بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
كأننا البشر .. متبلدين .. فاقدين الإحساس بما يجتاحنا من دمار للنفوس قبل دمار وطن .. أو كأننا خلقنا لا نجيد الحياة في ظلال الحرية واعتدنا أن يحكمنا العصا والكرباج ، هذا هو الشعور الذي يباغتني كثيرا عند التركيز قليلا في متابعة الأحداث وردود أفعال الساسة والإعلام والمتشدقين وأصحاب الأبواق والأفواه المبرمجة وربما المأجورة أو الجاهلة سواء محليا وهو ما يعنينا أو عالميا .
فنرى مثلا صارخا من أشكال العهر النفسي تتمثل في دعاوى المصالحة ومبادراتها الوهمية مع من يخططون وينفذون في كل دقيقة عمليات قتل وإرهاب ممنهجة ضد الأبرياء للضغط على حكومة وشعب ، وكأنهم ما زالوا مصرين (نحكمكم أو نقتلكم) دون أدنى مسحة من ضمير أو دين أو أخلاق في أبشع صور العهر النفسي لمدعين الدين من الإخوان ومؤيديهم من السلفيين والجماعات المتعددة الأسماء والانتماء .
ويقابلها على الجانب الآخر خللا لا يقل فداحة ولا جرما متمثلا في حكومة رخوة متراخية مرتعشة أو قل كما يقول رجل الشارع حكومة جبانة أو عميلة تهادن وتتهاون مع من يقتلنا ويرهبنا ، حتى قانون الإرهاب لم يصدر إلا بعد نفاذ صبر وملل من انتظاره وثمنا فادحا دفعته أمة من خيرة شبابها ودماء أبناءها ، وسوف تظل تدفعه مستقبلا بعد أن استفحل خطر الإرهاب وأصبح حقا مكتسبا باسم الحرية والديمقراطية .
ثم بنفس منطق الانحراف النفسي نرى يوميا صورا متكررة من صراعات وتهديدات سباقات الحصول على أكبر قدر من المكاسب في مواد الدستور المزعم إعداده من شتى الطوائف والفئات والكل يريد أن يحجز لنفسه حقا حتى ولو بالباطل ودون أن يستقيم أو يتوافق مع المنطق أو الظروف الحالية وربما المستقبلية ، فالمرأة والمسيحيون والنوبة وسيناء والعمال والفلاحين والمعاقين والقضاء والجيش ونظام الحكم وغيرهم ، الكل يريد تمييزا ، والجميع يهدد ويضغط ويستخدم شتى أساليب المساومة والابتزاز في صور أخرى من الانحراف النفسي المستتر خلف مسميات المصلحة الوطنية .
ثم تباغتك الصورة الأفدح بكل مساؤها وخستها في شابين حاولوا اغتصاب طفلة ثم قتلوها ، وكأننا لم نفهم الدرس بعد أو قل كأننا لا نريد أن نعالج أساس المشكلة ، فالطفلة زينة هي الصورة الأفظع لما يتكرر كل يوم وفي كل مدينة بل وقرية في بلادنا وبدأ في الانتشار على نطاق واسع في سواء في الحضر أو الريف وهو العلاقات المحرمة والاغتصاب ومقدماته من تحرش وغرام وعلاقات مشبوهة .
ولا نريد أن نواجه أنفسنا بالحقائق مطلقا بل احترفنا دفن الرؤوس في الرمال ، فتجد إعلاميا يقول لك كانت النساء والبنات عاريات منذ عقود مضت ولم يكن يتعرض لهن أحد ، وأخرى تقول لك أن من حق الفتاة أن تلبس ما تشاء وتظهر جمالها دون أن يتعرض لها أحد ولو بالنظر ، وآخر يقول أننا لابد وأن نهتم بتربية أبناءنا على القيم والأخلاق لنحد من التحرش والجرائم الاجتماعية في ظل حرية النساء في لبس ما تشاء ، والأعجب أن لا ترى لمسة حياء أو خجل في رجل يسير وبجانبه فتاة أو امرأة تصف ملابسها كل مفاتنها المخفية وكأنها عارية تماما .
وللأسف القاتل لم نسمع صوتا واحدا يجرؤ على مواجهة الحقائق ، فالمصريون يعانون من حكومات مضيعة فاقدة الإحساس بالزمان والمكان منذ عقود طويلة ، إن لم تكن حكومات خائنة للأمانة وتترك العنان لمعاول الإثارة الجنسية كوسيلة لإلهاء الشباب عما ترتكبه من جرائم ، حتى احترفت وسائل الإعلام الترويج للعلاقات بين الشاب والفتاة بمنتهى الوقاحة في تدمير الحياء العام للبشر وكفانا العشق الممنوع والخيانة المشروعة وفاطمة وكارثة مسلسل يسرا الجديد نكدب لو قلنا ما بنحبش ، حتى في الإعلانات فتسمع (الواحد بجنيه) ، (لو شايفاك بطة خليك أسد) ، (راحتك مع أولويز) ، (وداعا للعجز الجنسي) وناهيك عن مذيعات الفضائيات وهن لا يرتدين سوى قطعا مختصرة من الملابس الداخلية وغيرها الكثير حتى صبغت خيالات البشر رجالا ونساء خاصة الشباب بكل ألوان الحرية الجنسية وأوقدت نيران الشهوات بشتى صورها .
وفي المقابل تفشى بين الإناث ارتداء نوعيات وأشكال من الملابس ترسم (بدقة وانعدام حياء) أدق تفاصيل الجسد مع الحرص على ارتداء ما يبرز المفاتن ويزيد من لفت الأنظار وإثارة الشهوات والغرائز ، وهن ما فعلنه سوى محاكاة للفنانات والمذيعات وهو أيضا وسيلة معتادة لجذب العريس المرتقب أو فارس الأحلام لعلاقة غرام أو حب يلبي مطالب النفوس العطشى والمحرومة ويطفئ أشواق النفوس لوليف معشوق كما اعتادوا الاستمتاع به نفسيا على شاشات الفضائيات ، ثم بعد ذلك نتساءل لماذا تفشى التحرش وزادت معدلات العلاقات المحرمة وتدنت مستويات الأخلاق ، أليس هذا دفنا للرؤوس في الرمال ، أليس هذا منتهى العهر النفسي والمجتمعي .
ولعلنا نعرف جيدا أن تجربة إباحة العلاقات بين الرجال والنساء في الغرب قد ظهرت تداعياتها الخطيرة في جرائم الاغتصاب والقتل المتسلسل والعنف الاجتماعي رغم القوانين الصارمة والملاحقة الأمنية حتى بلغت معدلات جرائم الاغتصاب في أمريكا إلى أكثر من 1000 جريمة يوميا طبقا لتقرير منظمة الجريمة الأمريكية بل بل وتطورت لتصبح جرائم اغتصاب للرجال وليس النساء فقط حتى بلغ عدد الرجال المغتصبين في عام 2009 عدد (92700) رجل فهل ننتظر الوصول لمثل هذه الأنماط الحقيرة من الحياة ، ويكفينا أن نعرف أن خلاصة الدراسات النفسية لجرائم الاغتصاب والقتل في أمريكا قد خلصت إلى أن أبرز دوافع الاغتصاب والقتل تمثلت في رفض المجرم النفسي لما كانت تمارسه أمه أمامه في صغره من انحلال وعري وعهر باسم الحرية الشخصية فضلا عن الإثارة الجنسية لغرائزه وشهواته .
ولا يخفى على المتاجرين بالحرية وتداعياتها أن الغرب نفسه بدأ حملات شرسة على الإباحية بكل صورها بعد أن ثبت فشلها بنتائجها الكارثية على أركان الحضارة والتطور الإنساني ، بل وبدأوا بالفعل وضع حدودا وقيودا على ملابس الفتيات والنساء في أماكن العمل والتعليم وأماكن الخدمة العامة ، بل ووضعوا قيودا صارمة على اختلاط الرجال بالنساء في أماكن العمل بالقطاعات الحساسة والخطيرة .
ولا أعتقد أن كل ذلك .. بالجديد ولا بالغائب عن عقول وفهم أولي الأمر وأصحاب القرار ، فالانفتاح والحريات التي يتشدق بها المخربون والمفسدون لن تؤتي سوى الخراب والدمار لأجيال قادمة ، وليست حادثة محاولة اغتصاب وقتل الطفلة زينة وقبلها قتل الزوجة وعشيقها للزوج مرات ومرات وجرائم الاغتصاب باسم الجهاد في رابعة والنهضة إلا إنذارا شديد اللهجة للقائمين على أمور الحكم في هذا الوطن أن يفيقوا من هموم الماديات وتأمين الاقتصاد ، لسوس الخراب الذي ينخر في عظام أجيالنا بالإباحية والعهر تحت مسميات الحرية والأناقة والتطور .
وبالقطع ليس هذه دعوة للترويج للمتاجرين بالدين من الإخوان والسلفيين والجهاديين والذين لم نرى منهم سوى منتهى الانحراف الأخلاقي والانزلاق للعهر والدعارة تحت مسميات وفتاوى مجرمة وخطيرة وليس الشيخ المزواج من العشرين بنتا بكرا ولا جامع التبرعات الأشهر ولا البلكيمي ولا يونس ولا أصحاب جهاد المناكحة ببعيد ، فقد أفتوا بالأفدح والأفظع للمجاهدين بجواز اللواط .
وليست هذه أيضا دعوة لتقييد الحريات الشخصية ، فالحرية لا تعني التشجيع أو السكوت أو المساهمة في نشر الإباحية ولا تحريك الغرائز والشهوات واستثمارها والمتاجرة بها ، وإلا سوف يأتي علينا اليوم الذي نرى فيه بلادنا أكثر انحلالا وانحطاطا من مجتمعات تفشت فيها مختلف أنواع الجرائم الاجتماعية ، ولا حق لمن ساهم في الشكوى أو الاعتراض على النتائج .
ولكنها دعوة للوقوف مع النفس وليراجع كل منا نواياه وانحرافات نفسه وأثرها على مستقبل نفسه وبيته وأولاده ومجتمعه ولو كنا محددين نقاطا فليراجع كل منا استحقاقه لما يتقاضاه من أجر ومدى إخلاصه وتفانيه في عمله وجدوى عمله وأفعاله والعائد منه على مجتمعه ، ولا ينسى أن يراجع كل منا أخلاقياته الشخصية وسلوكياته في بيته ومجتمعه وبالتالي لا يتغافل عن متابعة مظاهر وسلوكيات وملابس من يعولهم ويرعاهم من أبنائه وبناته وزوجته وأخواته ، فلا يصح أن نترك سيلان الوقود على نيران الغرائز ثم نعود لنتباكى على الأخلاق والشرف المهدر وما أهدره سوى انعدام النخوة والرجولة في دماءنا الباردة ، وتفشى العهر النفسي تحت مسميات الحرية والتطور .
ونداء صارخ للقائمين على حكم هذا الوطن أن يفيقوا لتدهور أخلاق الشعب ويعيدوا حساباتهم وتقديراتهم تجاه التربية والتعليم والإعلام والمناخ الثقافي والديني للبشر لأنه مفتاح استقامة آداء الشعوب ولا تطور ولا تقدم بلا أخلاق ، ولا حرية في عهر نفسي وأخلاقي ، إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ، إن هم ذهبت أخلاهم ذهبوا ...



