قبل الكتابة عن سيرة ومسيرة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، لابد وأن تقرأ جيدًا تاريخ وحياة هذا الرجل الذى اختاره الله ليكون فى يوم من الأيام على رأس أكبر مؤسسة دينية فى العالم.
شخصية الطيب رضى الله عنه، كانت ولا تزال قبسًا من نور يضىء الطريق لكل من يريد أن يتعلم كيف يعطى بلا مقابل بهدف رفعة دينه ووطنه، وإرساء قيم التسامح والتعايش بين جميع البشر، لا فرق فى ذلك بين أبيض أو أسمر ، كلهم خلق الله الذى أحسن كل شىء خلقه.
وُلِدَ فضيلة الإمام الأكبر فى قرية القُرنة التابعة لمدينة الأقصر فى 3 صفر عام 1365هـ، الموافق 6 يناير عام 1946م، وانتصر فضيلة الإمام الأكبر لنفسه ولدينه بعيدًا عن ضجيج الحياة فى المدن، فكانت قريته «بالقرنة» والتى يطلق عليها «مدينة الأموات» بالأقصر محل النشأة الأولى وسط عظمة الأجداد فى البر الغربى وفى قلب ساحة والده الشيخ محمد الطيب رحمة الله عليه فحَفِظ القرآن الكريم فى صغره، وأتقن العديد من المتون العلميَّة على الطريقة الأزهرية، التحق بعد ذلك -حفظه الله- بمعهد إسنا الدينى بعيدًا عن قريته بما يقرب من 60 كيلو مترًا، ثم بمعهد قنا الدينى، ثم بشُعبة العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين بالقاهرة، وتخرَّج فيها بتفوق عام 1969م، ثم عُيَّن معيدًا بالكلية.
من القرنة الى السوربون
جمع الإمام الأكبر أ.د أحمد الطيب بين تعاليم المنهج الأزهرى والانفتاح على الثقافة الأوروبية الحديثة حيث درس اللغة الفرنسية فى المركز الثقافى الفرنسى بالقاهرة بعدما تخرج فى كلية أصول الدين، وقضى بها قرابة خمس سنوات، وكان يعرف الإنجليزية من دراسته فى المرحلة الثانوية الأزهرية وفى الكلية، وترجم عددًا من المراجع الفرنسية إلى اللغة العربية.
بعد حصوله على الدكتوراه من جامعة الأزهر عام 1977، انتقل إلى باريس لإكمال دراساته العليا فى جامعة السوربون.
واستضافته عائلة فرنسية خلال فترة إقامته القصيرة (حوالى 6 أشهر) كباحث أظهر فى هذه الفترة التى قضاها مع هذه الأسرة الكريمة سلوكه الإسلامى المعتدل وأخلاقه الحميدة، والتى دفعت الأسرة لتقدير الإسلام واحترام المسلمين، بعيدًا عن كل ما يُقال فى الغرب وقتها عن الإسلام.
الطيب مفتى الديار المصرية
تم اختيار الطيب مفتيًا للديار المصرية، فى يوم الأحد 10 مارس 2002م، وحتى 27 سبتمبر 2003م، وقد أصدر خلال فترة توليه الإفتاء حوالى (2835) فتوى مُسجلةً بسجلات دار الإفتاء المصرية.
جامعة الأزهر
بعدها تولى فضيلته منصب رئيس جامعة الأزهر فى 28 من سبتمبر عام 2003م، حتى 19 مارس عام 2010.
مشيخة الأزهر والمسئولية العالمية
تولى فضيلة أ.د أحمد الطيب منصب شيخ الأزهر، فى 3 ربيع الثانى 1431هـ، الموافق 19 مارس 2010م حتى الآن، خلفًا للإمام الراحل أ.د/ محمد سيد طنطاى. وهو الإمام الخمسون للجامع الأزهر، وبحكم منصبه شيخًا للأزهر.
