يتفاوت البشر كثيرا في قدراتهم الفكرية (العقلية والنفسية) ويختلفون أكثر ، وهو بالقطع نعمة ورحمة وضرورة لتفاعلات استمرار الحياة فيما بينهم على الأرض ، ولكن دوما هناك نطاقا أو حيزا مجتمعيا عاما لا يجوز تعديه ومن يتعداه يعتبر مجنونا أو متطرفا أو مخبولا أو متخلفا وهو أكثرهم خطورة لتوغله وانتشاره دون الحذر منه ، ونطلق عادة على الحيز المقبول للقدرات والتفاعلات الفكرية في أي مجتمع مسمى (العقل الجمعي) .
وبغض النظر عن القيم الاجتماعية والبيئية التي تفرض نفسها فتحدث اختلافا من الشعوب والأمم ، فإنه هناك دوما حيز التقاء للبشر جميعا يتفقون فيه على ثوابت بشرية يجمع عليها البشر جميعا وهي ما ترسم الخطوط العريضة لسمات وخصائص الإنسان أينما كان .
ولا شك أن للزمان تأثيره الحاد على تطور ملكات العقل الجمعي للبشر في المجتمعات المختلفة ولكنها في النهاية تحافظ على ثوابت بشرية لا يمكن الفكاك منها أو تغييرها مثل الزواج والحمل والولادة والرضاعة والتربية للأولاد والعلاقات الإنسانية والمشاعر والانفعالات وأكثرها شيوعا عند مواجهة المرض والموت .
وعبر التاريخ تزايدت علوم الإنسان وقدراته الفكرية (النفسية والعقلية) وهو ما لمسناه في تزايد تكليف الخالق لخلقه من البشر بالتدريج عبر تدرج الأديان والرسالات من أوراق إدريس مرورا بصحف إبراهيم وأسفار ووصايا موسى وإنجيل عيسى حتى الدستور الكامل في القرآن ، وناهينا عن ردود أفعال البشر حيال كل منها وصراعاتهم الحمقاء للانفراد بالقرب من الله فإن هذا التدرج هو أبلغ دليل على تدرج ارتقاء القدرات الفكرية (النفسية والعقلية) للبشر عبر التاريخ البشري على الأرض .
ولم يكن عجبا أن يرفض اليهود نبي الله عيسى وهو منهم ومن سبط أبناء يعقوب أبو اليهود فكذبوه وحاربوه ثم في النهاية يعترفون أنهم قتلوه وما زالوا غير مؤمنين بأن من قتلوه أو حاولوا قتله كان هو المسيح عيسى المبشر به في توراتهم المخفية ، رغم أن الديانة المسيحية انتشرت وأصبح المؤمنين بها أكثر من مئات الأضعاف من عدد من تبقى من اليهود .
ولم يكن بالقطع عجبا أن يرفض اليهود والمسيحيون رسالة الخاتم محمد (صلى الله عليه وسلم) خاصة وأن كل فئة منهم قد اختلفوا فيما بينهم فاليهود أخفوا التوراة وأخرجوا صورا متعددة لكتابهم وما أسموه بالتلمود ، وتبعهم المسيحيون واختلفوا وأفرزوا 360 إنجيلا والتي اختصرها وجمعها الإمبراطور قسطنطين العظيم في أربعة أناجيل بإشراف وزيره مكاريوس اليهودي الأصل والديانة و برعاية الأم القديسة هيلينا ليخرجوا للمسيحيين أربعة أناجيل كانت سببا في انقسام المسيحيين لأكثر من عشرين ملة ومذهبا مختلفين جوهريا ويكفر بعضهم بعضا ، وفي النهاية ينكر اليهود والمسيحيون رسالة محمد رغم أنهم يعلمون صدق كل العلامات الواردة في كتبهم التوراة والإنجيل ببشارات الرسول الخاتم على هذا الرسول وكتابه الجامع .
