الإثنين 26 يناير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

تعتبر رواية «أولاد حارتنا» للأديب نجيب محفوظ من أكثر الروايات العربية إثارةً للجدل، فقد تم منع نشرها فى الكثير من البلاد العربية باعتبارها تجرأت على تمثيل الذات الإلهية، وإعادة تمثيل شخوص أنبياء الأديان السماوية الثلاثة.


جاء عنوان الرواية «أولاد حارتنا»، شاملاً لقصص تم عرضها بصورة رمزية تعبر عن الواقع، فكلمة أولاد هى تعبير عن الناس، وكلمة حارتنا هى تعبير عن الأرض التى يعيش عليها الناس.


ومن الخصائص الفنية لرواية أولاد حارتنا، تعدد الجوانب الفلسفية والتاريخية، فهى رواية رمزية عن الصراع بين الخير والشر من خلال مراحل التاريخ، وفى نهايتها تطرح فكرة فلسفية حول العلاقة بين العلم الحديث والدين.


فى الرواية وصف الجبلاوى زعيم الحارة بأنه: «يبدو بطوله وعرضه خلقً فوق الآدميين كأنما من كوكب هبط»، ووصف اعتراض إدريس على إدارة أدهم للوقف بقوله: «لن أسمعك لحن السمع والطاعة».


وكما تم طرد إبليس من الجنة فالجبلاوى يطرد إدريس قائلاً: «أدهم على دراية بطباع المستأجرين ويعرف أكثرهم بأسمائهم»، وكما خرج آدم وحواء من الجنة، فيخرج أدهم وزوجته من البيت الكبير، وكما أنجب آدم ولدين هما قابيل وهابيل، فإن أدهم أنجب ولدين هما قدرى وهمام، وكما قتل قابيل هابيل فإن قدرى يقتل همام.


ومن قراءة الرواية يتضح مدى تأثر المؤلف بالقصص القرآنى، مع الفرق بأن القرآن الكريم كتاب للهداية، ولذلك فالقصص القرآنى هدفه العبرة من خلال تصوير صراع الشخصيات كما حدث فى قصة النبى يوسف عليه السلام.


فالقصص القرآنى ليس مجرد حكايات، ولذلك تمر القصة فى القرآن بأحداث مع التوقف بينها للعبرة: (لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِى الأَلْبَابِ) يوسف111، فقصة النبى يوسف بها مواقف إنسانية مختلفة تجعلها قابلة للتكرار. 


وفى قوله تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ. إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) يس 13-14، الآية لم تذكر اسم القرية، أو المرسلون الثلاثة، أو موقع القرية، أو زمن الحدث، غابت فى القصص القرآنى الأركان الواقعية للحدث التاريخى من الزمان والمكان، وتم التركيز على أهمية العبرة.


ولأن القرآن كتاب فى الهداية، فقد استعمل ضرب الأمثلة والقصص للعبرة، ولم يكن القرآن موجهاً للعرب فى القرن السابع وحدهم، وإنما هو لهداية كل الناس، ولذلك حين يتحدث القصص القرآنى عن وقائع تاريخية معاصرة لنزول الوحى يجرد الواقعة من الزمان والمكان وأسماء الأشخاص ويرتفع بها إلى مستوى الإنسانية لتكون عبرة للناس فى كل زمان ومكان. 


وهذا ما حدث مع المنافقين من جواسيس المشركين فى المدينة: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) النساء 141.


وعندما تحدث القرآن عن مشركى مكة أو منافقى المدينة لم يقل يا أهل مكة المشركين أو يا منافقى المدينة، وإنما جاء التعبير «الكافرون، المشركون، المنافقون»، وبذلك يتحول إلى وصف عام ينطبق على الماضى والحاضر والمستقبل، وصف لا يتحدث عن الأشخاص وإنما عن الأفعال التى يقوم بها الأشخاص. 


القصص القرآنى يشكل أغلب آيات كتاب الله ويتحدث عن الأحداث التاريخية من أخبار السابقين وقصص الأنبياء، ويقدر عدد آيات الأحكام من العقوبات وقوانين الأحوال الشخصية من طلاق وزواج ومواريث فى القرآن بحوالى 500 آية، وحوالى 130 آية للعبادات من صلاة وزكاة وصيام وحج، من جملة 6236 آية.


وقد تم اختزال الدين فى العبادات باعتبارها التدين المطلوب من المسلم، وتم تطبيق نسبة قليلة من جملة ما نزل من الآيات التى تتحدث عن أخبار السابقين والكون بقوانينه ومنظومة الأخلاق والمعاملات، والتى هى من التدين الذى يطبق الإسلام.


فى القصص القرآنى تكررت كلمة فرعون 74 مرة فى 27 سورة، وهو ما يبرز أهمية قصته فى القرآن، لأن فرعون قبل أن يكون لقب لشخص فهو يمثل ظاهرة سياسية عن الطغيان والاستبداد اللذين يتكرران ولا ينتهيان، وقد عبرت هذه الظاهرة عن الديكتاتورية السياسية فى أوضح صورها فى زمن الفرعون المذكور فى القرآن الكريم.


إن القصص القرآنى حق مطلق لأنه كلام الله، والحق فى الروايات التاريخية نسبى لأنه كلام بشر، ولذلك فالقصص القرآنى يصحح بعض أخطاء الروايات التاريخية.


(يتبع)

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط