رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بوابة روز اليوسف

إنه الأستاذ عاصم حنفي المصري الأسمر الأنيق صاحب الجاذبية الشخصية الخاصة. 

تبتهج بمجرد رؤيته، إذ إنه كاتب يمكن اعتباره من أهم نجوم الضحك المصريين. 

شعبيته ونجوميته تشبه صناع الضحك من نجوم المسرح والسينما في مصر. 

 

تستطيع أن تفهم أيضًا أنه بالإضافة لقدرته على رسم الابتسامة هو صاحب رؤية وطنية وسياسية واضحة، وصاحب موقف حر من الحياة والحب والمرأة والحيوانات الأليفة. 

 

دافئ جدًا، دفء يليق بالرجال الحقيقيين، بشوش واضح قادر على اتخاذ المواقف المحددة في القضايا الكبرى وهو يضحكك. 

 

يأتي منفردًا ويرحل وحيدًا بعد أن عاش مزهوًا بالانسجام وقوة الذين قد أخذوا من الحياة أجمل ما فيها وهو حيويتها وأعطوها أجمل ما يعطيه الرجال وهو الصدق. 

 

كنت أراه بشكل شبه منتظم في زيارتي الأسبوعية لمكتب الصديق والكاتب محمد هاني صانع الإعلام المتفرد، وكان يتابع تلك المشاجرة الضاحكة أسبوعيًا بيني وبين مدير تحرير روزاليوسف آنذاك حول عنوان المقال الذي أكتبه وبعض من مفردات تتسلل لمقالي من خلفيتي الأكاديمية دون أشعر. 

 

في مرة دخل إلينا وصافحني كصديق حميم ولم أكن أعرفه بشكل شخصي، مرحبًا بي في مجلة روزاليوسف بطريقة شعرت معها بأنني قد حصلت على خاتم الاعتماد والجودة. 

 

وثمّن في ما قال اختيار الكاتب المصري الكبير عبدالله كمال لشخصي، كي أحصل على عضوية المواطنة في مؤسسة روزاليوسف. 

 

وقد تلقيت تهنئة من محمد هاني يومها، وكأنني قد حصلت على قرار رفيع المستوى بالانضمام.

 

كان يبدو للجميع طاقة من البهجة والثقة، وكان يحظى بمحبة واحترام من كل تلامذته ومحبيه. 

 

إنه ذلك النوع من الاعتراف بالأستاذية والذي يظهر في سلوك الأجيال التي تعلمت على يديه، وشاركته فيما بعد رحلة الكتابة في روزاليوسف. 

 

ولذلك فكم رأيت من تقدير واحترام لشخصه من الكتاب والأساتذة الكبار من الأستاذ عبدالله كمال رحمه الله رحمة واسعة، امتدادًا للأساتذة أسامة سلامة، إبراهيم منصور، محمد جمال الدين، عصام عبد الجواد وغيرهم الكثير. 

 

إنه نوع شديد الرقي من النجوم الذين يتصرفون ببساطة في الحياة اليومية، وبطريقة تشبه تصرف المصريين البعيدين عن الأضواء. 

 

هذا الأنيق الذي تزوج سيدة سويسرية، ولم يكف عن الغوص في تفاصيل العيش والملح والزحام وتنفس آلام وآمال الناس في مصر، فكيف لهؤلاء من أمثاله أن يكتب لغير المصريين؟ 

 

هؤلاء الكبار لا يستطيعون المغادرة، هؤلاء وإن تذوقوا الشيكولاتة السويسرية الرائعة لا يستطيعون إلا الكتابة عن الناس في مصر وللناس في مصر. 

 

لم يتفاخر عاصم حنفي يومًا بمواقفه السياسية ولا برحيله عن مصر إلى لندن إثر خلاف السبعينيات الشهير مع الرئيس السادات للعمل مع صديقه وأستاذه الكاتب الساخر الكبير محمود السعدني في مجلة 23 يوليو، التي كانت تصدر في لندن. 

 

وعندما عاد إلى مصر لا تجد أثرًا لأي ألم أو احتقان أو ندم، أو طلبًا للاعتراف بالاختلاف.

 

إنه التصرف الطبيعي جدًا لكاتب حقيقي يعرف أنه يعبر عن الرأي العام المصري ويصدر عنه ويعمل لديه ويخاطب هذا الرأي العام بما يعتقد ويفهم ويضيف إليه ويناقشه ويختلف معه، إلا أنه يحترم نفسه ويحترمه ويظل معتدًا بأنه معبر عن هؤلاء ويعمل لديهم ومن أجلهم. 

 

لم يتقمص الاستاذ الكاتب الكبير عاصم حنفي شخصية المفكر السياسي رغم أنه كان مفكرًا سياسيًا من طراز رفيع. 

 

ولم يتقمص الأستاذ الكاتب الكبير عاصم حنفي شخصية المثقف العارف ببلاد الغرب والقارئ والمتحدث بلغات أجنبية كما فعل البعض رغم خبرته العميقة بتلك اللغات.

 

كان يفخر بأنه يتحدث لغة رجل الشارع المصري ويفهم إشاراتها ودلالاتها ومخزونها المعنوي والوجداني والثقافي العريق.

 

كانت صورته التي تم رسمها بطريقة الكاريكاتير والتي هي وسم صفحته الشهيرة الأخيرة بمجلة روزاليوسف والتي ظل يكتبها لمدة ربع قرن هي وسم للجلابية البلدية والتي يضع طرفها في أسنانه كما يفعل أصحاب الهمة من المصريين عندما يهمون لعمل شاق رافعًا قلمه بيده اليمنى ليضعه على رأسه معلنًا عن شروعه الدائم في فعل الكتابة.

 

كثيرًا ما كان يغادر الكتابة المنحازة لاستخدام اللهجة العامية المصرية، للكتابة الجادة بالعربية الفصحى المفهومة، بجمل قصيرة سليمة بليغة واضحة.

 

ولأن الرجل هو الأسلوب، فأنت تطالع الأسلوب الواضح المعبر عن وضوح الفكرة وحضورها السهل الممتنع، وله في ذلك مقالات عديدة منها مقاله البديع 93 سنة حلوة في العدد الصادر احتفالًا بروزاليوسف في السابع والعشرين من أكتوبر 2018.

 

أما الأسلوب الأغلب والقاسم المشترك الأعظم في كتاباته ذات الطابع العميق، فهو اختيار المفردات المشتركة بين العامية المصرية واللغة العربية السليمة في وضوح أسلوبي شديد البلاغة ودال على المعنى.

 

ولأن الأسلوب هو الرجل، فحقًا تستطيع أن تقرأ للرجل فتعرف أن هذا المقال للكاتب المصري المتفرد عاصم حنفي دون أن ترى التوقيع.

 

وكم تكرر أمامي من خصوم روزاليوسف ومخالفيها في الرؤية والرأي، كما تكرر من قراء روزا المنتظمين تلك المقولة التي كان يسعد بها رؤساء تحرير روزاليوسف قبل كتابها ومحرريها، ألا وهي أن روزاليوسف مجلة يبدأ القراء بقراءة صفحتها الأخيرة أولًا.

 

يحدث ذلك حقًا لأن الصفحة الأخيرة لعاصم حنفي حافظت رغم تغير الأنظمة السياسية ورغم تسارع الأحداث وتناقضاتها واشتباكاتها على روح وجوهر روزاليوسف.

 

حافظ عاصم حنفي على سلامته المهنية والنفسية والإنسانية بالحفاظ على مصداقيته، ومصدر هذه المصداقية هي الاتساق مع الذات والتماهي مع أفق توقع وترقب الرأي العام المصري.

 

وإن كان كثيرًا ما يصدمه شأنه شأن الكتاب الكبار عندما يختلف معه أو ينقده مثل مقاله الساخر إحنا بتوع التوكتوك، ولن أضع علامات على اللهجة العامية احترامًا لتقاليد الأستاذ عاصم وفيه يسخر من قناعات منتشرة في الرأي العام بشأن المرأة المصرية وحريتها وبالتأكيد هو يحترمها ولا يراها مقدسًا يجب مراقبته طوال الوقت، إنها إنسان يمثل نفسه فقط، هكذا كان يرى المرأة.

 

وهكذا كان يرى الحرية فهي أيضًا اختيار إنساني يجب احترامه، ولذلك كان يحتفي إنسانيًا بمن يخالفونه الرأي وإن حرص على تأكيد الخلاف.

 

إن استخدام العامية المصرية في الأعم والأشمل في كتابات عاصم حنفي هو امتداد لمدرسة بدأت في الصحافة المصرية مع عبد الله النديم، وهو يستخدمها عند الضرورة كي يتسق المقال مع الحال حسب موضوع الكتابة.

 

يستخدمها ببلاغة استخدام أولاد البلد القادرين على تحميلها معاني إضافية غير منطوقة وهو يعود للفصحى السهلة الممتنعة الرشيقة عندما يريد.

 

مدرسة صحفية خاصة، وفهم نادر، وصدق مع الذات هو الأقصر سبيلًا للاستقرار النفسي، ولذلك عاش كبيرًا منتصب القامة معاف في بدنه وقلمه وكرامته، وأعلن عن دخوله في غيبوبة قصيرة هي شهر واحد كان بمثابة الإشارة الواضحة بالمغادرة.

 

تلك المغادرة الحتمية علينا جميعنا، لكننا كم نشعر بقسوتها عندما يرحل الكبار والأحباء.

 

الأستاذ الكاتب الكبير عاصم حنفي لروحك السلام والمحبة رحمة واسعة ومغفرة في جنات ربك إن شاء الله، هكذا نحتسبك مع الصادقين والطيبين وحسن ذلك سبيلًا.

 

 

تم نسخ الرابط