rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

لكل فن حكماؤه الذين يعلمون أسرار صنعته ومواطن القوة والضعف فيه، وللكوميديا فقهاؤها الأفاضل مثل المؤلفين محمد عز الدين ومصطفى صقر وعبد الرحمن جاويش والمخرج كريم الشناوي؛ الذين قدموا لنا عملا فنيا يعد نموذجا فخما يحتذى به في فن السخرية والفكاهة؛ ذكاء وجرأة في تشريح الفساد بالمجتمع منذ الطفولة وحتى الكبر عاصفة من النقد اللاذع عزفت على أوتار هشاشة بنية الطبع الإنساني.

 

 فيلم "السادة الأفاضل".. كوميديا لا تشبه الكوميديا؛ وضحك لا يشبه الضحك؛ لم يتبن المؤلفون البناء التقليدي العام المتعارف عليه في صنع مواقف كوميدية بتسلسل محدد يؤدي إلى الضحك، بينما اعتمدوا على بناء حدث درامي ضخم؛ بدأ بوفاة الأب الذي كشف عن فساد بنية طويت المحيطين به ومن ثم الأب نفسه؛ رسموا مجموعة من الأنماط الشخصية المتباينة في الطبع والمتسقة مع فسادها ومتماثلة في الدناءة والخسة؛ هذه الأنماط المتفرقة والمتعددة في تشكيل مجموعة من الكورس لحفنة من الفاسدين خلقت شكلا آخر من الكوميديا معتمدا على السخرية من نفاق هؤلاء وسوء طويتهم فأصبح الضحك عليهم وليس منهم؛ وكأن الكتاب استطاعوا بحذق شديد رسم مجموعة من الكورس الغنائي لأنماط من الفاسدين والمدعين خلقوا منهم حكاية هؤلاء الأفاضل.

تبدأ السخرية من عنوان الفيلم ذاته الذي يحمل تهكما واضحا من تلك المجموعة التي نحن بصدد مشاهدة أنباء قصتها الدرامية؛ نحن لا نتابع هنا قصة درامية تقليدية أو كوميديا اجتماعية اعتيادية بل تتلى علينا أنباء قرية متفسخة مهترئة اجتماعيا وإنسانيا.. عن عائلة يموت رب أسرتها الذي يفتتح الفيلم مشهده الأول بمحاكاة ساخرة "بارودي" من لوحة "خلق آدم" لمايكل أنجلو استبدل تفاصيلها المبدع كريم الشناوي بصور كارتونية مركبة على اللوحة للأب "جلال أبو الفضل" وأبنائه.. حيث خلق آدم وبدأ الفساد في الأرض حتى إن الملائكة استنكرت خلق البشر على الأرض؛ بهذه الفلسفة في بداية الخلق نسج الشناوي ومجموعة العمل نقده وسخريته من رجل يدعي الورع والزهد يمتلك مطعم "حواوشي"، بينما نعلم مع خبر وفاته الكاذب أنه تاجر آثار عثر على مقبرة وادعى أنه مات حتى يهرب من ملاحقة أخيه له "أشرف عبد الباقي" الذي يريد أن يقاسمه هذا الكنز الكبير؛ الابن يعلم فساد أبيه ويعينه على تمثيليته؛ ثم نكتشف نصب الأب على رجل آخر زعيم العصابة "سمير إيطاليا" بعد أن دفع له عربون مومياء فرعونية يأتي ويطالب بأمواله يوم الجنازة؛ هذا اليوم الذي يوافق ليلة العيد يستغله الجميع لفعل كل ما يحلو له من سرقة وقتل وفساد في الأرض.

 

تعددت طبقات الفساد في مجتمع قرية الأفاضل من الطفل الصغير الذي يتناقل الأخبار بين العائلة ويفسد العلاقات بينهم وامتد إلى الأب والأبناء والزوجة والعم وأبناء العم؛ وكأن هذا الفساد في بنية الطبع جاء من سوء تربية هذا الصغير إلى هؤلاء الكبار ثم صغار القرية وصعاليكها طه دسوقي وعلي صبحي وميشيل ميلاد، فهذا المكان موبوء من الطفولة إلى الكهولة.

