قد يظنّ كثيرون أن سياساتٍ اقتصادية مثل التأميم والخصخصة بدأت في مصر خلال حقبتى الخمسينيات والستينيات، ثم التسعينيات، غير أن الدراسة التاريخية تؤكد أن مصر كانت من أوائل الدول التى طبّقت هذه السياسات منذ القرن التاسع عشر، وتحديدًا عام 1805، مع تولّى محمد علي حكم البلاد.
هذه بعض الحقائق والأسرار المنسية التي يكشفها كتاب «القطاع العام في مصر.. قراءة وثائقية من عهد محمد على حتى اليوم» للزميلة إيمان مطر، مدير تحرير مجلة روزاليوسف، والذى يُعد مرجعًا متكاملًا يرصد المسيرة التاريخية للقطاع العام فى مصر، ذلك القطاع الذى لم ينل نصيبه الكافي من الدراسة، رغم مئات الرسائل الجامعية لدرجتي الماجستير والدكتوراه فى مختلف مجالات الاقتصاد المصرى.
يرصد الكتاب المسيرة التاريخية للقطاع العام في مصر منذ نشأته في عهد محمد على باشا حتى اليوم، والتحولات الاقتصادية الكبرى التى مرت بها مصر خلال عهود أسرة محمد على، في الفترة الممتدة من عام 1848 وحتى عام 1952، وما شهدته البلاد آنذاك من استحداث نشاط اقتصادى تمثل في مجال التأمين، إلى جانب التوسع فى إنشاء البنوك، مقابل تراجع الصناعة الوطنية نتيجة لاستحواذ القوى الأجنبية على مقدرات الاقتصاد المصرى. وقد فرضت هذه القوى نفوذها من خلال ما عُرف بـ«الامتيازات الأجنبية» التى منحتها امتيازات ومزايا واسعة، فتمت معاملتها بمعايير تفوق ما كان يُمنح للمصريين أنفسهم.
كما يتناول الكتاب محاولات الرأسمالية الوطنية للنمو فى ظل هذه الهيمنة الأجنبية، والتحديات التى واجهها الاقتصاد المصرى خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، والسياسات التي تبنتها الدولة للحفاظ على ما تبقى من مواردها.
ثورة يوليو والتحولات الكبرى
ثم ينتقل الكتاب إلى مرحلة التحول الكبرى التى جسدتها ثورة 23 يوليو 1952، وما تبعها من حالة ارتباك اقتصادى بسبب حداثة عهد مجلس قيادة الثورة بإدارة شئون البلاد، والظروف التى أدت إلى تأميم قناة السويس ورفض الرئيس جمال عبد الناصر شروط إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية بإقامة قواعد عسكرية لهما فى منطقة قناة السويس وما ترتب على ذلك من شن إنجلترا وفرنسا وإسرائيل العدوان الثلاثى على مصر وما تبعه من فرض الحراسة على الممتلكات الأجنبية فى الدول التى شاركت فى العدوان الثلاثى. ثم اجتياح موجة التأميم لمختلف قطاعات الاقتصاد خلال حقبتى الخمسينيات والستينيات والتى أسهم فيها العمال بشكل أو بآخر.
ويكشف الكتاب عن مجموعة من السياسات الاقتصادية التي انتهجها الرئيس جمال عبد الناصر، والتى لم تنل نصيبها الكافى من الإعلان أو التوضيح، رغم تأثيرها الكبير على مسار الاقتصاد الوطنى.
مرورا بمرحلة السبعينيات وما شهدته من صدور قوانين الانفتاح الاقتصادى، وما ترتب عليها من آثار بالغة على شركات القطاع العام التي بدأت تعاني نتيجة لتغير السياسات الاقتصادية، الأمر الذي أسفر عن تفاقم أزمة الديون الخارجية وبلوغ الاقتصاد المصرى مرحلة حرجة كادت تؤدى إلى إعلان إفلاس الدولة مع نهاية الثمانينيات.
حالات الفساد ببرنامج الخصخصة
وفي حقبة التسعينيات، يرصد الكتاب ما شهدته من إعادة هيكلة للاقتصاد عبر الإبقاء على عدد من الشركات التابعة للدولة ضمن إطار القطاع العام، وإنشاء «قطاع الأعمال العام» الذي خضع لاحقًا لبرنامج الخصخصة. ويعرض الكتاب تفاصيل بيع هذه الشركات خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، وما صاحب ذلك من احتجاجات واضطرابات عمالية اعتراضًا على أساليب تنفيذ الخصخصة في بعض الشركات، فضلًا عن نشر بعض قضايا الفساد التي شابت هذه العمليات والأحكام القضائية التى أنصفت أموال الشعب وأعادت الشركات إلى قطاع الأعمال مرة أخرى.
كما يتناول الكتاب المرحلة التى أعقبت ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011، وما شهدته البلاد من اضطرابات سياسية وانفلات اقتصادى انعكس بوضوح على أداء القطاع العام، ثم فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين لمصر لمدة عام، وما أعقبها من ثورة الثلاثين من يونيو عام 2013، وما تلاها من أعمال إرهابية واغتيالات قامت بها عناصر جماعة الإخوان المسلمين للعودة للحكم مرة أخرى مما ترك آثارًا سلبية عميقة على الاقتصاد الوطني وشركات قطاع الاعمال العام.
ويستعرض الكتاب مرحلة عودة برنامج الخصخصة من جديد، لكن فى صورة أطروحات حكومية لحصص من بعض الشركات والبنوك في البورصة.
وفي فصله الأخير، يقدم الكتاب صورة شاملة للوضع الراهن لشركات قطاع الأعمال العام، ولقطاعي البنوك والتأمين العاملين في السوق المصرية، موضحًا جنسية رؤوس الأموال المشاركة فيها، بما يرسم خريطة دقيقة وشاملة للاقتصاد المصرى المعاصر، تشكل شهادة صادقة توثق مسار تطور القطاع العام وتحولاته عبر مختلف الحقب التاريخية، لتكون مرجعًا للأجيال القادمة فى فهم تاريخ الاقتصاد المصرى الحديث.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



