الأحد 15 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

أكتب لكم هذه الكلمة من (برلين)، وعلى عكس كل التوقعات؛ الشمس منذ الصباح ساطعة ودرجة الحرارة مواتية جدًا، وأفكر جديًا فى نزع (البالطو) سلاحى الوحيد فى مواجهة صقيع (برلين).
 


هذا المهرجان يحمل لى (بورتريه) تتجسد ملامحه بسينما يوسف شاهين، الذى يرصد فيها سيرته الذاتية، ويضع الكثير من التفاصيل حول علاقته بالمهرجانات، (برلين) يشكل واحدًا من أهم الإحباطات العالمية له عام 58 مع (باب الحديد) بعدها بنحو 21 عامًا أصبح يشكل أكبر اعتراف دولى بعد حصوله على جائزة المهرجان (الدب الفضى) 79 بفيلمه (إسكندرية ليه)، وإحساسه فى البداية أنها مؤامرة مقصودة لأنه مصرى ينتمى إلى فكر ثورى قاده جمال عبدالناصر، وكنا أعقاب العدوان الثلاثى على مصر عام 1956، وهناك بالطبع إحساس يملأ كل المصريين بالنصر وأيضًا تم زرع ثقافة شعبية تشير إلى أن الغرب يرفضنا وعلينا أن ننتصر عليهم حتى ولو بشريط سينمائى ننتزع منهم الاعتراف بأننا الأفضل، رغم أن المقصود وقتها بالعدوان الثلاثى إسرائيل وإنجلترا وفرنسا، إلا أن بعد تقسيم ألمانيا فى أعقاب الحرب العالمية الثانية إلى شرقية وغربية، وبرلين كانت عاصمة الجانب الغربى المنحاز للرأسمالية الأمريكية ضد الاشتراكية (الروسية) وكان اسمها فى ذلك الوقت الاتحاد السوفيتى، فهذا يعنى أن مهرجان (برلين) يقف سياسيًا ومن ثم ثقافيًا وفنيًا ضد مصر، وبالطبع لم تكن الأمور من الناحية العملية، بكل هذا الوضوح والجنوح، ولكن كانت تلك هى قناعتنا وقراءتنا منذ منتصف الخمسينيات.
 


اللمحة الثانية فى مهرجان (برلين) فيلم (إسكندرية ليه؟) ليوسف شاهين وحصوله على جائزة ( الدب الفضى) من لجنة التحكيم أفضل مخرج عن الفيلم.
 


فى تلك الدورةالاستثنائية فى تاريخ (برلين) والتى شهدت منازعات بسبب الفيلم الأمريكى (صائد الغزلان) والكثيرون وقتها اعتبروا أن الفيلم معادٍ للتحرر وخلطوا السياسة بالفكر وانسحبوا، ولكن يوسف شاهين لم يشاركهم الغضب ولم ينسحب وواصل؛ وكان يرى أن عليه استكمال المغامرة، وحصل فى النهاية على الجائزة وكان فى الحقيقة يستحقها، وهى نقطة فارقة جدًا فى التقييم عندما ينحاز فنانون أو قطاع منهم إلى موقف سياسى، بينما يقف آخرون على الجانب الآخر، ويبقى السؤال: هل الانسحاب وإعلان الغضب هو الصحيح وما دون ذلك يعتبر مرادفًا للتراجع والضعف والانسحاق؟!
 


ستظل المهرجانات ساحة مفتوحة للصراع السياسى، ولكن وبنفس الدرجة تظل العصمة بيد المبدعين، قد تتداخل عوامل أخرى سواء فى ترشيح الأفلام أو تتويجها بجوائز، ولكن تظل العصمة فى البداية بيد أعضاء لجان التحكيم، وبعد ذلك تنتقل العصمة للجمهور، فهو الذى يملك أن يمنح المهرجان مصداقية أو يضنّ عليه بها، فيفقد بعدها معناه وجدواه!
 


ملحوظة: قبل أن أنتهى من كتابة تلك الكلمة اكتشفت أن درجة الحرارة تراجعت واقتربت مجددًا من الصفر، ولا أتصور أن (البالطو) صار وحده يكفى!. 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط