رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

لا يزال يتذكر البابا تواضروس الثانى، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، نصيحة جارته «سعاد»، مُعلمة الابتدائى «أبلة سعاد» ، حينما أوصته عند التحاقه بكلية الصيدلة، بأنها «تخشى من الدواء أكثر من خوفها من المرض»، فى إشارة إلى أهمية الجدية فى التعلم، والدقة فى منح الدواء للمرضى.

 

يقول البابا تواضروس: إن هذه النصيحة، لم ينسها منذ اليوم الأول لدراسته الصيدلة، ذلك أنها كونت لديه قناعة، بأن «الدواء إذا لم يُحسِن استخدامه، سيكون مُضرًا أكثر من نفعه»، هكذا تحدث بكل معانى الوفاء، عن جيران المنزل الذى نشأ فيه، وروابط المحبة التى كانت حاضرة بينهم، خصوصًا فى الأعياد والمناسبات وطقوسها، فهذه كانت واحدة من الرسائل بليغة المعنى، التى أراد أن يستشهد بها قداسة البابا، عن عمق وجذور المحبة والمواطنة لدى المصريين، فى لقاء خصّنا به الأسبوع الماضى، وهو أسبوع عيد الميلاد.


كان حديث البابا عن جارته، فى هذا «اللقاء»، مفعمًا بذكريات الطفولة والمسكن الذى نشأ فيه، وعن علاقات الود والتواصل والترابط بين باقى جيرانه، دون الالتفات لكون أسرته، الأسرة المسيحية الوحيدة، فى منزل باقى جيرانها مسلمون، إلا أن المحبة وصِلة الروابط الصادقة لم تنقطع، بل باقية حتى الآن مع جيران الطفولة الذين لايزالون يطمئنون عليه، هكذا كان يتحدث عن المناخ المجتمعى الذى نشأ فيه، حتى إنه لا ينسى طقوس الاحتفال بالأعياد مع جيرانه، وتبادل «كحك» العيد.


لم أستمع لمثل هذه الأحاديث بعدّها حكاوىٍ عابرة، من شخصية دينية قديرة، بل هى فى الأصل، واحدة من الجوانب التى ربما تفسر تكوين الرجل الأول فى الكنيسة الأرثوذكسية فى مصر والشرق، وتُبيّن فى نفس الوقت فلسفة مواقفه الوطنية، وانحيازه الدائم لوطنه ووحدته، ودفاعًا عن مفهوم الدولة والهوية المصرية، وإثارة للتلاحم الوطنى درءًا لأى فتن، خصوصًا فى فترات فتن عصيبة مرت بها البلاد.


هكذا استمعت لحديث البابا تواضروس الثانى الودود، فى هذا اللقاء الذى امتد لقرابة الساعة، الأسبوع الماضى، وكانت المناسبة، تقدير مستحق من روزاليوسف له، بمنحه وسام الاحترام المنشور فى عدد المجلة الأسبوع الماضى، والذى جاء بعنوان «المحبة التى سكنت مصر»، وكما هى العادة، جذبتنى شخصية البابا وحديثه، ليس فقط كرمز دينى وطنى، وإنما بمعانى المحبة التى لا تُفارق كلماته، وجوانب التواضع والجسارة فى شخصيته، التى تجبرك على احترامه، رغم أن هذه ليست المرة الأولى التى ألتقيه أو أستمع إليه فيها.

 


أول مداخلة تليفزيونية


الواقع أن هذه ليست المرة الأولى التى أجلس فيها أمام البابا تواضروس الثانى، أو المناسبة الأولى التى أتبادل فيها الحديث والحوار مع بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية، فهناك مواقف مهنية كان هو محورها وبطلها، لكن صعب نسيانها، وهنا أذكر التواصل الأول الذى جمعنى بقداسته، والذى يعود لقرابة أربعة عشر عامًا، وتحديدًا فى شهر نوفمبر 2012، أى بعد عدة أيام من ترسيمه بطريركًا على رأس الكنيسة، وكانت الغاية إجراء اتصال هاتفى معه، فى برنامج صباحى، كُنت أشرف على تحريره، على فضائية «سى. بى. سى»، لتهنئته بعيد ميلاده ورسامته، (ففى شهر نوفمبر مولده وموعد ترسيمه).


أذكر أننى أجريت محاولة الاتصال، رغم قناعتى أن فرص الاستجابة لهذه المبادرة ربما تكون ضعيفة، لاعتبارات عديدة، أهمها أن توقيت البرنامج فى الصباح، ما يعنى إجراء الاتصال مع البابا مبكرًا، فى توقيت ربما يكون ليس جاهزًا له، فضلا عن جمهور البرنامج المستهدف، ليست بطبيعة الحال، فى حجم برامج «التوك شو» المسائية واسعة الانتشار.


