أيام قليلة ويحلّ علينا شهر رمضان المبارك، شهر القرآن والرحمة والغفران، الشهر الذي تصفد فيه الشياطين بالسلاسل وتقيد حركتها، فتفقد قدرتها على إغواء ضعاف الإيمان والعزيمة وغيرهم من الغافلين عن ذكر الله، ورغم ذلك نجد أن هناك شياطين من نوع آخر، هم "شياطين الإنس"، الذين تسقط عنهم الأقنعة المزيفة في هذا الشهر الفضيل، حيث يمارسون دورهم التخريبي بكل الأشكال والطرق المختلفة، مما يتنافى مع قدسية وطهارة هذا الشهر والحالة الروحانية التي تهيمن على قلوب العباد.
إن ظاهرة "شياطين الإنس" ليست مجرد مقولة تتردد أو تعبير مجازي يصف بعض البشر، بل هي حقيقة قرآنية ثابتة وواقع ملموس ومرصود يتعاظم ويتضاعف خطره حين يغيب شياطين الجن عن الساحة، فيظهر شياطين الإنس بأفعالهم وسلوكياتهم البشرية الآثمة، فكلنا نعلم أن الشياطين "الجن" هم طائفة تستهدف البشر و تؤثر عليهم عن طريق الوسوسة في قلوبهم وعقولهم بهدف ترك الطاعات وفعل المعاصي والسعي في الأرض فساداً وصرف الإنسان عن الحق، وذلك يتم بشكل خفي غير مرئي، لذلك تُسلسل شياطين الجن في هذا الشهر المبارك تعظيماً لقدسيته وإكراماً للصائمين.
بينما "شياطين الإنس"، هؤلاء لا يحتاجون ولا يعتمدون على أساليب الوسوسة التقليدية التي تبنى على التحريض الخفي، بل إن وساوسهم تظهر في صورة علنية ظاهرة للجميع، وذلك بفضل ما يمتلكونه من إمكانيات وأدوات مؤثرة تتناسب مع عصرنا الحديث، من خلال تسهيل عملية التلاعب بالاحتياجات والمتطلبات البشرية ومنها: تعاونهم مع شياطين الجن في نشر الشبهات والتحريض على المعصية، صناعة الفتن ونشر الشائعات، تزيّين الباطل والصدّ عن طريق الحق، والدعوة إلى إفساد الذوق العام بشتى الطرق، صناعة التفاهة والابتذال، زيادة الأعباء الاقتصادية من خلال التلاعب بالأسواق "تعطيش السوق، المغالاة في التسعيرة"، وغيرها من محظورات تساهم في إضاعة أجر الصائم وحسناته.
ذكر الله تعالى في كتابه العزيز نوعين من الشياطين، حيث جاء في إشارة صريحة إلى شياطين الجن وشياطين الإنس، وذلك في قوله تعالى: "وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون".
كما جاء بالأحاديث النبوية توضيح وتأكيد على وجود هؤلاء: عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أبا ذر، تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن"، فقلت: أوَ للإنس شياطين؟ قال: "نعم".
ختاماً.. إذا لاحظت أن هناك من يدعوك إلى عمل يزين لك صالحاً وهو في حقيقته باطل، أو عند مواجهة من يستشعر بحاجتك إلى شيء ما ويقوم باستغلالك، هنا عليك أن تنتبه جيدا لمن أمامك، واعلم أنه "شيطان إنسي" ومهمتك ودورك أن تتعامل معه بحذر ووعي شديد، وعليك التصدي له بالالتزام والتحصن بالصفات الأخلاقية والإيمانية.
أخيراً.. شياطين الإنس هم من يبرزون ويظهرون في شهر رمضان الفضيل كي يتفننوا ويخططوا لإبعادنا عن جني ثمار شهر الجود، الذي تتضاعف فيه الحسنات، وتُغفر فيه الذنوب، وتفتح فيه أبواب الجنة، وتملأ القلوب بالسكينة والقيام، والتهجد، والدعاء، وتلاوة القرآن، مما يجعله فرصة للتغيير، والتوبة، وتجديد الإيمان، لذا فاحذروا شياطين الإنس.
كل عام وأنتم بخير ربنا يجعل أيامنا كلها طاعة خالصة لوجه الله.



