واتخذ منهم جندا كثيفا فهم خير أجناد الأرض ، ولا يغرنك صبرهم وحلمهم واستكانتهم ، .. واعلم أنهم صخرة في جبل كبرياء الله) ، وهو ما أثبته المصريين على الأرض حقيقة واقعة على الأرض بتسجيل أعلى وأرقى مستويات الخداع الاستراتيجي والقدرات القتالية والعزيمة والبسالة في انتصاراتهم التاريخية على مر التاريخ والتي أبرزها انتصارهم على التتار بعد اجتياحهم العالم في موقعة (مرج دابق) ثم على الصليبيين من كل أوروبا في (حطين) .
تلك هي رسالة نذكر بها الصديق قبل العدو ، ونؤكد عليها أكثر لمرتعشي الأيدي ممن يتولون زمام الأمور في مصر وهم ربما يتوجسون خيفة من الغد أو لا يخلصون الولاء لهذا الشعب .. ربما ، أو لعلهم لا يقدرون الأمور بحق قدرها ، ولذلك فهو إنذار وتحذير بأن هناك حماة لمستقبل وأمن مصر القومي جندهم الله لحفظ درته على أرضه (مصر) ، ولن يستهينوا أو يتهاونوا ولو بالسكوت على التفريط فيه بارتعاش الأيدي خاصة في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ هذا الشعب .
ونذكر الجميع أن هذا الجيش قد سطر بفكره وقدرات رجاله دروسا جديدة في علوم القدرات القتالية وأبرزها الخداع الاستراتيجي بمختلف مستوياته ، بل وغيروا من أسس هذا العلم وثوابته في جميع المعاهد والمراكز الاستراتيجية في العالم ، وما زالت مستويات الخداع الاستراتيجي المصرية تمثل آفاقا جديدة وخصبة لمعظم دارسي الاستراتيجيات في العالم ، ونقولها .. لعل بعضا من المعنيين يعي جيدا تحذير الجنرال السيسي ويستوعب فحواه ومداه قبل فوات الأوان .
حمى الله مصر وسدد خطاها لمستقبل أرقى وأفضل ،،