والواقع أن كل هذه الظنون، زالت وتبددت بمجرد الاتصال، فقد فاجأنى البابا تواضروس بتواضعه فى الاتصال الأول بقداسته، وتفاعله الودود، وبالفعل لبى مبادرة الاتصال الهاتفى لتهنئته بعيد ميلاده ورسامته، فى حوار تليفزيونى امتد لنحو ربع ساعة عبر الهاتف، وصُنّف الأول لبطريرك الكنيسة الأرثوذكسية منذ ترسيمه، وتفاعلت معه المواقع والصحف بشكل واسع.


لم يكن الأثر الذى تركه البابا تواضروس لدى من هذا الاتصال، مجرد دعم مهنى، بل لمستُ عن قرب، جوانب التواضع والمحبة فى شخصيته، والتى يجسدها فى تعاملاته مع الجميع، هكذا كان انطباعى الأول والمستمر عنه، والذى لم يفارقنى فى كل موقف أو حدث أشاهده فيه.

 

 

 


حوار المئوية

على مدار أكثر من عشر سنوات، استمعتُ لأحاديث وكلمات للبابا تواضروس الثانى، خصوصًا فى المناسبات الدينية والعامة، ولا سيما كلمته فى أعياد الميلاد وتفاعله مع التهنئة السنوية التى يقدمها الرئيس عبد الفتاح السيسى، للكنيسة والأقباط، بعيد الميلاد المجيد، ونقطة التوقف هنا، أن المعانى ثابتة والرسائل واضحة ولا تتغير فى أحاديث البابا، فجوانب المحبة والمواطنة والدفاع عن الهوية المصرية وكيان الدولة، محددات ومبادئ حاضرة دومًا.


فى نفس الوقت، لا يمكن أن ننسى موقفه الوطنى، ما بعد ثورة 30 يونيو، دفاعًا عن الهوية وكيان الدولة، فى مواجهة أهل الفتن والشر، حتى بعد أن طالت يد الإرهاب الكنائس والأديرة، كان موقفه الشهير، «وطن بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن»، ليجسد بهذا المعنى البليغ، معانى وطنية أصيلة وراسخة.


من هذا المنطلق، كان من المهم أن يكون البابا تواضروس الثانى، واحدًا من الشخصيات الأساسية، فى احتفال مجلة روزاليوسف بمئوية صدورها فى شهر أكتوبر 2025، كرمز دينى وشخصية وطنية معاصرة، تستحق أن تروى وتوثق للواقع المصرى الحالى، فى عدد القرن من المجلة.


كان أحد المحاور الأساسية لعدد القرن من مجلة روزاليوسف، يستهدف توثيق الواقع المصرى المعاصر، فى عام المائة من عمر المجلة، من خلال شهادات رموز وطنية فى مختلف المجالات، بحوارات ومقالات، توثق الحاضر المصرى بمختلف أبعاده، ذلك أن فلسفة هذه المناسبة، كانت تقديم رواية عن مصر الماضى والحاضر والمستقبل، من خلال صفحات «روزاليوسف».


والواقع أن البابا تواضروس الثانى، لم يتردد فى مشاركة «المجلة» فى هذه المناسبة الفريدة، فلبى دعوة الحوار معه سريعًا، فى شهر سبتمبر 2025 رغم انشغاله وقتها فى تحضيرات استضافة الكنيسة الاحتفال بمرور 17 قرنًا على مجمع «نيقية»، كان الحديث بالنسبة لى، فرصة للاقتراب أكثر من شخصية هذه القامة الدينية، بحكم القضايا التى تطرق إليها، بداية من تقييم واقع مفهوم المواطنة، وأدوار الكنيسة المجتمعية، وما إذا كان لها دور سياسى، وقضايا أخرى تتعلق بالشأن القبطى.


أذكر من المعانى التى تحدث عنها البابا تواضروس فى هذا الحوار، أن «الكنيسة أقدم كيان شعبى على أرض مصر، وهى جزء من الوطن، وتعمل لصالحه دائمًا، ولا تعمل بالسياسة»، لكن الأثر الأكبر الذى تركه هذا اللقاء لدىَّ، كان شخصية البابا نفسه، كشخصية هادئة مُحبة صبورة وذكية، وحديثه الثرى عن الهوية والحضارة المصرية، والإنسان المصرى.


ما جذبنى فى هذا الحديث، تفسير البابا تواضروس لمعنى كلمة «روزاليوسف»، كاسم يجمع بين معنيين، الأول «روز»، وتعنى الورد، والثانى «يوسف»، ومعناه «الزيادة فى النعمة»، وهنا قال البابا: إن اسم المجلة ومؤسستها، يحمل «معنى جميلًا».. أيضًا استوقفنى وصفه لـ«روزا» ومعاركها ومواقفها، حينما قال فى بعض الأوقات كنتم «حادين، وقاسيين جدًا، قدمتم تحقيقات صحفية جيدة، وناقشتم قضايا فى المجتمع، وقمتم بدور تنويرى بشأن الوطن والتاريخ، وكلها أمور رائعة»، فهكذا تحدث البابا تواضروس، عن «سيرة ومسيرة مائة عام من عمر المجلة، وتواصل الأجيال بها».

 

وسام الاحترام

لمستُ تقديرًا من البابا تواضروس الثانى لـ«روزاليوسف» وإسهامها الصحفى والتنويرى، والواقع أن هذا التقدير لم يتغير وكان حاضرًا أيضًا فى اللقاء الذى خصّنا به الأسبوع الماضى، بحضور رئيسة مجلس إدارة روزاليوسف هبة صادق، والزميلة وفاء وصفى، بعد أن منحته «المجلة» وسام الاحترام، ورغم أن البابا أعاد الحديث عن مواقف «روزا» الحادة فى بعض الأحيان، فإنه أبدى إعجابه الشديد بما أسماه «الصياغة الرومانسية» لوسام الاحترام.


كانت الغاية من اختيار اسم البابا تواضروس الثانى، لمنحه «وسام احترام»، تسجيل تقدير مستحق لقامة وطنية ودينية، حفرت اسمها فى التاريخ الحديث، والتذكير بمواقفه الوطنية، لاسيما فى بداية العام الجديد ومع الاحتفال بعيد الميلاد المجيد، وهى كلمات لمست تأثيرها لدى البابا وتأثره بها عند لقائه، لا سيما حينما عَلِم أن هذا الباب (وسام الاحترام)، من الأبواب العريقة فى المجلة ،ويُمنح للشخصيات صاحبة الإسهام الوطنى العام.


هذه كانت مناسبة موعد آخر، فى حضرة البابا تواضروس الثانى، والواقع أنها كانت فرصة جديدة للاقتراب أكثر من شخصيته، خصوصًا حديثه عن جوانب إنسانية فى حياته، وصلة الترابط المستمرة مع جيران الطفولة، إلى جانب حبه للمعرفة والثقافة، فهذه جوانب لمستها فى حديثه معنا فى هذا اللقاء، فقد كان مغرمًا للتعرف على سيرة السيدة فاطمة اليوسف، مؤسسة دار «روزاليوسف»، ونشأتها وتجربة إصدارها للمجلة، والتحديات التى واجهتها فى البداية.


فاجأنى البابا تواضروس بحبه لفن الكاريكاتير، فقد كشف عن حرصه الدائم فى صغره على تجميع رسوم كاريكاتير، صلاح جاهين، يوميًا من صحيفة الأهرام، ثم تجميعها فى أجزاء شهرية، هكذا تحدث عند تسجيل إعجابه بإصدارات مئوية روزاليوسف، خصوصًا إصدار الكاريكاتير، «كتاب رسم مصر»، والذى رآها عملًا فريدًا.. وكلل البابا تقديره لـ«روزاليوسف»، برسالة خاصة، قال فيها: إنه «رغم مرور مائة عام على أول عدد لها، فإنها لاتزال شابة ونشيطة، وتتميز بالروح والحيوية التى تميزها عن كل المجلات والإصدارات والمطبوعات الأخرى».


نقطة التوقف الأخرى، فى حديث البابا الأسبوع الماضى، هى المكانة التى تحتلها مصر وحضارتها فى تفكيره، فقد وصفها «بأيقونة جغرافية وإنسانية»، وقال: إن مصر علمت العالم الإنسانية، فهى دولة جاءت ثم جاء بعدها التاريخ، تحدث أيضًا عن المميزات التراثية والحضارية التى تميز مصر عن أى دولة فى العالم، كالأديرة والمناطق الأثرية وغيرها من مظاهر الحضارة.


لم يكن حديث البابا، من منطلق التذكير بمكانة التاريخ والحضارة المصرية، وإنما هو حديث عن قناعة بقيمة الوطن، ولعل الشاهد على ذلك، تأكيد البابا أكثر من مرة، تعلمه قيمة الدفاع عن الأوطان، وأن الوطن هو الأهم والأبقى، وهى معانٍ ربما تفسر المواقف الوطنية لهذه القامة الدينية، خصوصًا مقولته الشهيرة، «وطن بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن».


لم يختلف الأثر الذى تركه البابا تواضروس لدى فى هذا اللقاء عن سابقيه، فحينما وصفناه بالمحبة التى تسكن مصر، لم يكن من فراغ، ذلك أنه شخصية تؤمن بأن معانى المحبة والتسامح لا تسقط أبدًا، وفوق ذلك، شخصية روحية قيادية تجمع بين العلم والخدمة الروحية، سجلت اسمها بحروف من نور بمواقفها الوطنية المدافعة عن الوحدة الوطنية، وعن دور مصر كأرض أمان للعائلة المقدسة، والخلاص أن هذه جملة من المعانى أسجلها من واقع مشاهدات وأحاديث جرت فى حضرة البابا تواضروس الثانى. 
 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف
 

تم نسخ الرابط