بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
تتحجر الكلمات لدينا عندما تباغتنا مواقف مؤلمة .. أو ذكريات حزينة .. وربما لأسباب لا ندركها في حينها سواء كانت مفرحة أو حزينة .. ولكن جلال الموت هو أكبر حدث يكبل الحروف ويصادر المشاعر وقد يفجر انفعالات عشوائية عند البعض خاصة لو كان المفجوع أما أو زوجة أو إبنة أو أختا ..
لم يكن اغتيال محمد مبروك الأول من نوعه وربما لن يكون الأخير طالما نحيا مع بشر لا يقيمون للدم البشري حرمة ويرون أن الدماء أنواع ودرجات ، فدماءهم طاهرة نقية تنتمي لدماء البناءون العظماء في الترتيب الماسوني للبشر وغيرهم دماءهم رخيصة مهانة ومهدرة وأصحابها في النار مهما فعلوا وأصلحوا فلا قيمة لهم .
ليس الأمر بجديد فهو فكر ماسوني قديم ابتدعه اليهود منذ أكثر من عشرين قرنا من الزمان على فأورثهم الحرص على الوصول لحكم العالم ، وتنامت الفكرة لتصبح تنظيما متشعبا ومتعددا في تكوينه وتنظيمه ، ويخترق التنظيم جميع الديانات السماوية وغير السماوية مستغلا انحرافات النفوس البشرية وشهواتها في التسلط والتميز على البشر دون وجه حق ، فيمنحهم الانتماء لهؤلاء ما لم يكونوا يحلمون به بقدراتهم الشخصية سواء العلمية منها والعملية .
فترى مثلا شخصا مكنه الله سلطة ، ولكنه محدود القدرات والإمكانيات الشخصية لحد بعيد ، فهو علميا دون المستوى رغم حصوله على أعلى الشهادات ، وأخلاقيا أقل من المستوى ولذلك فهو لا يستحي أن يكذب ويدلس ويتآمر ويقتل في سبيل أقل أنواع المكاسب ، وتكون الطامة كبرى لو كان يمتلك نفس عنيدة طماعة وجشعة ، فاقد للقدرة على التحكم في سلوكياته ، ولديه الاستعداد ليكون طاغية أحمق وغبي بكل ما تحويه الكلمات من معان متدنية .
والغريب أن كثيرا من هؤلاء يعرفون جيدا أنهم مستخدمون لتحقيق أهداف هي أكبر من وجودهم ذاته ، ولكنهم يخدعون أنفسهم بأوهام القدسية والتبجيل المزيف ولا مانع من استخدام عته القروي الساذج الذي يغمض عينيه فيظن أن الظلام حالك ولا أحد يراه ، ويلعبون دوما على وتيرة أن تكرار الأكاذيب يحولها لحقائق لدى الجهلاء ، وهم يعتقدون أن كل البشر كذلك ولذلك فالافتراض مؤثر ويحقق المطلوب بفرض ما يريدون فرضه على البشر .
ولذلك لا تستطيع مناقشة أو مجادلة إخواني أو سلفي مهما كنت صبورا وعالما أو متعلما وذكيا ، فهو أقدر منك على التسويف والتدليس والإنكار لكل ما يقوله ولو بعدها بثوان ، ولكل حقير لديه تبرير ولكل جريمة لديه جريرة ، فلا أمل لك أن تقنعه أو تفهم منه حقيقة ، وكأن العدوى بأخلاق تاجر البندقية شيلوك اليهودي قد تفشت بين البشر .
ليس الأمر كما يرفضه البعض كفكر المؤامرة ، فالموضوع أكبر من التآمر بكثير وإن كان قد بدأ مؤامرة منذ قرون ولكنه اليوم بات مرضا مزمنا تفشى في النفوس ، فمن ليس ماسونيا بالانتماء للتنظيم كالإخوان أو السلف فهو قد تعرض لفيروساتهم وأصابه الكثير منهم ، فضلا عن نفوس خربة ومدمرة ولديها الاستعداد لفعل أي شيء حتى القتل والتخريب من أجل المال أو السلطة وأمثالهم كثير من مدعين الثورة وراكبي الأمواج وأذناب العمالة ، فترى المتعاطفين والمؤيدين بل وكثير من المعارضين يؤيدهم أو حتى يعاديهم بنفس أساليبهم المتدنية وربما أكثر تدنيا .
