الأربعاء 04 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

في ظل التحولات العالمية

م.إيهاب محمود: مصر أمام فرصة تاريخية لتتحول لمركز إقليمي للطاقة والتصدير

بوابة روز اليوسف

في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم، تبرز مصر كأحد أهم اللاعبين المحتملين في إعادة رسم خريطة الطاقة والتجارة الدولية. هذا ما أكده المهندس إيهاب محمود، الخبير الاقتصادي واللوجستي ورئيس مجلس إدارة شركة «أرتك لوجستيك للملاحة والتجارة»، مشيرًا إلى أن المتغيرات الراهنة لا تحمل فقط تحديات جسيمة، بل تفتح في الوقت ذاته نوافذ فرص غير مسبوقة أمام الدولة المصرية إذا ما أُحسن استغلالها بإدارة واعية ورؤية استراتيجية طويلة الأمد.

 


حظر الغاز الروسي… نافذة ذهبية للغاز المصري

 

وأوضح المهندس إيهاب محمود، أن قرار الاتحاد الأوروبي بحظر استيراد الغاز الروسي اعتبارًا من يناير 2027 يمثل تحولًا استراتيجيًا في سوق الطاقة العالمي، ويضع مصر في قلب هذا التحول بوصفها أحد البدائل القليلة الجاهزة والقادرة على سد جزء معتبر من الفجوة المتوقعة في إمدادات الغاز إلى أوروبا.

 

وأشار إلى أن أهمية هذا القرار لا تكمن فقط في حجمه السياسي، بل في آثاره الاقتصادية الممتدة، حيث ستضطر الدول الأوروبية إلى إعادة هيكلة سلاسل الإمداد الخاصة بها، والبحث عن مصادر آمنة ومستقرة للغاز الطبيعي، وهو ما يمنح الغاز المصري ميزة تنافسية قوية، خاصة إذا ما تم التفاوض على عقود جديدة بتسعيرات عادلة تتماشى مع المتغيرات العالمية الراهنة.


بنية تحتية جاهزة ودور محوري لمحطات الإسالة

 

وشدد محمود على أن امتلاك مصر لمحطات إسالة الغاز، وعلى رأسها محطة دمياط، يمثل أحد أعمدة القوة الرئيسية في هذا الملف، حيث تمنح هذه المحطات مرونة كبيرة في التصدير إلى مختلف الأسواق، وليس فقط الأسواق القريبة جغرافيًا.

 

وأضاف أن الاتفاقيات الأورو-متوسطية التي وقعتها مصر مع كل من اليونان وقبرص تعزز من مكانتها كمحور إقليمي لتجميع وإعادة تصدير الغاز، مؤكدًا أن هذه الشراكات لا يجب النظر إليها باعتبارها اتفاقيات تقليدية، بل كأدوات استراتيجية لإعادة التموضع المصري في سوق الطاقة العالمية.

 

ويرى رئيس «أرتك لوجستيك» أن التكامل بين البنية التحتية، والاتفاقيات الدولية، والموقع الجغرافي الفريد، يمنح مصر فرصة نادرة للتحول من مجرد دولة منتجة إلى مركز إقليمي متكامل للطاقة والخدمات اللوجستية المرتبطة بها.

 


مراجعة التعاقدات وتسعير الغاز وفق المتغيرات العالمية

 


وفي هذا السياق، دعا المهندس إيهاب محمود إلى ضرورة تشكيل لجان عليا داخل وزارة البترول لمراجعة التعاقدات الحالية الخاصة بتصدير الغاز، وإعادة رسم خريطة توزيع الإمدادات بما يتوافق مع المصالح الاقتصادية العليا للدولة.

 

وأوضح أن المرحلة المقبلة تتطلب فكرًا مختلفًا في إدارة ملف الطاقة، قائمًا على تعظيم العائد وليس فقط ضمان الاستمرارية، مشددًا على أهمية تسعير الغاز المصدر وفقًا للأسعار العالمية الجديدة، وليس وفق معادلات قديمة لم تعد تعكس الواقع الاقتصادي الراهن.


وأشار إلى أن وجود حلفاء استراتيجيين لمصر في هذا الملف، مثل فرنسا وإسبانيا، يتيح هامشًا أوسع للمناورة والتفاوض، بما يسهم في تحقيق عوائد أكبر من النقد الأجنبي، ويعزز من قدرة الدولة على تجاوز الضغوط الاقتصادية الحالية.

