الأربعاء 28 يناير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

"ضد المنطق" - قصة التعليم بمصر في قرنين.. من الطموح إلى الاكتفاء بـ"الأنصاف"

غلاف كتاب ضد المنطق
غلاف كتاب "ضد المنطق"

رحلة بحث في قصة التعليم في مصر، بداية من حلم بناء دولة على يد محمد علي وصولا إلى الامتفاء بأنصاف كل شيء، خاضها الكاتب والباحث محمد توفيق في كتابه الجديد "ضد المنطق"، أكد فيها أن التعليم كما يمثل حجر الزاوية في بناء الأوطان، يمكن جدا أن يكون سبباً في هدمها إذا تحول إلى مجرد تلقين وتجهيل، وابتعد عن التفكير النقدي.

شدد محمد توفيق في كتابه على أن التعليم الحقيقي هو الأثر الذي يتركه في سلوك وشخصية المتعلم، وليس مجرد شهادة دراسية أو مجموع درجات مرتفع، فالتعليم هو التغيير الإيجابي الذي يطرأ على حياة الفرد، وهو أساس لمهنية وصدق كل صاحب حرفة، من الطبيب إلى المهندس، هذه الرؤية كانت أساساً لنهضة محمد علي باشا في القرن التاسع عشر، الذي استثمر في النوابغ لقيادة البلاد في مختلف المجالات، لكن مع مرور السنوات، تحول التعليم إلى مجرد ورقة صغيرة يحصل عليها الطالب حتى لو كان "نصف متعلم".

 

أزمة "الأنصاف" وتأثيرها المجتمعي

يرصد الكاتب ظاهرة "الأنصاف" التي سادت النظام التعليمي، حيث رضي الجميع بالحد الأدنى خوفاً من خسارة كل شيء هذه الأزمة شملت جميع أطراف العملية التعليمية:

 

  • التلميذ .. حصل على نصف شهادة، وذاكر نصف كتاب، واستوعب نصف فكرة.
  • المعلم .. قَبِل بنصف راتب مقابل نصف وظيفة، ومنح نصف جهده، ومنع نصف علمه.
  • ولي الأمر .. دفع ثمن أنصاف التجارب، وأنصاف الإصلاحات، وأنصاف الوعود.
  • الوزارة .. رضيت بنصف دورها، ووفرت للتلاميذ نصف مدرسة بنصف ما تحتاج إليه من معلمين.

 

كانت النتيجة المترتبة على هذه الأنصاف هي ظهور أجيال "نصف متعلمة، نصف جاهلة، نصف مثقفة"، تنتظر نصف فرصة لتصل إلى نصف حياة.

 

وفي سياق ساخر، يروي محمد توفيق نكتة للكاتب محمود السعدني تُلخص مآل التعليم، حيث ينتهي المطاف بالطالب المتنور في السجن، مما يعكس المفارقة بين الأثر المرجو للتعليم والواقع.

 

رحلة البحث التاريخي والأسئلة الشائكة

يصف "توفيق" في كتابه رحلته البحثية التي استغرقت سنوات لتتبع أثر التعليم في حياة المصريين على مدى قرنين، معتمداً على مراجع تاريخية نادرة، وأرشيف الصحف، ومكاتبات محمد علي باشا، ومقابلة الخبراء والوزراء، ويشير إلى أنه تجنب الاعتماد الكلي على مصادر الإنترنت والذكاء الاصطناعي لاحتوائها على أخطاء شائعة.

 

لم يكن الهدف هو التأريخ للثانوية العامة فحسب، بل الكشف عن كيفية تحول التعليم من أداة للترقي الاجتماعي إلى عبء يثقل كاهل المجتمع. اختار الكاتب الانطلاق من الحاضر نحو الماضي، ليضع القارئ في موقع القاضي أو المحامي أو حتى المتهم في هذه القضية.

 

قضايا التعليم عبر التاريخ

 

تناول الكتاب مجموعة من القضايا التي صاحبت التعليم المصري منذ نشأته.

 

"الشهادة الدراسية" .. بدأ التعلق بالشهادة في عام 1880 باقتراح من ناظر المعارف علي باشا إبراهيم، الذي رأى ضرورة منح شهادة لمن يتم المرحلة الابتدائية لضمان كفاءته. تحولت هذه الشهادة بمرور الوقت إلى "جواز مرور" نحو الوظيفة الآمنة والترقي الاجتماعي.

 

"الدروس الخصوصية والكتب الخارجية" .. يكشف الكتاب عن أول مُدرسة حصلت على تصريح بإعطاء دروس خصوصية في عهد سعد زغلول، وتوقيت ظهور مراكز الدروس الخصوصية في الثلاثينيات. كما يتطرق إلى تاريخ الكتب الخارجية وتطورها حتى أصبحت بديلاً للكتاب المدرسي.

 

"الإصلاحات والرؤى النقدية" ... يقدم الكتاب رؤى إصلاحية لكبار المفكرين الذين تولوا وزارة التعليم، مثل طه حسين ومحمد حسين هيكل ونجيب الهلالي. وقد وصف تقرير الهلالي في الأربعينيات خريج المدرسة الثانوية بأنه يعاني "ضعفاً شاملاً في اللغات"، وحمل وزارة المعارف مسؤولية إلغاء شخصية المدرس والمدرسة.

 

"الغش والتسريب" ... يناقش الكتاب تطور ظاهرة الغش وتدهورها، ويرصد متى بدأت ظاهرة تسريب الامتحانات، مصححاً بعض المعلومات المغلوطة حول تسريب امتحانات.

 

الأسئلة التي لم تجب عنها المناهج

يقدم كتاب "ضد المنطق" مجموعة من الأسئلة التي يمكن وصفها بأنها "من خارج المنهج"، التي تتناول تفاصيل تاريخية واجتماعية مثيرة حول التعليم المصري، مثل: أول ظهور لتسريب الامتحانات، سبب تسمية الثانوية العامة بهذا الاسم، مصير الطالب الذي حصل على 105%، وتأثير تغيير النظام الحاكم على مناهج التاريخ، هذه الأسئلة تهدف إلى تحفيز القارئ على البحث عن الإجابات بين سطور الكتاب، مؤكداً أن الهدف هو زيارة جديدة لتاريخ مصر الحديث بعدسة مكبرة.

 

التعليم من التجهيز إلى البكالوريا

يختتم الكاتب بالإشارة إلى أن التعليم مر بمراحل متعددة، حيث سُميت الثانوية العامة في البداية "التجهيزية" في عهد محمد علي لتجهيز الطلاب للمدارس العليا، ثم تغير اسمها إلى البكالوريا والكفاءة والتوجيهية، مما يعكس التغير المستمر في نظرة المجتمع والدولة لهذه المرحلة التعليمية المحورية.

 

ربط توفيق في كتابه كل هذا بصورة المعلم في الأعمال الفنية على مدار التاريخ الحديث الفني بداية من "أستاذ حمام" وحتى "الناظر صلاح الدين".

تم نسخ الرابط