ولم يسلم المسلمون من الضلال فبرغم الفشل البشري في تحريف القرآن ولو في حرف واحد ، إلا أن المسلمين وغيرهم ممن حرصوا على الضلال قد كانوا سببا في ضلالات الفهم وبالتالي انقسام المسلمين لأكثر من سبعين فرقة وجماعة وفيها من التطرف ما لا يقل عن تطرف اليهود والمسيحيين من قبلهم .
ولا شك بالقطع أن الضلال هو خطيئة متفشية بين البشر وهو أخطر سلبيات سوء استخدام الإنسان لقدرته على الإتيان بجديد (الإبداع) والتي منحه الله إياها ليعمر الأرض ويطورها للأفضل ، فما كان من البشر إلا أن استخدموها ليزوروا رسالات الله لهم ويبتدعوا مللا وأديانا جديدة رغم أن الله حذرهم مرارا مثل قوله تعالى ( قل أتعلمون الله بدينكم) وقوله تعالى (ءأنتم أعلم أم الله) .
ولاشك أيضا أن رفض التغيير والاستماتة في الحفاظ على التراث الفكري والنفسي هي أحد أخطر آفات النفس البشرية وهي لا تتعارض مع الرغبة في الإتيان بالجديد (الإبداع) ، لأن أصحابها يرفضون الجديد من غيرهم في حين لا يتورعون عن ابتداع الجديد ومحاولة فرضه على غيرهم ، فهم متصلبين الفكر تجاه غيرهم ومتطرفين في الابتداع بأهوائهم .
وخروجا من قصة العته والضلال البشري عبر التاريخ نجد آفة التصلب الفكري ما زالت متفشية في البشر ومتأصلة حتى يومنا هذا وهو ما نراه واضحا وببساطة في رفض كبار السن التعامل مع مستجدات الحياة وأبسطها مثلا الفارق بين طفل في المرحلة الابتدائية يمارس الشات ويخترق المواقع الإلكترونية بتليفونه المحمول ، في حين جده وربما والده يعتبر نفسه متطورا بحمله لتليفون محمول من أحدث الطرازات ولا يعرف عنه سوى الرد على المكالمات .
وذلك ما نسميه فقدان المواكبة لآليات العصر وهو آفة خطيرة تتمثل في الرفض النفسي لتعلم الجديد وربما العجز النفسي والعقلي عن تقبله والتعايش معه ، أيا كان السبب فهي آفة خطيرة تصنع فجوات كبيرة وعميقة بين الأجيال ، وهو ما يجعل المسافات النفسية والعقلية بين الأجيال كبيرة خاصة في العقدين الأخيرين .
ويعتبر أشد الناس تعرضا للإصابة بمرض فقدان المواكبة هم المنتمون لجماعات منغلقة وأصحاب الفكر المتجمد والرافضين لقبول أي فكر جديد يخالف أو يتعارض مع ما يؤمنون به ومثالهم الفج والخطير هم الإخوان المسلمين والسلفيين والذين برغم براعة استخدام شبابهم لقدرات شبكة الإنترنت إلا أن كبارهم لا علاقة لهم بذلك حتى أن أكثرهم مهارة لا يعرف سوى كلمات يكتبها في حسابه على التويتر أو الفيس بوك وربما يكتبها عنه شاب آخر ، ولكنهم جميعا كجماعة منغلقة رافضين مثلا .. تصديق أن مرسي قد رحل ورحل زمانه ولن يعود ، بل والعجيب أن شبابا منهم يحدثك عن معجزات مرسي وكأنه نبي يوحى إليه وهو ما يتعارض مع كل الثوابت والقيم سواء العقلية والمنطقية أو في جميع الأديان السماوية وخاصة الإسلام ، بل وتجد منهم من يؤكد أن الرسالة انتهت ولكن الوحي مستمرا وينزل على قادتهم حتى وإن كانوا شواذا ومسجلين .