 

قراءة في التحركات الدولية: بريطانيا والهند نموذجًا

 

وانتقل محمود في تحليله ، متوقفًا عند زيارة رئيس وزراء بريطانيا إلى الهند برفقة نحو 60 رجل أعمال، معتبرًا أن هذه الزيارة تعكس تفكيرًا عمليًا خارج الصندوق في مواجهة الركود الاقتصادي الذي تعانيه بريطانيا.


وأوضح أن هذا التحرك يعكس إدراك الدول الكبرى لأهمية الأسواق الصاعدة، مشيرًا إلى أن تنامي التحالفات الاقتصادية بين الهند والاتحاد الأوروبي يفرض تحديات مباشرة على دول مثل مصر،  وأن هذه المتغيرات تستدعي إعادة هيكلة شاملة لمنظومة التصدير المصري .

 

التصدير… من شعار إلى هدف قومي

 

وشدد المهندس إيهاب محمود على أن نجاح مصر في مواجهة هذه التحديات مرهون بقدرتها على تحويل التصدير إلى هدف قومي حقيقي، تدعمه سياسات واضحة وإجراءات تنفيذية فعالة، وليس مجرد شعارات مرفوعة.


وطالب بضرورة تذليل العقبات البيروقراطية التي تعرقل حركة المصدرين، وتقديم دعم حقيقي وملموس لهم، سواء على مستوى التمويل، أو سرعة الإفراج الجمركي، أو تسهيل الإجراءات الإدارية.


كما دعا إلى الاستفادة القصوى من عضوية مصر في تجمع «البريكس»، معتبرًا أنها تمثل منصة استراتيجية لتعميق التعاون مع القوى الاقتصادية الصاعدة، وعلى رأسها الصين والهند، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات والخدمات المصرية.

 


الذكاء الاصطناعي والاستثمار في المستقبل

 

وفي إطار حديثه عن المستقبل، سلط محمود الضوء على أهمية مؤتمر AI Everything المقرر انعقاده في فبراير المقبل بالقاهرة، مؤكدًا أنه يمثل محطة فارقة في مسار التحول الرقمي المصري، وأول نسخة أفريقية من نوعها.


وأوضح أن المؤتمر لا يقتصر دوره على كونه فعالية تكنولوجية، بل يمثل فرصة حقيقية لجذب استثمارات بمليارات الدولارات في مجالات البرمجيات والذكاء الاصطناعي، بما ينعكس إيجابًا على قطاعات حيوية مثل الملاحة، والسياحة، والتعدين، والخدمات اللوجستية.


وأشار إلى أن دمج التكنولوجيا الحديثة في هذه القطاعات لم يعد رفاهية، بل ضرورة حتمية لرفع الكفاءة، وخفض التكلفة، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد المصري.

 


تكامل الخبرة والشباب… وإعادة تعريف اللوجستيات

 


وعلى الصعيد التشريعي والمؤسسي، دعا المهندس إيهاب محمود إلى الدمج الحقيقي بين خبرات شيوخ المهنة داخل الغرف التجارية والصناعية، وطاقة الشباب الملم بالتكنولوجيا الحديثة، معتبرًا أن هذا التكامل هو السبيل الوحيد لبناء منظومة اقتصادية قادرة على مواكبة العصر.
كما طالب بإنشاء ساحات لوجستية بالمطارات في جميع المحافظات، وليس فقط في القاهرة والإسكندرية، بهدف ربط المناطق الصناعية مباشرة بالأسواق العالمية، وتقليص زمن وتكلفة التصدير، بما يمنح المنتج المصري ميزة تنافسية حقيقية.

 

البيروقراطية… التحدي الأكبر

 

واختتم الخبير الاقتصادي تصريحاته بالتأكيد على أن البيروقراطية لا تزال تمثل التحدي الأكبر أمام الدولة المصرية، مشددًا على ضرورة وجود مسؤولين متخصصين في إدارة الأولويات، قادرين على اتخاذ قرارات سريعة ومدروسة في آن واحد.
وأكد أن المرحلة الحالية، بما تحمله من زخم سياسي في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، تمثل فرصة تاريخية لا تحتمل التأجيل، داعيًا إلى استغلال هذا الزخم لتحويل الفرص العالمية إلى عوائد اقتصادية ملموسة، تعزز من قوة الاقتصاد الوطني وتضع مصر في موقعها الذي تستحقه على خريطة الاقتصاد العالمي.

 

تسجيلى
 

تم نسخ الرابط