الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
مما لا شك فيه وكنتيجة مباشرة وفعلية لتجارب أرفع العلماء وأكثرهم علما وإدراكا عبر التاريخ البشري وطبقا لتصريحاتهم واعترافاتهم ، فإنه كلما ازدادت درجات ومستويات العلم وعمقه في العقول ثم النفوس كلما ازداد الشعور بالجهل والإدراك لمدى محدودية العلم البشري المتاح حتى الآن ، وازداد الشعور بحتمية التخلي عن الحمق واللجوء للحكمة ومتطلباتها كملاذ للتغلب على عمق الجهل وانخفاض مستويات العلم (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) .
 
وربما كثيرا منا لا يعرف أن العلم ينقسم لدرجات سبعة موزعة بين مستويين رئيسيين متتاليين أولهما المستوى العقلي (المنطقي) وثانيهما هو المستوى النفسي (الإيماني) وهو تقسيم عام يتعلق بفطرة خلق البشر ، وأول درجات العلم وهي تقع في المستوى العقلي هي الجهل وثانيها هو المعرفة وثالثها هو الفهم ورابعها هو الإدراك وهذه الدرجات الأربع من الجهل وحتى الإدراك تمثل المستوى الأول أو العقلي (المنطقي) للعلم .
 
أما المستوى الثاني فهو المستوى النفسي (الإيماني) وهو ما يعني تغلغل العلم في النفس فيصبح التصرف بناء عليه تلقائيا لا جدال ولا نقاش ولا شك فيه ، وأول درجات هذا المستوى وهي الدرجة الخامسة من درجات العلم هو درجة اليقين ويليها الدرجة السادسة وهي حق اليقين ثم الدرجة السابعة والأخيرة وهي عين اليقين .
ولنبدأ مثلا بمعلومة مثل .. الموت ، فالطفل يجهلها تماما فهو مولود في درجة الجهل بها ، فإذا سمع ممن حوله عن الموت فهو قد ينتقل من درجة الجهل لدرجة المعرفة ، فإذا فهم معنى الموت بأن يشرح له أحد معنى الموت وظواهره وما يصاحبه فهو قد انتقل من المعرفة لدرجة الفهم ، فإذا مات أحد ممن حوله وعايش الموقف فهو قد انتقل من مرحلة الفهم للإدراك بالتجربة الفعلية بالمعايشة وهنا ينتهي المستوى العقلي للمعلومة .
 
فإذا تعرض هذا الشخص بنفسه لموقف أوشك فيه على الموت بالمرض أو الإصابة فإنه ينتقل لأول درجات المستوى النفسي وهي الدرجة الخامسة وهي درجة اليقين بإمكانية وجدية حدوث الموت ، فإذا مات وفقدت نفسه القدرة على استخدام هذا الجسد فأنها تصل للدرجة السادسة عين اليقين لهذه المعلومة الأبدية .
 
أما درجة حق اليقين فلا يصل لها البشر وهم أحياء في الدنيا إلا إذا كانوا رسلا فيطلعهم الله على بعض حقائق الأشياء التي تعنيهم وتتوافق معهم دون حجاب لتثبت إيمانهم ولتطمئن قلوبهم ، وهو ما حدث مع أبي الأنبياء إبراهيم عندما طلب من ربه أن يريه كيف يحي الموتى ، وكما أيد الله موسى وعيسى بمعجزات متعددة وكما تفضل رب العزة على خاتم المرسلين بزيارة ربانية لسدرة المنتهى فرأى من آيات ربه .. الكبرى .
 
وأخطر ما يتعرض له البشر في حياتهم الدنيا أن يتعاملوا بغباء أو حمق يغلفون به الجهل بناء على رغبات وشهوات وأفكار تتعارض مع ثوابت الناموس الكوني وفطرة الخلق ، فمثلا جميعنا يعلم أن الأرزاق مكفولة ولن ينال بشرا أكثر مما كتب له ربه ، ومع ذلك لا نتورع عن التورط في محاولات الاستزادة مما لا حق لنا فيه ، بل ونهمل إتقان العمل من أجل الحصول على أكثر مما نستحق .
 
ومثال آخر .. كلنا يعرف أن الانفعالات خاصة المبالغ فيها مثل الحزن أو السعادة المفرطة لا تغير من الواقع شيئا ومع ذلك فالغالبية العظمى يتبع رغباته وشهواته ويبالغ في انفعالاته ربما ليداوي بها جهله واعتراضه النفسي ولكنه في النهاية لا يملك إلا أن يستسلم للحدث بعد أن يكون قد أهدر وقته وربما عمره هباءا منثورا ودون فائدة .
 
وأوضح مثال لمخالفة الناموس الطبيعي هو الدعوة المسعورة لحقوق المرأة في العمل والمساواة بينها وبين الرجل في مجالات العمل خارج حدود بيتها ، متحامقين بغباء ومتناسين أن مهام الأنثى كأم وزوجة وملكة متوجة على عرش أسرة هو أخطر وأهم ملايين المرات من وظيفة أو منصب خاصة في ظل بطالة للرجال تتعدى نسبا مرعبة ، فتكون النتيجة مزيد من العنوسة وطوفانا من الدعارة والجرائم والكوارث الاجتماعية وخللا نفسيا جسيما في أجيال متعاقبة وفشل وانحدار في معدلات التقدم والنمو الإنساني فضلا عن صراعات مريرة بين الجنسين تتوالى عواقبها في ملامح أخلاقيات الأجيال الجديدة .
 
ومثله أيضا ما نراه واقعا فجا .. في استمرار رفض المتاجرين بالدين الاعتراف برحيل مرسي وجماعته وعدم إمكانية عودتهم ، لدرجة تخطت حدود التخيلات بل واستمرأوا الأوهام وصدقوها وبلغت بهم حدود الافتراء على الله وادعاء القدسية وتخطوا حدود الشرك بالله بتقديس مرسي وقياداتهم إلى تحريف الشهادتين ليصبح مرسي رسول الله ، مدفوعين بتأييد خفي ومعلن أحيانا من قوى خارجية هم يعرفون عنها جيدا أنها ليست أمينة ولا حريصة عليهم ولا على دينهم الذي يدعون ، ولا تسعى إلا لمصلحتها ولو على بقايا جثثهم .
 
وهو أيضا ما نراه وقحا .. في استمرار التظاهر والاعتراض لمن يسمون أنفسهم بالنشطاء والثوريون وحماة الحرية والديمقراطية لأتفه ومختلف الأسباب ، فمرة معترضين على رحيل المعزول وأخرى على اعتقال بعضهم ، ومرة على مواد بالدستور بعينها ومرة لاختبار جدية قانون التظاهر ومرة للمحاكمات العسكرية للمدنيين .. وغيرها الكثير ، وبغض النظر عن سلامة نواياهم ، فإنهم بالقطع يجهلون الكثير من حقائق الأمور والتي لو عرفها لاستحوا من أفعالهم ، وبالتالي فإن تأثيراتها السلبية عليهم وعلى مستقبل وطنهم وأبناءهم ستكون مفجعة بلا شك .
 
ولا عجب أننا نرى في سلوكيات الكثيرين من البشر مثالا مكررا لإصرار طفل على يمسك النار بيديه ولا يرتدع أو يقتنع حتى يمسكها بالفعل فتحرق يده ، وحينها فقط يصل قفزا لمرحلة اليقين متخطيا مراحل عديدة ليصل لمعلومة خطورة النار على حياته ومستقبله ، والكارثة أن يصبح ابن آدم صاحب عاهة مبكرا ليحيا بها عمره وهو ما اعتدنا رؤيته في أطفال عانوا من الإهمال في أسرهم ، بل وهو ما نراه في عاهات نفسية خطيرة في نفوس من تربوا في الحضنات والحضانات على يدي المربيات منذ سن الرضاعة وعانوا من فقدان حنان واهتمام وقرب الأم والنتيجة نراها في في في انتهاء أكثر من 60 % من الزيجات بالطلاق في السنة الأولى ، ونحن نتشدق كاذبين بالعلم والتطور وادعاء الحكمة ، فكلنا صغار مهما كبرنا وجهلاء مهما تعلمنا وحمقى مهما طال بنا العمر .
 
ولا أمل للجهلاء والحمقى إلا باللجوء بل والانصياع للحكمة ، فالحكمة تعني إدراك حقائق الحياة والتعايش معها دون التورط في تجارب خاسرة وحمقاء تضر ولا تنفع ، وغالبا ما لا يجدي معها الإصلاح أو العلاج ، ولذلك يوصينا الله بالحكمة بل ويعلي من شأنها بقوله تعالى (ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) فالحكمة هي بالفعل خيرا كثيرا يغني عن إضاعة العمر في مدواة الأضرار الناجمة عن الحمق والغباء وصم الآذان عن تجارب الآخرين والعبر المكتسبة والدروس المستفادة من تاريخهم .
 
ولا يقتصر الجهل والحمق على سلوكيات البشر ومعتقداتهم ولكنه يمتد إلى صعيد العلم البحت والتطبيقي فإن أبسط مثال لعمق الجهل البشري رغم ما ندعيه من الوصول لحقائق العلم ، أننا ما زلنا نمد آلاف الكيلومترات من الكابلات والأسلاك لنضيء مصباحا ، وهو ما يعني الفشل في تحويل الطاقة من صورة لأخرى دون فقد أضعاف القيمة المقابلة للطاقة المكتسبة ، وهو جلي أيضا في فقد أكثر من 70% من الطاقة الحقيقية من احتراق لتر الوقود كحرارة ودخان في عملية تحريك مركبة أو دوران محرك ، وهو أبلغ مثال عن مدى ضعف العلم وعمق الجهل البشري .
 
ولا شك أيضا أن العلم البحت والتطبيقي يلتقي دوما مع العلوم الأدبية في قمة هرم العلم عند المنطق فكلاهما لابد وأن يصل لمنطق الأشياء الذي يتوافق مع فطرة الخلق وناموس الخالق في كونه ، بل أدق من هذا كلاهما في النهاية يدل على الوصول لحقيقة واحدة أزلية أبدية وهي وجود الموجود وصاحب الوجود سبحانه وتعالى .
 
