بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
لا شك أن المتابع لما يحدث الآن في مصر سيصيبه الكثير من القلق وربما الهلع مما تشير له تطورات الأحداث والتفاعلات السياسية المتطاحنة بين مختلف الاتجاهات والانتماءات حتى لا تكاد ترى جبهتين أو حتى شخصين متفقين على شيء واحد .
فمدعين الدين وحماة حماه تفرق شملهم وتتزايد الهوة اتساعا بينهم ، فالإخوان تخلى عنهم السلف وتبعهم الجماعات والجهاديون والذين اكتشفوا مؤخرا أنهم كانوا مستخدمين بلا ثمن وخاسرون في جميع الأحوال فتفرق شمل الفرقاء حتى أنهم لم يجدوا صيغة واحدة لاتفاق واحد مكتمل بينهم يمكن التعويل عليه ، وعلى الجانب الآخر نرى الاختلافات والصراعات المتأججة بين طوائف القوى المدنية على مواد الدستور خاصة في حقوق التمثيل في المجالس النيابية والتي يرغب البعض في كوتات مستحقة لفئات بعينها فضلا عن فئات تقاتل من أجل مطالب أو امتيازات فئوية .
والحكومة مشتتة ما بين انتقادات الجميع ومهام صعبة وثقيلة وأيادي ما زالت مرتعشة تحاول السيطرة على مفاتيح خارطة الطريق وعيونها على ردود أفعال الخارج قبل الداخل ، وأحزاب هلامية اختفت آثارها من الساحة تماما وكأننا لا نسمع عنهم إلا عندما يكون هناك توزيع للأنصبة من تورتة الانتخابات أو الاستفتاءات .
ومرسي وجماعته والذين يبدون ظاهريا وكأنهم يعيشون في وطن آخر ، ولكنهم في الحقيقة ينفذون خطوات مدروسة لمخطط الوصول لأفضل شروط التفاوض ، فلو نجحت الخطوات كاملة ولو على المدى الطويل فسوف يستطيعون العودة للحكم ولو على جثة الجيش المصري ورقاب الشعب من خلال تدويل القضية واستجلاب قوات دولية تحت مسميات الديمقراطية والشرعية بمسلسل مشابه لمسلسل صدام في العراق ، ولذلك هدفهم الأمثل أن تفشل خارطة الطريق في تحقيقها كما يسعون ويعملون بكل تفان وجهد مدعمين من الخارج بقوة ومن الداخل بواسطة فئات المتآمرين المتنوعة .
ولو فشلت بعض الخطوات فقد يستطيعون الحصول على موقف أفضل للتفاوض بما ينهي الأزمة بالتضحية ببعض القيادات والعودة للمشاركة في الحياة السياسية بقوة سواء من خلال كوتة أو تحت ستار بعض الأحزاب المباعة والمستولى عليها بالأموال وما أكثرها ، ولو فشلت معظم الخطوات فليس أمامهم سوى هدم المعبد على رأس الجميع ربما يستطيعون تحويلها لسوريا جديدة .
ومخطط صدام حسين هو السيناريو المتفق عليه بين التنظيم الدولي والمخابرات الأمريكية وتضع أمريكا عليه آمالا كبيرة فهو أنسب الحلول والفرصة الأخيرة لعودتها لاستكمال خريطة الشرق الأوسط الجديد التي هدمتها ثورة الشعب في 30 يونيو في ذروة أوقاتها حرجا وقبل إتمام عمليات التسليم والإعلان النهائي لبداية لتقسيم مصر ، وهو ما ظهر واضحا في مناقشات الكونجرس الأخيرة منذ أسبوع حيث اعترض أحد الجمهوريين بقوله ولكن سيناريو صدام قد لا ينجح في مصر لاختلاف الظروف السياسية والشعبية في مصر .
وكعادة المخابرات الأمريكية فآليات إدارة السيناريو لابد وأن تكون متعددة ومتباينة الوسائل والبدائل لتحقيق أعلى قيم النجاح في أقصر وقت ممكن ، فالإدارة الأمريكية الحالية لا تملك فرصة أخرى لتغيير المخطط ولا تملك الإفلات من شراسة الفك المفترس للجمهوريين خاصة في ظل أحد أشد ردود الأفعال المصرية شراسة وقسوة بالتقارب المصري الروسي وتوقيع صفقات فعلية كبيرة وصلت بالفعل بعضها للجيش المصري ، والذي يراه الأمريكان كنتيجة مباشرة لغباء وحمق الإدارة الأمريكية الحالية .
والمخطط يقتضي استمرار إثارة الإخوان للقلاقل والمظاهرات والعنف في الشوارع والمؤسسات في محاولة لاستنزاف الشرطة وعناصر الأمن الداخلي ، واستمرار الإرهاب بواسطة بقايا الجهاديين في سيناء والمدن النائية والحدودية مدعومة من المخابرات الأمريكية وقطر وحماس في محاولة لإرهاق الجيش ، فضلا عن محاولات السلفيين داخليا لشق الصف وتفتيت وحدة الشارع السياسي كالعادة في تنسيق وتعاون مع عملاء أمريكا المسيسين ومدعين المصالحة والتوافق ومخنسين السياسة وأصحاب الوجوه المتقلبة والعاملين لتفشيل أية جهود لعبور الفترة الانتقالية أو تحقيق أي تقدم في اتجاه الاستقرار .
ويحاول البعض التشكيك في استمرار الدعم العربي تحت مسميات وادعاءات حاقدة ومختلة متناسيا أن الدعم العربي أيا كان مصدره خاصة الخليجي إنما هو دعم للحفاظ على القوة الوحيدة القادرة على الردع السلبي قبل الإيجابي لأي تهديد محتمل لهذه المنطقة خاصة بعد انهيار واستنزاف الجيشين العراقي والسوري وهي حقائق لا ينكرها أحد بل وتعد قدرات الجيش المصري آخر العراقيل وأخطرها لاستكمال تنفيذ مخطط التقسيم للدول العربية وعلى رأسها السعودية والإمارات .
ويشكك الجهلاء في جدوى الدعم العسكري الروسي ومنهم من يدعي عدم القدرة على استيعاب أو تغيير بعض نظم التسليح سريعا متناسيا أن الجيش المصري يتميز بتنوع مصادر تسليحه منذ زمن بعيد ، فضلا عن قدراته الفريدة على سرعة استيعاب أي نظم للتسليح قد تصل أقصاها لأسابيع قليلة وربما أيام في بعض الأنواع مثل الدبابات والصواريخ .
وصدق الله في قوله تعالى (.. فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } الحج46 ، فالإخوان ومؤيدوهم لا يريدون مواجهة الحقائق والتعامل معها ولا يريدون أن يصدقوا أنهم رحلوا ولن يعودوا ، وكذلك تحاكيهم الإدارة الأمريكية والتي لا تريد أن تصدق أنها وبيديها أطلقت العنان للمارد المصري الجامح بل وعلمته بحمقها أن يغامر ولو بحياته قبل أن يخضع لهوان اللجام الأمريكي مرة أخرى ، بل ومن عمق الغباء أن يتصور الإخوان والغرب أن الأمر محصور في شخص السيسي ويتناسون أن مصر قد ولد فيها في غمار ثورته أكثر من مليون (سيسي) بل وربما أشد شراسة وعداء للصهيونية وأذنابها ومؤيديها من الفريق السيسي ورفاقه .
ربما تكون الصورة الحالية عند البعض ضبابية وبلا ملامح ولكن يكفي أن نخرج من المرحلة الانتقالية بتنفيذ الحدين الأدنى والأعلى للأجور وصفقات أسلحة متطورة لم ترى مثلها مصر منذ أكثر من أربعين سنة ، وارتفاع الاحتياطي الاستراتيجي لأكبر من حدود الأمان وتقدم مصر درجتين في التقييم الائتماني العالمي ، وبدايات إصلاح في مؤسسات سيادية بعينها ، وتخلص نفسي ومجتمعي من خداع الإخوان والسلفيين بل وكل مدعين الدين والمتمسحين فيه ومؤيديهم من الطابور الخامس من الليبراليين والعلمانيين والمنفذين لأجندات صهيونية بالثمن .
وربما يظن البعض أننا لابد وأن نسير وفق ما تريده منا الإدارة الأمريكية وحلفاؤها في الغرب ، بل ويظن بعض المتحالفين ضد هذا الشعب أنهم لو استطاعوا عرقلة صدور دستور أو تنفيذ انتخابات برلمانية أو رئاسية لفترة طويلة يكونون بذلك قد حققوا مرادهم وباتت فرصتهم مواتية لعودتهم لحكم مصر بدعم خارجي ، ولا يدركون بأنهم يحلمون بالمستحيلات لسبب واحد وبسيط ، وهو أن الشعب المصري حالة خاصة وفريدة من شعوب العالم وما ينطبق على غيره لا يصلح أو يفرض عليه ، وما يفرضونه أو يفترضونه ليس بالضرورة هو الطريق الأوحد والأمثل لهذا الشعب وستثبت لهم الأيام والأحداث القادمة فشل كل أحلامهم ومؤامراتهم وتوقعاتهم في الغد القريب والبعيد .
وليس ما نقوله أحلام ولا أمنيات فأبسط ما يمكن أن يحدث هو تكرار التفويض السابق مرة أخرى خاصة في ظل ما يتورطون فيه من إرهاب وتآمر وعمالة ، وحينها لن يملك أحدا القدرة على الاعتراض أو الوقوف في وجه هذا الشعب إلا من هبهبة ونحنحة وبعض المأمأة لا تؤثر إلا في زيادة أحزان وهموم أصحابها في الداخل والخارج ، فالشعوب وخاصة هذا الشعب بركان جارف لا يبقى في وجهه ولا يذر ، ومن لا يصدق فليقرأ التاريخ ويعيه جيدا قبل أن يصدر فتاوى أو توقعات



