الأربعاء 11 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

عندما تحصد القاهرة  ثمار  صبرها الاستراتيجى
 

شوارع السياسة ليست اتجاهًا واحدًا.. إما رايح وإما جاى. 


شوارع السياسة، اتجاهات وزوايا وأركان وأزقة أحيانًا، تتيح للقادم تغيير الاتجاه، وتبيح للغادى إعادة النظر فى الطريق طبقًا للمقتضى، ووفقًا للمصالح والمستجدات. 


فى التعريف السياسة فن الممكن.. لذلك ففيها تصبح الممكنات أكبر من المستحيلات، مع فرص لائحة دائمة الاستدارة بعد الاستنارة وفقًا للمستجد، مؤسسًا على طبيعة الجغرافيا والتاريخ. 


لذلك، غيرت أنقرة اتجاهاتها، وفى الأخير ولت وجهها شطر القاهرة.


لماذا القاهرة؟ 


لأن معادلات الثقل الإقليمى، هى بالضرورة ما يحتم على صاحب المصالح طرق الأبواب، والعمل على فتح القنوات، وربما إعادة التموضع، لأجل أهداف مترامية فى الأفق. 


تفطن أنقرة اليوم، بعد مياهٍ كثيرة جرت فى نهر علاقتها بالقاهرة، إلى أن الأخيرة، لديها من الرغبة والقدرة على التعاون بأيدٍ ممدودة وصدر رحب، لكل ما لا يخالف ثوابتها ولا ما ينتقص من هيبتها ولا يأتى على مصالحها. 


اليوم غير أمس.. وغدًا مختلف عن اليوم. 


والتغيرات فى الإقليم، بكل ما حملته وتحمله من سخونة، وتقلبات، وأنواء، تلقى مزيدًا من الهموم على صنَّاع القرار فى الإقليم. 


لذلك، فإن أنقرة وجدت أنه ليس من الفطنة، الصدام مع القوى الكبرى فى المنطقة، وأنه ليس من المفيد التعامل بعيدًا عن الدول المؤثرة، بجغرافيتها وتاريخها وقدراتها.

-1-


عادت أنقرة إلى القاهرة والعود أحمد. 


رجعت تحمل هذه المرة باقات ورود ورغبات فى التوافق، بعد أعوامٍ من منغصات، وبعد سنوات من مغامرات تبين أن منطلقاتها غير حقيقية وغير حقوقية.. وغير عملية أيضًا. 


زيارة أردوغان للقاهرة إشارة إلى أن فى السياسة، غالبًا ما تحتم ميزات وأماكن الدول الكبرى فى الإقليم التعاون والتحالف، خصوصًا بعد التغيُّر فى الاتجاهات، وبعد إعادة النظر فى السياسات. 


تطويع السياسات وإعادة النظر فى الاتجاهات اعتراف ضمنى بأن ما فات مات، وأن ما انقضى قد مضى. 


أهدى الرئيس أردوغان الرئيس السيسى باكورة الإنتاج التركى من السيارات الكهربائية، وفى الصور ظهر رئيس الدولة المصرية على عجلة القيادة. 


مصر على عجلة القيادة بالفعل، والثوابت والوقائع خلال السنوات الماضية لم تثبت فقط أن مصر تقود، إنما أكدت أن تلك القيادة تختلف كثيرًا فى أنها تتعاطى السياسة من منطلقات الحق، وتتعامل مع المستجدات من منطلقات الأخلاق، وأنها تتشابك مع الأزمات طبقًا لقواعد عدم الاعتداء وعدم التدخل فى شئون الآخرين، مع رغبات دائمة فى الحوار.


تبقى خطوط القاهرة الحمراء، ظاهرة فى خلفية المشهد، خصوصًا فى الأوقات التى يقتضيها الأمر وتحتمها الظروف. 


لكن الخطوط الحمراء ليست منوالًا ثابتًا فى السياسة، وفى السياسة المصرية على وجه الخصوص. 


واجهت القاهرة خطوبًا لا تعد فى السنوات القليلة الماضية، كان على القيادة فيها حماية الدولة، وتحصين أركانها فى مرحلة تكاد غير مسبوقة فى تاريخ هذا البلد. 
اهتزت الدولة من الداخل، ومن الخارج، وتناثر على أطرافها كلها إرهاب موجه، تهديدات مرتبة، وأنواء عواصف فاقت الأعاصير. 


استوجبت تلك الأخطاب إظهار العين الحمراء. 


فى أغلب الأوقات لم تتوفر البدائل لمواقف حاسمة سريعة وناجزة.

 

-2-


لم يحدث أن عادت القاهرة أحدًا، وهى لم تتغول على أحد.


بالعكس، هى صدت محاولات التغول، وأوقفت بخطوطها الحمراء رايات العداء. 


لم تكن المعركة المصرية مع الإخوان هى وحدها أُس القضايا ولُب المشكلات.. كانت هناك معارك الثورة والحقوق، فى الغرب كما فى الشرق كما فى الجنوب. 
لم يكن هناك بد من أن تفرض القاهرة، ما تراه مناسبًا لها فيما يتعلق بحقوقها المشروعة فى شرق المتوسط. 


حتى فى ممارسات القاهرة لحقوق مشروعة، لم تغلق الأبواب أو توصدها فى مواجهة الآخرين. 


بالعكس، تركت القاهرة دائمًا بصيصًا من أضواء  للمغاير فى ارتباطات مع الصديق، وكانت تترك مساحات يمكن ارتيادها مع المخالف فى الالتزامات مع الشريك. 


انتهجت القاهرة، رغم كل الأحداث، صبرًا استراتيجيًا هى تجنى ثماره اليوم، وبزيارة أردوغان، وصلت الأمور إلى حافة الأمان وإلى درجة التوافق، والتفاهم على ثوابت مشتركة فيما يتعلق بقضايا المنطقة والإقليم. 


النية واضحة لتحالف إقليمى من نوع ما. كما أن النوايا تبدو صادقة هذه المرة، فى الوقت الذى لم يثبت على مصر مرة التعامل بأكثر من وجه أو الحديث بأكثر من نبرة. 


فى زيارة أردوغان إشارات واضحة، حملها على سبيل المثال اجتماع رفيع المستوى لمجلس التعاون الاستراتيجي. 
ضف إلى ما سبق اجتماع رجال المال المصريين والأتراك. 


المعنى أن المصالح تفرض نفسها، وأن التعاون كلما كان بنَّاءً يدفع للأمام فلا بُد أن يكون الخيار الوحيد.

 

-3-


قبل سنوات نفى الرئيس التركى أية نية للتقابل مع الرئيس عبدالفتاح السيسى مهما كانت الظروف. 


الأسبوع الماضى، استقبله الرئيس عبدالفتاح السيسى فى الاتحادية، بابتسامة وحفاوة.. وكرم معهود. 


المشتركات المصرية التركية أهم. 


والتفاهمات فيما يتعلق بالقضايا المشتعلة على الخريطة، تلفت بالضرورة نظر الأتراك، كما تستحوذ على نظر صاحب القرار فى مصر. 


التشابكات مليئة بالعقد، من أول قطاع غزة مرورًا بالمشكلة الأزلية فى السودان وصولا للصراع الإقليمى فى القرن الإفريقى. 


الوضع فى ليبيا هو الآخر على المائدة، طريح جريح، بانعكاساته على أمن البحر المتوسط، وأمن المنطقة والأمن القومى المصرى بشكل خاص. 


ما أدت إليه الأحداث فى سوريا ليس يسيرًا، وفيه بالضرورة مزيد من مستجدات، رغم الخفوت، فإن حزب الله ما زال له محل مختار فى لبنان، والحوثى فى اليمن آثر ما يشبه الاستكانة حتى حين، والحرب مع  إيران على أبواب المفاوضات، حيث يلتقى الطرفان فى مسقط، بينما زئير حاملات الطائرات يسمع فى الخليج. 


فى تل أبيب هناك من لا يزال على سعيه لفرصة فى إعادة رسم الخريطة، وإعادة تخطيط الطرق والحدود. 


فى إسرائيل هناك من يعمل على استغلال الجغرافيا، وإن لم يكن بتحديثها، وإن لم يكن فتغييرها. 


يقينًا، تصب الخلافات فى رفع رسومات بيان الخطط فى تل أبيب، وسط سياسات أمريكية، تقول أحيانا ما لا تفعل، وتفعل أحيانا ما لم تقله. 


تتوافق مصالح أنقرة مع المصالح المصرية.. هذا خيار أفضل من خيارات أخرى. 


خصوصا أنه ثبت أن الشعارت لم تجد كحلول للمشاكل المعقدة، وثبت أيضًا أن الكلام لم ينفع فى إيجاد سبل ناعمة للبدائل على الأرض. 


لذلك تغيرت المواقف، وعاد كثيرون لتأمل وجهات النظر المصرية، بعد سنوات من إما الاعتراض، وإما الامتعاض، أو اللعب من تحت الطاولات. 


عاد البعض إلى العلم بأن البحث عن المشتركات أولى، وأن التفاهمات متاحة دائما فيما يتعلق بأى قضايا خلافية مهما كانت. 


هذه المبادئ مصرية بامتياز، وضعها عبدالفتاح السيسى قواسم وعوامل واجبة النفاذ فى كل القضايا الخلافية. 


قادت تلك العوامل العقبات إلى التفتت، وفرغت كثيرًا من مشكلات قائمة من محتواها بعدما ظن آخرون أنها بلا حلول ولا أمل ولا مستقبل. 


تفرض الظروف المحيطة تحالف ضرورة «مصرى ــ تركى» قد يضم آخرين. 


فى حكم المسلمات، أن الخلافات مع مصر غير مجدية وليست عملية. وبات فى حكم المسلمات أن الدول التى تسعى إلى تصفير مشكلاتها فى الإقليم، تبدأ من القاهرة، وتنتهى عندها. 


ليست شوفينية ولا مبالغات. 


عناصر اللعبة ودواخلها وتخريجاتها ومدخلاتها ومخرجاتها عرفتها مصر منذ زمن، كما يعرف الناس كفوف الأيدى. 


لم تحقق الخلافات مع مصر نتائج مرجوة، إضافة لما تثبته التجارب من أن فى الرؤية المصرية وجاهة أكثر، واستقراءً أوقع، وأسسًا أكثر سلامة.. فى علوم السياسة.. وفى مبادئ الأخلاق.. وعلى صفحات التاريخ. 


عود حميد.. أو كما يقول الأتراك: هوش جيلدينز.. أي جونلار.


نقلًا عن مجلة صباح الخير

تم نسخ الرابط