تراجع حيازة الصين للسندات الأمريكية يثير مخاوف من انسحاب عالمي محتمل
أبرز التراجع المؤقت في سوق سندات الخزانة الأمريكية، عقب دعوة الصين لتقليص حيازتها، التحول الاستراتيجي طويل الأمد لبكين بعيداً عن الديون الأمريكية، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف بشأن احتمال انسحاب أوسع للمستثمرين العالميين من سوق السندات الأمريكية.
وتشير بيانات حيازة الصين لسندات الخزانة الأمريكية إلى أسباب تجاهل المستثمرين السريع للتقارير التي أفادت بأن بكين طلبت من البنوك المحلية الحد من مشترياتها من السندات الأمريكية، وفق وكالة "بلومبرج" الأمريكية.
تعد الصين أكبر مقرض أجنبي للحكومة الأمريكية، إلا أنها خفّضت حيازتها من هذه السندات إلى النصف تقريباً منذ عام 2013، وهو ما دفع المستثمرين إلى اعتبار التطورات الأخيرة امتداداً لاتجاه قائم بالفعل.
وتكمن المخاوف حالياً في احتمال أن تؤدي السياسات غير المتوقعة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى توتر علاقات واشنطن مع حلفائها، ما قد يدفع مقرضين تقليديين مثل أوروبا واليابان إلى تقليد الصين في تقليص حيازاتهم من الديون الأمريكية.
ورغم هذه المخاوف، تشير موجة الطلب الأجنبي القوية إلى أن التحول الصيني قد يظل استثناءً وليس قاعدة عامة، لأنه باستثناء فترات قصيرة من التوتر، واصل سوق الدين الأمريكي أدائه السلس، حيث ظلت فروق الأسعار محدودة، وانخفضت مستويات التقلب إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، كما شهدت مزادات السندات طلباً مستقراً.
وشهدت السندات الأمريكية تراجعاً مؤقتاً، الاثنين الماضي، ما أدى إلى ارتفاع عائد السندات لأجل 30 عاماً بنحو خمس نقاط أساس، قبل أن تعاود العوائد التراجع، خلال تعاملات أمس الثلاثاء، مع تركيز المستثمرين على بيانات الوظائف الأمريكية واحتمالات خفض أسعار الفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي.
واستقرت السندات الأمريكية - خلال جلسة اليوم الأربعاء - حيث تراجع عائد السندات لأجل عشر سنوات نقطة أساس واحدة إلى 4.13%.
وقال بوب ميشيل، كبير مسئولي الاستثمار ورئيس الدخل الثابت العالمي في (جيه بي مورجان لإدارة الأصول)، إن الصين خفّضت حيازتها من السندات تدريجياً واتجهت إلى فئات أصول أخرى، مضيفاً أن الطلب على السندات الأمريكية لا يزال قوياً حالياً.
وأبدى المنظمون الصينيون قلقهم من أن الحيازات الكبيرة من الديون الأمريكية قد تعرض البنوك لتقلبات حادة في السوق، حيث طلبوا من المؤسسات المالية تقليص مشترياتها وخفض انكشافها على هذه الأصول.
ويرجع جزء من توجه الصين نحو الأصول الأجنبية إلى الفائض التجاري القياسي الذي بلغ 1.2 تريليون دولار، حيث فضلت الشركات والبنوك استثمار عائدات الصادرات في الخارج لتحقيق عوائد أعلى بدلاً من إعادة الأموال إلى الداخل.
ويرى خبراء أن التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين تجعل استمرار بكين في تمويل الحكومة الأمريكية أمراً محل تساؤل متزايد، وقال ستيفن جين، الشريك المؤسس لشركة «يوروزون إس إل جي كابيتال»، إن فكرة إقراض الحكومة الأمريكية لم تعد تلقى ترحيباً واسعاً داخل الصين، وفقًا لـ"بلومبرج".
وجاءت التحذيرات الصينية بعد أسابيع من تهديد ترامب بالاستحواذ على جرينلاند، وهو ما أثار قلق الأسواق، ففي يناير، أعلن صندوق التقاعد الدنماركي «أكاديميكير بنشن» خروجه من استثمارات بقيمة 100 مليون دولار في سندات الخزانة الأمريكية، بينما خفض صندوق «إيه بي بي» لهولندي حيازاته بنحو 10 مليارات يورو خلال 6 أشهر حتى سبتمبر الماضي.
كما تراجعت حيازات الهند من السندات الأمريكية إلى أدنى مستوياتها في 5 سنوات في إطار دعم عملتها وتنويع احتياطاتها، فيما انخفضت أيضاً حيازات البرازيل من السندات طويلة الأجل.
وقال داميان لو، كبير مسئولي الاستثمار في «إريكسينز كابيتال»، إن الاتجاه العام يشير إلى تقليص المستثمرين غير الأمريكيين انكشافهم على الأصول الأمريكية، خصوصاً سندات الخزانة.
ورغم وصول إجمالي الحيازات الأجنبية إلى مستوى قياسي بلغ 9.4 تريليون دولار في نوفمبر، فإن حصتها من إجمالي الدين الأمريكي تراجعت إلى نحو 31% مقارنة بحوالي 50% في عام 2015، نتيجة تسارع وتيرة الاقتراض الحكومي الأمريكي.
ومع ذلك، يرى خبراء أن الحديث عن عزوف جماعي عن شراء السندات الأمريكية مبالغ فيه، حيث أوضح جيم أونيل، الرئيس السابق لإدارة الأصول في «جولدمان ساكس»، أن استمرار العجز التجاري الأمريكي يعني تدفق الدولارات إلى الخارج، وهو ما يدفع الدول الأجنبية إلى إعادة استثمارها في السندات الأمريكية باعتبارها أحد أبرز الملاذات الآمنة.
ويعتقد بعض المحللين أن الانخفاض الفعلي في حيازات الصين قد يكون أقل من المعلن رسمياً، إذ قد تكون بكين نقلت جزءاً من استثماراتها إلى مؤسسات حفظ أصول في أوروبا، وتشير البيانات إلى تضاعف حيازات بلجيكا من السندات الأمريكية بمقدار أربع مرات منذ 2017 لتصل إلى 481 مليار دولار، وهو ما يُعتقد أنه يشمل بعض الاستثمارات الصينية.
ويرى إيسوار براساد، أستاذ السياسات التجارية بجامعة كورنيل، أن البنك المركزي الصيني لا يملك بدائل كافية للدولار، بسبب محدودية الأصول الآمنة والسائلة المقومة بعملات أخرى، مؤكداً أنه من غير المرجح أن تكون الصين قد قلّصت اعتمادها على سندات الخزانة الأمريكية بالقدر الذي تعكسه البيانات الرسمية.