وأهم أساسيات العلم هو البحث والدراسة وأبرز أدوات العلم هو الحكمة فبدون الحكمة يحدث الشطط في البحث والدراسة ، وبدون الحكمة يحدث سوء الاستخدام للعلم وضياع مستقبل البشرية كعقاب لتخطي الحدود المحظورة في ناموس الكون وهو ما يرصده لنا التاريخ عن بشر وأقوام مثل قوم عاد (التي لم يخلق مثلها في البلاد) ، وأتلانتا القارة الغارقة من أكثر 3600 سنة مضت ، ومعجزة بناء الأهرام وغيرها الكثير .
 
فمثلا قد لا يعلم الكثيرين من البشر وخاصة المهندسين أن هناك ما يسمى بالنسبة الذهبية أو المقدسة وكيف أن هذه النسبة ثابتة ومحققة في كل ما خلق الله ساكنا أو متحركا وقياسا وتفاعلا ، وقيمتها (1.618) وتلك النسبة عندما يوجدها الله مختلة كمثال على قدرته ، فإننا نرى النقص أو الخلل واضحا في عاهة أو إعاقة أو اختلال التوازن الطبيعي لشيء أو في حركة حياته ، وهي في أبسط صورها نجدها محققة في خارج قسمة الطول الإجمالي لجسم الإنسان على ارتفاع السرة عن الأرض ، وكذلك في نسبة طول الذراع من الكتف لأطراف الأصابع إلى طول المسافة من الكتف للمرفق (الكوع) وهي أيضا في نسبة المسافة من الذقن للأنف إلى المسافة من الفم للذقن وهذه النسبة ثابتة ومحققة في كل مقاييس الإنسان والحيوان والنبات بل والجماد والبحار والمحيطات والمسافات بين الكواكب والنجوم وجميع الأجرام السماوية ، ولا تحدث الكوارث الطبيعية إلا عند اختلال هذه النسبة لإعادة التوازن والاتزان الذهبي للكون ، بل وتلاحظها العين المجردة في قبح الأشكال والصور التي تختل فيها هذه النسبة .
 
ولا تقتصر هذه النسبة الذهبية على القياسات الساكنة للأطوال والمساحات والأشكال بل إنها في الحقيقة أساسا علميا دقيقا لكل القياسات الديناميكية للإنسان والحيوان مثل دقات القلب وحركة الرئتين والأجهزة الداخلية الدقيقة والشبكة العصبية وكذلك في النبات وحركة الكواكب والأجرام السماوية وصدق الله في قوله تعالى ( وكل شيء خلقناه بقدر) .
 
حتى في قدرات الإنسان على تلقي العلم زمنيا فإن أنسب مدة زمنية للفترة الدراسية (حصة الدرس) والتي بعدها يفقد الإنسان تركيزه هي (37 دقيقة) والتي نحددها بثلثي الساعة للتقريب ، لنجد النسبة بين وحدة قياس الزمن وهي الساعة إلى أنسب فترة دراسية هي النسبة الذهبية في حدود (1.6) .
 
ولعل أهم ما يبرهن على ذلك أن مخالفة هذه النسبة في أي تطبيق للتكنولوجيا يؤدي حتما للفشل وهو ما نتج عنه تحطم الكثير من المركبات الفضائية والأقمار الصناعية وكثير من الطائرات والمركبات في طور التجارب حتى أصبح مراعاة تحقيق النسبة الذهبية في تصميمات سفن الفضاء والطائرات والصناعات الدقيقة أحد الأركان الأساسية والتي يراعى تحقيقها بدقة متناهية .
 
فإذا كنا نحبوا على أعتاب العلم فليس أقل من أن نلجأ للحكمة حتى نفيق من كبوتنا ونقيل عثرتنا ، ولا يصح مطلقا أن نمتطي الحمق ونبتدع الجهل لنملأ به فراغ العلم فنتورط في السقوط المتتالي دون أمل في النهوض ، فنكون من الذين سقطوا ما بين العلم والحكمة ، فلا هم التزموا بالعلم ولا استطاعوا تقويم نفوسهم ليركبوا مطية الحكمة ، فأصبحوا عبرة للأمم ومثالا للخاسرين والفشلة .
 
ونخلص من كل هذا ، أن الأمم تبني حضارتها على الالتزام بالعلم والحكمة وأساسياتهما في جميع مناحي الحياة ، ولن تستطيع أمة بلوغ ما تصبو إليه من تقدم دون أن يكون لها التزام وتقيد بالقيم والقواعد العلمية الدقيقة في شتى مجالات حياتها ، فلا تصنع الفوضى إلا الفشل والكبوات والكوارث ، ولا تؤدي الغوغائية والتسيب إلا لمزيد من التخلف والسقوط ... فالعلم يرفع بيوت لا عماد لها ... والجهل يهدم بيوت العز والكرم ...
تم نسخ الرابط