بقلم : عاصم حنفى
لم أفهم تصريح الببلاوى الغاضب العاصف.. وتحذيره لأوباما من مصير السفير التركى.. بما يعنى أن الببلاوى مستعد لطرد السفير الأمريكانى وقطع العلاقات فى حالة تدخل الأمريكان فى الشئون المصرية.. تصريح الببلاوى يشبه تصريحات القذافى زمان.. بأن أى اعتداء على الأمة الإسلامية يعتبر اعتداء على ليبيا شخصياً.. ومع أن الاعتداءات لم تنقطع عن الأمة الإسلامية من أعداء متعددين.. إلا أن تصريحات القذافى وتهديداته لم تتوقف ولم تنقطع.. حاجة كده لزوم الاستهلاك المحلى وخلاص!
تصريحات الببلاوى جاءت غريبة وخارج السياق تماماً.. ما هذه الشجاعة المفاجأة.. وطوال أربعين عاماً كنا نطالب الحكومات المصرية المتعاقبة باتخاذ موقف واضح وصريح من الأمريكان.. كنا نطالب بالتوقف عن تسلم المعونة الأمريكية التى تكبل مصر وتسلبها حرية القرار.. وكانت مصر الرسمية على لسان رؤسائها تؤكد أن 99 فى المائة من أوراق القضية فى يد الأمريكان.. وأنهم الشريك الأساسى واللاعب الرئيسى.. فما الذى حدث إذن؟ وكيف يجرؤ حضرة رئيس الوزراء على تهديد الأمريكان.. فى الوقت الذى نسعى فيه لنيل رضائهم.. ونمد أيدينا إليهم طلباً للمعونة والإحسان؟!
أخشى أن تكون تصريحات الببلاوى بغرض الاستهلاك المحلى.. لكنه ينسى أن جميع المصريين الآن يمارسون السياسة ويقرأون ويشاهدون الفضائيات ويدركون أن تصريحاته من نوع طق الحنك.. فض مجالس ولا مؤاخذة.. مع أن كلام رئيس الوزراء هو كلام من ذهب.. كلمة واحدة منه ترفع أسعار الذهب والفضة والعملات الصعبة فى الأسواق.. وكلمة أخرى تتسبب فى هبوط البورصة وهجرة الأموال والاستثمارات.. لكن رئيس وزرائنا من الصنف الطيب وابن الحلال.. هو يتصرف على سجيته.. وينسى أن هناك من يتربص به وبنا.. وأن جحافل وجيوش المترجمين سوف يترجمون كلامه إلى لغات الدنيا.. بما يتسبب لنا فى متاعب مع الأمريكان التى نضع فيها جميع أوراق القضية.
عقب اعتقال الرئيس المخلوع والمرفوض شعبياً محمد مرسى.. حرصت السفيرة الأوروبية كاترين أشتون.. متجاوزة كل التقاليد والأعراف.. حرصت على زيارة المخلوع فى سجنه.
وكنا نتصور أن ترفض حكومة الببلاوى.. لكنها تمسكت بالحكمة والصبر.. وطبقت المعايير الحاتمية فى التعامل مع الضيوف.. فسمحت للسفيرة بزيارة مرسى.. بل سمحت لهما بالكلام الجانبى على انفراد!!
لم يكتف الدكتور الببلاوى بالسماح للسفيرة بزيارة مرسى.. بل زارت قيادات الجماعة المخلوعة فى سجونهم.. فى بادرة تنم عن الطيبة والتساهل.. فما الذى حدث إذن.. وكأنه شخص آخر غير الببلاوى الذى نعرفه؟!
لا بأس والله أن يستأسد رئيس الوزراء.. وأن يطلق تصريحاً نارياً على الماشى.. وأن يلبى طموحات المصريين فى قطع العلاقات مع العم سام.. ولكن الشواهد تؤكد أن سعادته نعامة من النوع المعتبر.. ولو عبر أوباما عن غضبه من تصريحات حضرة رئيس الوزراء.. فلا أستبعد والله أن ينكر رئيس الوزراء تصريحه النارى.. ولا مانع أن يعتذر على اعتبار أن الاعتذار فضيلة.. والتراجع خير وسيلة للبقاء فى موقعه.
فى بلاد الدنيا التى نعرفها.. كلام الوزراء والمسئولين كلام واضح محدد.. كلامهم فى الداخل لايختلف كثيراً عن كلامهم للخارج.. فلا يجرؤ رئيس وزراء بريطانيا مثلاً على التصريح بشىء داخل بريطانيا.. ثم يصرح بعكسه فى زيارة خارجية.. ثم إن التصريح لا يعبر عن وجهة نظر شخصية.. التصريح يعبر ويترجم رؤية الحكومة فى قضية من القضايا.. رؤية مدروسة ومتفق عليها ودور رئيس الوزراء هو مجرد الإعلان عنها.
أما عندنا.. والبساط أحمدى.. فلا مانع أبداً من أن يصرح رئيس الحكومة بتصريح نارى يرضى الرأى العام بالداخل.. ثم ينكره أو يلحسه بعدها بدقائق.. وقديما قال جدى الفيلسوف: سلو بلدنا كده!!



