تشكل تجربة الأستاذ داوود عبدالسيد (23 ديسمبر 1964) تجربة فريدة،ليس على مستوى المنجز الفنى فقط، ولكن على مستوى التجربة الحياتية والشخصية،فهو ينتمى للجيل الذى عرف تاريخيًا بـ(جيل ثورة يوليو)، والذى وصفه كثيرون بجيل الأحلام والهزائم.. وقد اختزن تجربته داخله حتى أخرجها فى فيلم (أرض الخوف) إنتاج عام 2000.
وهو أيضًا صاحب النبوءة عن علاقة المثقف بالسلطة وقوى السوق والفساد الذى ضرب الجميع فى فيلم (الحكايات الممتعة) والذى يقارب طيفًا من الواقعية السحرية والذى عرض عام 2001.. وبشكل عام يمثل الأستاذ داوود نموذجًا فريدًا للمبدع والمثقف المصرى، سواء فى استقلاله الفكرى، أو فى حرصه على الإتقان، أو فى ملامح مشروعه السينمائى الفريد الذى لا يشبه غيره.. يمكن بسهولة وصف داوود بإنه (فيلسوف يصنع أفلامًا)، أو إنه صاحب الأسئلة الكبرى، فكل فيلم من أفلامه التسعة هو مناسبة لطرح أسئلة الوجود الكبرى بطريقة بسيطة وعميقة وممتعة معًا.. إنه يحكى لك حكاية شيقة لكنك لا تخلد للنوم بعد نهايتها.. بل تستيقظ لتحاول الإجابة عن الأسئلة.
تتحدث صفحات الكتاب التالية عن تجربة الأستاذ داوود عبدالسيد فى الفن، والحياة، كما وردت على لسانه فى سلسلة حوارات طويلة مع كاتب هذه السطور.. وهى تجربة بدأناها معًا فى عام 2021 ،حيث امتدت جلساتنا المتقطعة لعدة شهور بحضور شريكة حياته الكاتبة الكبيرة كريمة كمال، وقد شاءت الظروف أن يخرج الكتاب للنور هذا العام، وبعد مرور أربع سنوات كاملة على بدء العمل، وكأن هذه المذكرات قد اكتسبت طابع صاحبها فى التأنى والصبر على التفاصيل، والاهتمام بالكيف على حساب الكم، كما كان حال الأستاذ داوود فى حياته وأفلامه الطويلة التسعة التى شكلت كلها علامات سينمائية بارزة، أنتجها خلال حياة مهنية قاربت النصف قرن.. فى فصول هذا الكتاب يروى الأستاذ داوود أطيافًا من ذكرياته فى الطفولة، والنشأة، والعلاقة بالسينما،والدراسة ثم الاحتراف.. كما يروى تجربته فى صناعة أفلامه، وتجربته مع أبطال أفلامه وعناصرها الإنتاجية المختلفة، تشكل هذه المذكرات فى أحد جوانبها أيضًا تأريخًا شفاهيًا لرحلة المجتمع من الستينيات وحتى الآن من وجهة نظر مثقف كبير،فضلًا عن كونها شهادة على التغيرات التى شهدتها مصر فى خمسة عقود بعيون فيلسوف لديه القدرة على الرصد والتساؤل والإشارة لموضع الخلل.. على المستوى الشخصى كانت رحلتى مع هذه المذكرات أكثر من ممتعة وقد شرحت للأستاذ داوود فكرتى قائلًا إننى أحب أن أحاوره بنفس الطريقة التى حاور بها أستاذى رجاء النقاش(1934-2008) الأستاذ نجيب محفوظ، وأن أسجل مذكراته ،كما سجل الأستاذ رجاء النقاش مذكرات محفوظ تحت عنوان (صفحات من مذكرات نجيب محفوظ).. وأرجو أن أكون وفقت فى هذا بقدر الإمكان.. وعلى الله قصد السبيل.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