ولا يختلف الحال كثيرا عندما تجد الجهل والحمق يتعانقان في قنوات ووسائل الإعلام الإخوانية والسلفية لتشاهد من شربت أمه بول أبيه لتعرف مقياس السكر عنده ، وآخر يروي لك كيف نزل جبريل على المصلين في رابعة وأخرى تروي لك كيف صلى مرسي إماما برسول الله وآخر يدعي ظهور العذراء مريم في مسجد رابعة ناهيك عن الوعود بدخول مرسي لقصر الاتحادية أكثر من عشر مرات ولا يصدقون أنها أكاذيب وضلالات رغم أنها لا تتحقق أبدا .
ولا يختلف الحال كثيرا عندما تتابع الأداء المرتعش تحت وطأة الزهايمر الوزاري في وزارة الببلاوي ، وكأنهم وزارة جاءت تستجم من عناء السفر عبر الزمن ، حتى سمعنا عن معونة خارجية لا تجد أحد يريد أن يتحمل مسئولية تحديد مطالبه أو التوقيع على مطالب لهذا الشعب منها ، بل والأغرب كأنهم لا يعرفون مطالب هذا الشعب ولا يشعرون بوجوده إلا بالصراخ والعويل والانتقاد اللاذع .
ولست ألومهم فمن قاموا بالثورة وحددوا مطالبهم يفصلهم عن رئيس الوزراء أكثر من نصف قرن من الزمان عاشه رئيس الوزراء في عصر التليفون الخشبي بالمانوفيلا ، والراديو الموبيليا ذو اللمبات (الصمامات الكاثودية) في حجم التوك توك ، وهو ما صنع الفارق في سرعات الفكر والاستجابة وهو ما نراه جليا في استمتاع أجيال بأم كلثوم وهي تردد الآهات لأكثر من عشرين مرة على مدى نصف ساعة وشاب سمع خلال النصف ساعة نفسها أكثر من عشرة أغنيات مختلفة المصدر وربما اللغة ورجل يردد في حمامه (ودع هواك) وولده يمارس البوب أو الراب طوال يومه .
فكيف يلتقيان .. ؟؟ فمن المستحيل أن تجبر شابا أن يتخلى عن سيارته الميني كوبر أو الفيراري ليسافر راكبا السوارس أو الجمل أو الحنطور ، وبالتالي لن تنجح العلاقة ولا الرحلة لسيارة فيراري تحمل شبابا ويقودها شيخ بمنطق وسرعة السوارس .
لا شك أن فقدان مواكبة آليات العصر هو من أسقط مبارك ، وحسم رحيل طنطاوي ومجلسه العسكري وكذلك قذف بمرسي العياط وجماعته للمجهول ويبدو أن الببلاوي ووزراءه لم يتعلموا الدرس ولم يعوه جيدا وموعدهم مع الرحيل يقترب وربما كان أقرب لهم مما يحلمون ، فالزمن لا يتوقف والحياة لا تعرف التراخي ولكل زمن رجاله وآلياته .
وأخيرا .. كلمة نسرها في أذن المتأسلمين ومدعين الدين ومستخدميه من أجل السلطة .. ، برغم كل ما تفعلونه لتشوهوا القوات المسلحة وتسيئوا للسيسي فإن نجمه يتعالى كل يوم عالميا وإقليميا ومحليا أكثر مما تتخيلون في أفظع كوابيسكم .. فقط لأنكم رافضين أن يتواكب فكركم مع آليات العصر النفسية والعقلية وهو ما يجبركم على التورط في الأخطاء القاتلة يوما بعد يوم فتسطرون بأيديكم وعقولكم المتصلبة أسوأ نهاية لفكركم وجماعاتكم المتخلفة .
ونصيحة أسرها لنفسي كل يوم .. وأرسلها لكل رجل وامرأة .. لا تترك يوما واحد يمر دون أن تتعلم شيئا جديدا وتعلم غيرك شيئا لا يعلمه فالعلم كالمال يزداد ويكثر بالتداول ويقل وينعدم بالاكتناز والبخل ، والعقول والنفوس تثرى بالعلم وتداوله وتموت وتندثر وأصحابها أحياء بالجهل والإصرار على الجمود والتصلب الفكري .