حينما دخلت الكهرباء القرى والريف توارت الحكايات الخرافية الشعبية، ومع ظهور التليفزيون اختفى الجن والعفاريت، وأصبحت الأشباح تطل من الشاشات وابتعدت عن الغيطان المظلمة والسواقى المهجورة، ومع وجود الإنترنت ماتت المرويات الشفهية التى تحكى عن كنوز مدفونة تنتظر من يخرجها من باطن الأرض، وعن السحرة الذين يدورون فى البلاد يسحرون الناس ويفكون الأعمال ويخرجون العفاريت من الأجساد التى سكنتها وأوهنتها، ويحولون الحسناوات إلى وجوه مشوهة وينقذون الفتيات من الجن الذين عشقوهن، واختفت الأرانب التى تتحول إلى أحجار عند محاولة ذبحها، والديوك التى إن استطعت اصطيادها تفتح مغارات وسراديب الذهب والأموال، ولم تعد النداهة تنادى وتغرى من تراه يمشى وحيدا فى الظلام فتجذبه إلى عالمها السفلى، ولم يظهر للقتيل قرين فى عتمة الليل يردد آخر كلام قاله عند احتضاره، حكايات كانت زاد جيلى ومن سبقنى، نسمعها من الجدات والأمهات فتثير خيالنا، تأخذنا إلى عالم الأساطير فنحلم بالجنيات وخاتم سليمان وبساط الريح ومصباح علاء الدين، وتزرع داخلنا الخوف من الأشباح والعفاريت ورغم ذلك نستعيدها مرات ومرات ونطلب منها المزيد، فقد كانت تلهب خيالنا وتأخذنا إلى عوالم خفية، هذه الحواديت الجميلة لو سمعها الجيل الحالى لسخروا منها، ولأنهم لم يعرفوا رهبة ليل الريف المظلم الخالى من الكهرباء والنور، فلن يستطيع خيالهم أن يصل إلى إحساسنا بالخوف والشجاعة معًا فى مواجهة قوى غير مرئية نسمع عنها ولا نراها، هذه الحكايات توشك أن تندثر وتضيع مع وفاة الأجيال التى حملتها فى صدورهم وتناقلتها جيلا بعد جيلا، بعد أن أصبح التليفزيون من بعده الإنترنت بديلا لها، ولأن هذه الحكايات هى تراثنا وثقافتنا الشفهية فمن الواجب الحفاظ عليها ودراستها، باعتبارها جزءا مهما من تاريخنا الأدبى والثقافى والشعبى، ولهذا كنا فى حاجة لمن يجمعها قبل أن تضيع بوفاة من بقى يحتفظ بها فى عقله ووجدانه، هذا الجهد الكبير قام به المفكر الكبير والكاتب البارز الدكتور عمار على حسن الذى جمع 70 حكاية شعبية وخرافية من قرى الصعيد فى كتابه الصادر مؤخرًا عن الدار المصرية اللبنانية بعنوان «الأرانب الحجرية 70 حكاية خرافية»، انتقى عمار هذه الحكايات بعين الباحث الاجتماعى والسياسى، وكتبها برشاقة الأديب والشاعر، محافظا فى نفس الوقت على بكارتها ورونقها وبراءتها، وهى المرويات التى سمعها فى قريته الإسماعيلية بالمنيا قديما وظل محتفظا بها فى ذاكرته، واستعان بشقيقه محمد فى تذكيره بتفاصيلها والذى ظل بالقرية يواصل سماع الحكايات ويحتفظ بها فى ذاكرته ويسردها كلما أتيحت له الفرصة، وهى بالمناسبة حواديت موجودة فى كل قرى الصعيد مع اختلافات طفيفة فى تفاصيلها وأسماء أبطالها، ولكن ما الذى دفع عمار إلى جمع هذه الحكايات؟ يجيب فى مقدمة الكتاب «قد يكون الحنين للماضى، وأيضا الإسهام فى تغذية أوصال أدبنا المعاصر بشق من واقعة سحرية منسية عن اغلب الأدباء فى زماننا، وعرض صورة من أدب شعبى إن انشغلنا به وقدمناه فى صورة بهية عفية سيكون له مكانة فى الآداب الإنسانية «ويضيف عمار» هناك سبب آخر وهو التحدى الذى يضعه الذكاء الاصطناعى أمام الأدب فهو لا يمكنه حتى الآن أن يجارى المخيلة الإنسانية، ولكن الاعتماد عليه عند البعض آخذ فى الازدياد وربما يزحف هذا إلى كتابة القصص والروايات مستقبلا لا سيما عند الجيل الجديد، وقد تكون العودة إلى الحكايات الشفاهية المتداولة الراسية فى القيعان البعيدة لمجتمعاتنا والغارقة فى الحكائية المحلية طريقا للحفاظ على أصالة ما واكتشاف جوهر مردوم تحت غبار كثيف من الإهمال والغفلة والاستسهال»، ويتمنى عمار «أن تمتد يد الأدب لالتقاط هذه الجواهر المطمورة وإعادة تقديمها وفق سردية معاصرة تنقلها من الشفاهة إلى الكتابية»، ويرى عمار «أن هناك تراجعًا لهذه الحكايات عند الجيل المعاصر وربما يؤدى الأمر إلى اختفاء الحكايات الخرافية مستقبلا مثلما اختفت الكثير من الألعاب الشعبية والطقوس الموروثة والسير الملحمية التى كانت تحكى فى الأفراح والموالد، ولذا فإن جمع هذه الحكايات عملا لازما خصوصا فى معرض تعزيز الواقعية السحرية النابتة فى رحاب مجتمعنا»، طاف بنا عمار فى ليل الريف حيث حكايات «حمار الليل» و«أبو رجل مسلوخة» و«الغول» و«الأرانب الحجرية» و«الخروف الشارد» و«التوأم القط» و«البيت المسكون» و«الغراب المشئوم» و«الطلاسم» و«التمائم» و«المندل» و«مخاواة الجن» و«كرامات الأولياء والقدسيين»، وغيرها من الحكايات الخرافية، والحقيقة أن العوالم الخفية كانت دائما منهلا للمبدعين من قديم الزمان فنجدها فى تراثنا العربى فى «ألف ليلة وليلة» و«كلية ودمنة» كما توجد فى الأدب العالمى مثل كتاب «حكايات خرافية» للأديب الألمانى الشهير «هيرمان هسه»، كما استفاد منها نجيب محفوظ فى «ليالى ألف ليلة» وطه حسين فى «القصر المسحور» و«أحلام شهر زاد» وغيرهما من الأعمال الأدبية، ومازالت يتم استلهامها بشكل ما وإن غلب عليها الطابع الغربى فى روايات وقصص الرعب التى أصبحت الأكثر مبيعًا فى عصرنا الحالى.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