يرأس الإمام الطيب هيئة كبار العلماء، ومجمع البحوث الإسلامية، والمجلس الأعلى للأزهر، كما يرأس فضيلته المنظمة العالمية لخريجى الأزهر، التى تم إنشاؤها عام 1428هـ، الموافق 2007م، خلال توليه منصب رئيس جامعة الأزهر، ويترأس فضيلته المؤتمرات الدولية التى تعقدها.
الصامت المتحدث بالحق
داخل أروقة مشيخة الأزهر الشريف بالدراسة، هذا المبنى العتيق والذى بُنى على الطراز الإسلامى، شهد العديد من القرارات والمقابلات العالمية التى حصنت هذه المؤسسة الدينية من التيارات العاتية التى كانت تريد النيل من الإسلام والمسلمين فى شتى بقاع الأرض.
وقف الإمام الطيب بكل قوة يدافع عن القضية الفلسطينية بصفتها القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية، وكان أول من تصدى لجماعة الإخوان المسلمين ولكل صنوف التدين الشكلى للتيارات الإسلامية فى مصر والعالم.
ثورة يناير
كان للإمام موقفًا واضحًا وقت ثورة 25 يناير 2011، أيد المطالب المشروعة للشعب المصرى فى ظل الحفاظ على الأرواح والدماء التى حرم الله التعدى عليها، وكان للإمام عدة مواقف رافضة للعنف وإزهاق أرواح المصريين وقت الثورة، وكلما شاهد الإمام الأكبر عبر وسائل الإعلام مشاهد العنف والدماء تجتاح الميادين كان يذهب الى حصنه الروحى فى قريته، يحتجب ويعتكف متضرعًا الى الله أن يحفظ المصريين من كل هذه المخططات التى كانت تريد تدمير هذا الوطن لصالح أعداء الدين والإسلام والإنسانية.
السيسى والطيب
العلاقة القوية بين الأزهر الشريف ممثلة فى الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب كانت ولا تزال داعمة للدولة المصرية ولشخص القيادة السياسية لفخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى رئيس الجمهورية، هذه المواقف ثابتة لا يستطيع أحد أن يحاول تغييرها بالشائعات وبث السموم داخل الأوساط السياسية والمجتمعية وأروقة جلسات النميمة الكارهة للوطن، فكان الإمام الأكبر أول من لبى دعوة الفريق أول عبد الفتاح السيسى وزير الدفاع وقتها مع طوائف وقيادات المؤسسات الوطنية، لوقف العنف وإراقة دماء المصريين، من هذا المنطلق توحد الفكر بين الرئيس والإمام على الدفاع عن مقدرات هذا الوطن والحفاظ على صون حدوده وأراضيه، والتصدى بكل حزم لمن يحاول نشر الفوضى والعنف داخل المجتمع المصرى.
بيان صاغه الإمام الأكبر بنفسه
ولشعور الأزهر بخطر يهدد الوطن، سارع الإمام الأكبر بصياغة ومراجعة بيان الأزهر بنفسه حول ما يحدث قبل ثورة 30 يونيو، وخروج المصريين لنبذ عنف جماعات الإسلام السياسى وجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، لمحاولة الاعتداء على المتظاهرين السلميين حيث أكد الأزهر وقتها أنه لايمكنه أن يغض الطرف أويتجاهل الموقف أو يقف مكتوف اليدين أمام تلك المجموعات التى تندس بين المتظاهرين السلميين وتحمل كل أنواع السلاح لجر البلاد إلى المواجهات داعيًا كل عقلاء الوطن وأجهزة الدولة المعنية إلى اتخاذ إجراءات فورية لتجريد هؤلاء من السلاح وضبطهم وضرورة وضع المصلحة العليا للوطن وأمنه وأمانه فوق كل اعتبار.. هذه السطور رصدت فى لمحة بسيطة تاريخ من نور ومواقف لا تُنسى للإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر فى عامه الثمانين متعه الله بكامل الصحة والعافية.
نقلًأ عن صحيفة روزاليوسف