 

ليس هناك بطل يحمل خيرا في طبعه أو يسعى لكشف فساد هذا المجتمع، بينما المجتمع يكشف عن نفسه بنفسه الكتابة المغزولة بحكمة وذكاء هي البطل الأول لهذا العمل الفني الاستثنائي كتابة فنية محكمة البناء عميقة الأبعاد والأثر؛ اتسمت بالبلاغة والمبالغة في التعبير الساخر عن هذه القرية التي لا تحمل شيئا سوى العطب في نسيجها وطباع أهلها؛ وكأن مؤلفيها يحملون ريشة فنان تشكيلي يصور ويهيئ لوحة ضخمة متعددة الألوان والأنماط لأنواع الفساد في البشر؛ كما أضافت لعبة التنكر والقناع قيمة أخرى لهذا الكرنفال الفني الساخر وهي إحدى أدوات "الكوميديا دي لارتي" التي تعتمد الأقنعة كأداة لتضخيم الشخصيات والحدث وشدة المبالغة في السخرية منه؛ تنكر الأب بقناع غير مرئي في ثياب الرجل الورع الصالح، وكذلك إخوته؛ ثم تنكر بشكل مادي حقيقي في هيئة امرأة منتقبة حتى تتاح له حرية الحركة بين الناس كي لا تكتشف لعبته؛ ثم تنكر في هيئة عروسة "دبدوب" الذي حل محل جسد المتوفى على فراش الموت؛ وعلى سبيل المبالغة وضع "الدبدوب" الذي يخرج لسانه للعالم في نعش الأب ويسير بين المشيعين بالجنازة فيصيح أحدهم "النعش بيطير" في إشارة لشدة صلاح هذا الرجل..!؛ في هذا المشهد تحديدا ثم مشهد المومياء التي وضعت ك"عروسة" مهملة حارسة للأرض وصل الشناوي بنا إلى ذروة كل شيء ذروة السخرية وذروة هذه المهزلة الإنسانية؛ مجتمع صغير يحيا ويقدس الهزل والخرافة حتى وصل إلى ذروة اللاشيء.

 

يعيد "السادة الأفاضل" لصناعة السينما روحها ورونقها؛ أبدع كريم الشناوي حينما قدم الكوميديا ككرنفال فني فاضح لهؤلاء المقنعين الأفاضل أشخاص مثيرة للسخرية والشفقة؛ تشظت الشخصيات أمامنا في صورة متفجرة بالدناءة والخسة والتوحش لم تخضع هذه الشخصيات لمنطق الدراما التقليدي، بينما جاءت في صورة استعراضية لهذا العطب الإنساني والاجتماعي؛ جاء هذا الاستعراض مفصحا أيضا عن مواهب أصحابه كل نجم يتبع فساد الشخصية التي جاء من أجلها بقوة ومهارة واحتراف كبير بدءا من بيومي فؤاد الأب؛ والأبناء محمد ممدوح ومحمد شاهين؛ وابنة العم الحاقدة ناهد السباعي وانتصار الزوجة؛ ثم أحمد السعدني الذي يقدم نفسه في ثوب جديد بشخصية سمير إيطاليا غير السعدني هيئته ورغم صغر حجم الدور إلا أنه تعامل مع "إيطاليا" بجدية شديدة وكأننا نرى سعدني آخر غير الأب المكلوم في "لام شمسية"؛ ومحمد جمال قلبظ؛ ثم طه دسوقي الكوميديان والممثل الذي لا يشبه نظيره صاحب بصمة خاصة بأعماله الفنية وفي كل مرة يأتي بما هو جديد؛ ومعه علي صبحي، شكلا ثنائيا منسجما في الاجتماع على الغباء والرعونة والفساد ثم ميشيل ميلاد ابن العم الأبله، أتقنه ميلاد، حتى كدت أن تتعاطف مع بلاهته؛ ثلاثي أضاف للفيلم بعدا آخر من الكوميديا والفكاهة بـ"طه وعلي وميلاد" فهم أشبه بثلاثي أضواء المسرح لكل منهم شخصيته وقدرته على اللعب وممارسة الكوميديا بأسلوبه المستقل تماما، ثم يجتمع هذا الاستقلال ليخرج التحام منسجم قادر على الوصول إلى منتهى الفكاهة والهزل؛ هذا الجمع من الكوميديانات الأفاضل أثرى العمل فنيا بصورة بديعة؛ وكذلك الممثلة الشابة دينا دياب في دور فتاة العكاز بالقرية والتي تعد أحد اكتشافات هذا العمل الفني الاستثنائي، تكتب دينا شهادة ميلادها كممثلة لها شأن كبير؛ "السادة الأفاضل".. ليس مجرد فيلم كوميدي عابر، بينما قصيدة هجاء سينمائية سوف تبقى في ذاكرة السينما عقودا طويلة.  

 

تم نسخ الرابط