الثلاثاء 20 يناير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

من أفضل نعم الحياة أن تجد صديقا مخلصا في العمل، يدخل يومك بثقل مسؤوليته، يحول الساعات الباهتة إلى لحظات مليئة بالطاقة والمساندة، لتدرك أن العمل لا يقوم على الجهد فقط بل على الرفقة التي تعينك على الاستمرار، نعمة لا ينتبه لها كثيرون يجلس بجوارك حين تتعثر، ويقف خلفك حين تنهض، ويضع من تفاصيل الأيام أصلاً من أصول الراحة التي تشترى.

عندما التحقت بمؤسستي الحبيبة العريقة روزاليوسف، كان لويس جريس مدير تحرير مجلة صباح الخير هو الشخص الذي احتضني، وعاوني بالتكيف في نموي المهني، وأصبحنا أصدقاء في فترة زمنية قصيرة. تطورت علاقة الصداقة، واقتربت منه وعائلته، تعرفت على الأم الطيبة القادمة من مركز أبوتيج بمحافظة أسيوط، والمقيمة مع الابن الأوسط فايز جريس المحامي المعروف في مسكنه، وحيث مقر مكتبه بشارع مظلوم القريب من مبنى جريدة الأهرام القديم.

 

كان لويس جريس عريسا جديدا في حالة حب، متزوجا من أربع سنوات من الفنانة سناء جميل، لم أتعرف على زوجته إلا من خلال اتصالاتها التليفونية معه في الثامنة من مساء كل يوم، تحثه فيها للعودة إلى البيت، وهو يرد "حاضر يا سناء.. هانزل أهو".. ويستمر الحكي في مكلمة لويس جريس، كما كنا نطلق على غرفة مكتبه بمدخل الطابق الخامس، وأبوابها المفتوحة طوال الوقت، يعبر إليها كل شاغري هذا الطابق الذي يضم أسرة تحرير مجلة صباح الخير لإلقاء التحية أو لمناقشة شؤون المجلة، أو أمر ما.. يستمر لَوّيَزْ كما يسميه المقربون إليه فى الحكي مردداً واخد بالك! ولا يتوقف عن الكلام المباح إلا عندما يدق الهاتف مرة أخرى، وصوت غاضب يأتي عبر الأثير فينك يا لويس.. ما جتش ليه؟!، ماتنساش تجيب معاك كذا وكذا،

ملقية بقائمة طلبات.. والإجابة كالمعتاد.. حاضر نازل أهو.

إلى أن جاء يوماً بعد انتهاء العمل دعاني فيه لزيارة منزلة المطل على النيل بمنطقة المنيل، كان متأخراً عن موعده مع العروس، احتمى بي وهو يدلج مسكنه، صائحا "سناء أنا جيت"، وهو يتجه بي إلى غرفة مكتبه ومكتبته، فقد كانت سناء تجلس فيها على ماكينة خياطة، وبعد أن عبرت عن استيائها من تأخره. انبسطت الحواجب المقطبة عبوساّ، واتسعت الجفون المتوترة، وابتسمت الشفاة المضمومة غضباّ، وبوجه متهلل بالبهجة والسرور، صاحبتني معانقة، اتسع بؤبؤ عينيها، قامت من مجلسها ترحب بي، بابتسامة حنونة، لتحدثني عن حبها للتفصيل والخياطة، وكيف تعتبره فنًا لا يقل عن تحويل السيناريو لشخصية متكاملة، الهواية بدأت كضرورة في بدايتها عندما اضطرت للعمل إلى جانب هواية التمثيل التي لم تكن تدر دخلاً كافياً لمعيشتها، فعملت في تفصيل الملابس والتطريز وأجادت تلك المهنة ولازمتها طوال حياتها، حتى عندما تزوجت لويس أصرت على أن تقوم بتفصيل فستان زفافها بنفسها وجعلته أيضاً يصلح لعدة مناسبات، كما قامت بتفصيل وحياكة ملابسها في مسلسل "الرايا البيضا" بنفسها عندما قامت بدور فضة المعداوي.

وهنا تدخل لويس ليؤكد ضاحكًا أنها تهوى وتعشق مهنة "الخياطة"، حيث تمارسها في وقت فراغها، وتصر على أن يلبس من تصميم أيديها حيث كانت "تفصل" له بنطلوناته بالكامل، وشهد لها بالمهارة.

قادتنا سناء جميل أنا و لويس لشرفةّ مسكنهما بالطابق الثالث المطل على فرع النيل لنكمل جلستنا، وأتلقى ضيافتها بفنجان شاي وقطع من "الكيك" من صنع يديها فهي ماهرة في الطهي بقدر مهاراتها في "الخياطة"، ربة منزل قبل أن تكون فنانة عظيمة، شاهدت ذلك بنفسي عندما اقتربت أكثر منهما، وتعايشت معهما فيما بعد ورأيت سناء تطبخ وتكنس وتمسح وتكوي الهدوم دون الاعتماد على المساعدة في أي شيء، ورأيتها تنشر الغسيل في سطح بيتهما عندما انتقلا للعيش في منطقة المقطم.

لاحظت ارتفاع صوت لويس وهو يتحدث معها، ومرات لم تكن تسمع تعليقاتي، فسناء كانت تعاني من مشكلة في السمع لازمتها حتى وفاتها بعد أن تلقت صفعتين قويتين في حياتها إحداهما من أخيها عندما التحقت بمعهد التمثيل، وصفعة أخرى في أحد أعمالها الفنية، في دور نفيسة عندما صفعها أخوها الضابط في فيلم "بداية ونهاية" النجم عمر الشريف.

كما أوضح لويس عندما قرأ تساؤلات عينيّ، تأثر عمر الشريف تأثرا شديدا بالصفعة التي صفعها للفنانة، رغم أنه حذرها قبل التصوير بقوله "بلاش يا سناء، أنا إيدي طارشة، لكن سناء آثرت بقولها "أنا مش سناء، أنا نفيسة أختك.. القلم لازم يكون قلم، أتفضل يا أستاذ"، وشهد الأديب الكبير نجيب محفوظ بأنها أكثر من عظيمة في شخصية نفيسة فقد قالت ما لم يستطع قوله.

 

 

…وعن الفنانة التى اعتبرها فؤاد المهندس "اختراعا".. نفيسة الحلوة، البلحة المقمعة وحفيظة وفضة المعداوي.. نكمل الحكي..

 

تم نسخ الرابط