فإذا كان المجتمعات قد تفشى فيها انعدام الضمير والحياء فانتشر الاختلاس واستحلال الأجر دون عمل والرشوة والمحسوبية والسرقة والنهب والنصب والاكتساب دون وجه حق على اعتبار أنها مهارات وشطارة وفهلوة وقدرات متميزة ، فكيف تطالب أحدا أن يكون شريفا وأمينا في نواياه وكلامه وأفعاله وسلوكياته تجاهك ، أم أننا احترفنا فقط الولولة على المثالية عندما نضار مما اعتدنا عليه واستمرأناه واستمتعنا بممارسته من انحراف .
وإذا كان المجتمع قد تفشى فيه العلاقات المحرمة ولا تتورع النفوس عن ممارستها متى تيسرت بل وتسعى لها وتدبر تسهيلاتها ، في ظل وسائل الإعلام التي لا تتوانى عن الترسيخ لفكرة إطلاق العنان لممارسة العلاقات الحميمة وفقا للرغبات والشهوات ودون قيود فترى (العشق الممنوع – حريم السلطان - فاطمة - ونكدب لو قلنا ما بنحبش) تحت مسميات الحب والعواطف السامية والمصالح العليا ، ويفجعك (القشاش - عبده موتة - الألماني ) ثم نتساءل لماذا قتلوا محمد مبروك ومحمد أبو شقرة ونبيل فراج وأكثر من ستمائة ضابط وجندي من الشرطة والجيش .
فالنفوس تتشابه ولكن بدرجات متفاوتة فيما بينها ، فنفوس استحلت بالأمس ممارسة الزنا في الشوارع في نهار رمضان باسم الجهاد لا تختلف عن من حاولت اغتصاب طفلة ثم ألقت بها من الدور العاشر ولا عن نفوس قتلت أبرياء يحتفلون بزفاف في كنيسة وهي النفوس التي خطفت سيدة أو فتاة واغتصبتها ، وهي أيضا من استحلت قتل الأبرياء واغتصاب الرجال والشباب باسم الأمن والسلم الاجتماعي ، وهي من قتلت زوجها بمساعدة عشيقها ، وهي بالقطع لا تختلف كثيرا عن النفس التي تنفعل بشدة وتلعن وتسب من فعل هذا ، ثم تصب جام غضبها على غيرها وأولهم الدولة التي لم تمنع هذا أو تحمي الضحايا .
نعم هي درجات متفاوتة من الانحراف النفسي ، ولكن الكارثة أن العقل الجمعي للمجتمع المصري قد تخطى كثيرا من الحدود والخطوط الحمراء حتى أن بعضنا لا يستحي ولا يستنكر بل يستمتع بمشاهدة قصص العشق الملتهبة في مشاهد محبوكة لجذب المشاهد للتعاطف معها رغم أنها خيانة بكل صورها ومنافية ومخالفة لكل الأعراف البشرية والديانات السماوية وغير السماوية ، لتجد هذه النفوس ذاتها تستحل أن تتجاوز في الطابور في أي مكان لتغتصب حقوق غيرها لصالحها ، وتستمتع بالسير في المعاكس ، ولا تتورع عن استغلال الواسطة والمحسوبية لتغتصب حق غيرها ، لتكون هذه النفوس التي يمكن أن ترتكب أفظع الجرائم بدم بارد لو تيسر لها الموقف والرغبة .
ولا ننكر حقيقة أن النفس أمارة بالسوء ، والشياطين توسوس ، وفتن الشرور في الدنيا خطيرة ، بل ولا ننكر أن أعذار المضطرين لمجاراة الطابع العام للحياة هي الأخطر ، ولكن يبقى أن دخول الفكرة والرغبة إلى حيز التنفيذ هو الانحراف بعينه وهو وقدرة على ارتكاب الخطأ بل والخطيئة بلا رادع نفسي أو حياء ، فإن لم تستطع كل نفس أن تردع نفسها عن التورط في تنفيذ الانحراف فسيصبح الانحراف عادة وسمة للمجتمع كما هو يتزايد ظهوره الآن .
وقد كانت إلى عهد قريب تتميز مجتمعاتنا المسلمة والمصرية خاصة بقدر عال من النظافة والطهارة الجنسية وهو ما كان أحد أهم وأبرز نقاط تميزنا عن كل المجتمعات وقد كان يكفينا أن يعرف كل منا أباه وجده وعمه وخاله ، فإذا بذلك يبدأ في الانهيار ويسقط ويدمر بأيدي مدعين الدين أولا قبل المنحرفين والمقلدين للغرب ، لأن المفرطين والمتهاونين وغير الملتزمين أنفسهم كانوا وما زالوا حريصين أن يتزوجوا من المحصنة المستقيمة محافظين على طهارة بيوتهم ، ولكن الكارثة أن مدعي الدين لديهم سبلا يخجل الشيطان عنها وباسم الدين ،فبعضهم مثلا يسلم امرأته وبناته ليمارسوا الدعارة بلا رابط ولمن يريد باسم الجهاد ، ورغم إنكارهم المتكرر ، إلا أن الحقائق تفضح نفسها مثل ما عرفه الناس أن فلانة أمينة المرأة في الحزب الديني يتضح أو يفتضح عضويتها للتنظيم الدولي لجهاد النكاح ولم تنكره ، بل اعتبرته شرفا لها ومجدا وباسم الدين الذي هدموه ، وبعضهم يستحل أن الزنا تحت مسميات وهب النفس .
وبرغم أن الانحراف والإقدام على الجرائم درجات ولكنها في النهاية بابا واحدا ، وكلما تركناه مفتوحا كلما هبت علينا رياح الفساد والدمار من كل صوب وجهة ، وستستشري المفاسد حتى تصبح حقوقا ودون حياء ، حتى أننا رأينا من لا يستحي من نفسه من يرى الحياة حرية في أن يفعل ما يحلو له ، وكفانا أن بيننا من نسميهم نشطاء سياسيين وبعضهم مثلا قد تجاوزوا خطوط الانحراف الطبيعي وبلغوا حدود التخنث ويمارسون الشذوذ بكل صوره النفسية والجنسية بكل فخر وإباء تحت مسميات الحرية بل وبعض مدعين الدين لا يجد حرجا في ممارستها متخفيا أو بفتوى .
ولست أدري كيف ينصلح ما انكسر في مجتمع احترف الجدال ، وكفانا أننا لا نستطيع التوافق على مواد الدستور المزعوم ، فكيف سنتوافق على إصلاح مجتمع ، وبالتالي فلا يملك بشرا أن يسيطر على غيره فالعادات الاجتماعية صعبة التغيير خاصة لو كانت تعيد فرض قيودا قد تحرر منها الكثيرون .
ولكن يبقى المبدأ الفطري الذي تعلمناه من التاريخ البشري وهو أن إعادة بناء البشر وإصلاح نفوسهم يبدأ دوما برجل مخلص وأمين ويعاونه بشرا أكثر إخلاصا واستقامة حتى يظل نبراسا للإصلاح وعلامة مضيئة في تاريخ الشعوب ، وهو دوما هبة من الله لخلقه يرزقهم به عند الحاجة الماسة له وفي الظروف الحرجة ، وهذا هو ناموس الله في خلقه
ولست ممن يعنيهم الأسماء ولا المناصب كثيرا بقدر ما يعنيني هبة الله لبعض خلقه بتكليفهم قيادة البشر خاصة في اللحظات الفارقة ، ولذلك أقول لمن يرفض ويقاتل بشراسة لإزاحة أو تدمير شخص مثل (السيسي) ، سيدي أنت تحارب قدر الله وقضاءه وتعترض على هبة الله لشعب أذن الله له بالخير ، وهذا ما نراه ظاهرا والله أعلم بالسرائر ، ولا تصدقن المستفيدين من فساد مصر والمرتعشين والمرعوبين خوفا على مكاسبهم من الفساد الذي يرتعون فيه .
وأقولها مرة ومرات هل لديكم البديل القوي القادر على قيادة المرحلة القادمة أم هو الرفض للخوف من انفضاح فسادكم أم هو الرفض للرفض ، ولا ندعي كذبا أن الرجل مثالي وبلا أخطاء أو مقدس مثل (مرسي العياط ) ، بل هو بشر بكل مميزاته وعيوبه ، ولكن الله وهبه قدرة وشجاعة على تحمل المسئولية والتضحية من أجل غيره ، ورزقه اتزانا وحكمة لم نرها في غيره ، فهو أفضل المطروح حتى الآن ، فكفوا نفاقا وجدالا وفسادا واحسموا أمركم ، لأن الله غالب على أمره ،وما قدر الله له أن يكون .. فسيكون رغم كل الأنوف ، إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا .



